دراسة: يميل المستخدمون إلى التفاعل مع الأخبار المؤثرة عاطفيًا بغض النظر عن صحتها
أجرى باحثون من كلية روبنسون للأعمال التابعة لجامعة ولاية جورجيا، وجامعة كينيساو ستيت، وجامعة تينيسي، دراسة، تشرح أسباب استهلاك المعلومات المضللة في أوقات عدم اليقين، مثل جائحة كوفيد-19.
الدراسة التي نشرتها مجلة "Information Systems Frontiers"، في يوليو/تموز الفائت، خلصت إلى أنّ الجانب العاطفي يؤثر بشكل أساسي على تقبل هذه المعطيات، خاصة في أوقات الأزمات.
لماذا يشارك الناس أخبارًا غير متأكدين من صحتها؟
في عالم تنتشر فيه المعلومات المضللة أسرع من الحقيقة، توضح الدراسة أن كثيرًا من الناس لا يتعاملون مع الأخبار بمنطق "هل هي صحيحة؟” بل بمنطق "كيف تجعلني أشعر؟" وتقدم تفسيرًا لسبب وقوع الكثير من الناس في فخ الأخبار الزائفة، حتى عندما يشكّون في صحتها.
قدمت الدراسة ما يُعرف بـ نموذج "أبعاد المحتوى – نافذة أوفرتون – المنفعة المدركة" (COP)، المبني على نظرية المنفعة متعددة الأبعاد، لفهم لماذا يختار مستخدم مواقع التواصل أن يقرأ خبرًا معينًا أو يتفاعل معه أو يضغط زر "مشاركة".

الآلية وعينة الدراسة
يركز النموذج على ثلاثة أبعاد لأي محتوى إخباري: أولها الصدق (Veracity) ليقيس مدى دقة المعلومات وصحتها. وثانيًا الجاذبية العاطفية (Emotional Appeal) أي نوع وقوة المشاعر التي يثيرها الخبر، وأخيرًا الملاءمة (Relevance) والتي تعبر عن مدى ارتباط الموضوع بحياة المتلقي وتجربته اليومية.
هذه الأبعاد تدمج مع مفهوم نافذة أوفرتون، وهي الإطار الذي يحدد الأفكار التي يُنظر إليها اجتماعيًا على أنها "مقبولة" أو "معقولة" في لحظة تاريخية محددة. فإذا وقعت الأخبار الزائفة داخل هذه النافذة، أو دفعت حدودها قليلًا دون أن تخرج تمامًا عن المقبول، تصبح أكثر قابلية للتصديق والمشاركة.
وتميز الدراسة بشكل واضح بين صحافة التابلويد (الصحافة القائمة على عنصر الإثارة) والأخبار الزائفة. فالأولى معروفة بطابعها الترفيهي والمبالغ فيه، وغالبًا يدرك القراء أن ما فيها ليس "حقائق صلبة"، بينما الأخبار الزائفة تتقمص شكل الأخبار الجادة وتستهدف إقناع المتلقي بمعلومات غير صحيحة، مع توجيه مشاعره في الوقت نفسه.
ولاختبار النموذج، حلل الباحثون أكثر من عشرة آلاف منشور على موقع إكس حول كوفيد-19، ودرسوا أي المنشورات حصدت إعجابات أكبر، وأيها تعرّض لما سماه الباحثون بـ"التحجيم" أي تلقت ردودًا وانتقادات سلبية أكثر من الإعجابات، مع تحليل نبرة المحتوى، ومستوى الثقة، ودرجة الملاءمة لحياة المتلقين.
المستخدمون يشاركون الأخبار التي تسد حاجاتهم العاطفية بغض النظر عن صحتها
كشفت الدراسة عن نتيجة لافتة مفادها أن نبرة الخبر العاطفية، خصوصًا السلبية كالخوف، والغضب أو النفور، كانت عاملًا أقوى من درجة صدقه في التنبؤ بانتشاره. حتى عندما كان المحتوى أقل دقة، كان يكفي أن يلمس وترًا عاطفيًا حساسًا لدى الناس، وأن يبدو قريبًا من تجربتهم، ليحصل على إعجاب ومشاركة.
وفي أوقات الأزمات وعدم اليقين، مثل الجائحة، تحولت الأخبار الزائفة -بحسب الباحثين- إلى نوع من الدعم العاطفي أكثر منها مصدرًا للمعلومات.
