التسوّق الإلكتروني في تونس: عروض وهمية وغير مطابقة تضلل المستخدمين
في الوقت الذي باتت فيه التجارة الإلكترونية جزءًا أساسيًا من سلوك المستهلك التونسي، ظهرت صفحات رقمية تستغل هذا الإقبال لإطلاق عروض وهمية تُصمَّم بعناية لاستدراج الزبائن.
وتعمل هذه الصفحات وفق نمط متكرر يتمثل في اعتماد محتوى بصري جذاب وأسعار مغرية، مع ادعاءات حول جودة المنتج "العالية" وفقها، أو أنّه يمثل "عَلامَة أصلية"، قبل أن ينتهي الأمر بالمستهلك أمام "نسخة مزيفة" لا تشبه ما رأه إلا في الصورة.
يستعرض "مسبار" في هذا المقال الاستراتيجيات الأكثر شيوعًا التي تعتمدها الصفحات الوهمية والمتاجر غير القانونية في تضليل المستهلك، سواء عبر الترويج لمنتجات غير مصرح بها، أو من خلال استغلال الثغرات في منظومة التجارة الإلكترونية، على غرار غياب الهوية التجارية الواضحة، وتغيير أسماء الصفحات باستمرار، والاعتماد على الدفع عند التسليم كآلية تُصعّب محاسبة البائعين.
ويُسلّط المقال الضوء على التحذيرات الرسمية والمتكررة، والتي تكشف حجم المخاطر الصحيّة والقانونية التي تهدد المستهلك، وتدعو إلى التثبت من مصادر المنتجات، وعدم الانسياق وراء العروض الزائفة، والرجوع دائمًا إلى القنوات الرسمية للحصول على خدمات آمنة وموثوقة.
توسّع التجارة الإلكترونية في تونس
شهدت تونس تطورًا في مجال التجارة الإلكترونية خلال السنوات الأخيرة، مدفوعًا بعوامل عدة منها المرتبط، باستخدامات مواقع التواصل الاجتماعي، أو التي فرضتها الأوضاع الاقتصادية أو الصحية خلال جائحة كورونا.
وقد ارتفع حجم المدفوعات الإلكترونية المسجلة من 111.6 مليون دينار في 2015 إلى 342.4 مليون دينار في 2020، وفق تقرير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (CNUCED / UNCTAD) لعام 2022.
ومع هذا النمو، لا يزال الدفع عند الاستلام (COD) الخيار الأهم للمستهلك التونسي، حيث كشفت نفس الدراسة أن حوالي 84% من معاملات التجارة الإلكترونية تتم نقدًا عند التسليم.
كما قدّر رئيس فرقة مكافحة التهرّب الجبائي في تصريح إعلامي له في إبريل/نيسان الفائت، حجم التداولات الإلكترونية في 2024 بحوالي 2.5 مليار دينار، مع وجود نحو35 ألف بائع إلكتروني غير مسجل في السجل الجبائي.
وأصبح هذا القطاع المتنامي واجهة للاستهداف من شبكات غير منظمة تستغل ضعف الرقابة وتعتمد آليات تضليل لإيهام المستهلكين بجودة العروض ومصداقيتها.
أساليب الاحتيال الرقمي "طعم وتحويل"
أظهر تتبّع مسبار للمجموعات التي أحدثها تونسيون بهدف كشف زيف المنتجات ومنها مجموعات "Mauvais Plans"، وجود مئات الصفحات التي تتكرر فيها شكاوى المستهلكين يوميًا حول عمليات تحيّل إلكتروني منظمة.
كما بيّن هذا التتبع أن صفحات الاحتيال تعتمد