أشار الباحثون إلى إشكالية أكثر خطورة من تفضيل المستخدمين المشاعر على الحقائق، إذ إن مشاركة الأخبار الزائفة، بصورة أو بأخرى تشكل حدود النقاش العام، فحين تنتشر قصص عاطفية زائفة على نطاق واسع، فإنها لا تُقنع الأفراد فقط بمعلومة معينة، بل تدفع ببطء حدود نافذة أوفرتون، بحيث تصبح أفكارًا كانت تُعد "متطرفة" أو "غير معقولة" أقل صدمة، وربما "طبيعية" مع الوقت، بمعنى آخر، لا يتعلق الأمر فقط بما يصدقه الناس، بل بما يصبح "مقبول اجتماعيًا". وهذا تأثير سياسي وثقافي عميق، خاصة في سياقات الاستقطاب الحاد والخوف الجماعي.

تقول الباحثة أمريتا جورج وهي إحدى مؤلفي الدراسة إن الدراسات السابقة كانت تربط تصديق الأخبار الزائفة بالتحيز التأكيدي، أي الميل إلى تصديق المعلومات التي تدعم رؤية المتلقي للعالم. لكن هذه الدراسة الجديدة تشير إلى أن هناك شيئًا أعمق يحدث، خاصة في أوقات الأزمات. وأردفت "وجدنا أن الناس يستهلكون الأخبار الزائفة بطريقة مختلفة عن أخبار التابلويد، التي تُقرأ عادة للترفيه ولا تؤخذ بجدية. أما الأخبار الزائفة، فيؤمن بها الناس ويشاركونها لأنها تبدو مفيدة لهم، سواء عاطفيًا أو معلوماتيًا".
كما أشارت نتائج الدراسة إلى أن المستخدمين كانوا "أكثر تسامحًا مع المعلومات الكاذبة" عندما كانت القصة تُشعرهم بالرضا العاطفي.
ما أهمية الوقوف على أسباب تداول الأخبار الزائفة؟
قالت جورج حول أهمية الدراسة، إنها تأتي في "زمن حرج"، زمن تدفق المحتوى المُنتج بواسطة الذكاء الاصطناعي، إذ أصبح فهم كيفية ولماذا ينتشر الخبر الزائف أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
من جانب آخر، أضافت الباحثة أن الدراسة تقدم "رؤى عملية"، فمثلًا، يمكن أن يساعد تطبيق مبدأ "نسبة الإعجابات إلى الردود على وسائل التواصل الاجتماعي" في تمكين المنصات من رصد المحتوى المضلل أو التحريضي المحتمل.
وبناءً على نتائج الدراسة، يقترح مؤلفو الدراسة أن تتضمن عملية التحقق من المعلومات نبرة عاطفية، تمكن المستخدمين من التفاعل مع نتيجة التحقق، وأن لا تشتمل على تقديم الحقائق بصورة جامدة للمتلقي.
إضافة إلى ذلك تؤكد الدراسة على أهمية التربية الإعلامية، وأنه يجب تعليم الناس ليس فقط كيفية اكتشاف المعلومات الكاذبة، بل أيضًا كيفية التعرّف عندما تُستغل مشاعرهم للتأثير عليهم.
وأشار الباحثون إلى دولة فنلندا على سبيل المثال، والتي بدأت بإدراج التربية الإعلامية ضمن المناهج المدرسية منذ مرحلة رياض الأطفال مؤكدين أن برامج مشابهة يمكن أن تساعد في حماية المجتمعات من المعلومات المضللة المدفوعة بالعواطف.
ونهاية، فإن أبرز ما لفتت إليه الدراسة هو الأثر المخفي لانتشار الأخبار الزائفة في "تغيير حدود الخطاب العام". فعندما تُقبل القصص العاطفية على نطاق واسع، فإنها توسّع نافذة أوفرتون تدريجيًا، لتجعل الأفكار المتطرفة أو غير القابلة للتصديق سابقًا تبدو طبيعية.
اقرأ/ي أيضًا
دراسة تحذر: روبوتات الدردشة تتملق المستخدمين وتخبرهم ما يودون سماعه
دراسة: المعلومات المضللة عبر الإنترنت والقلق من الإرهاب يشكلان تهديدات رئيسية






















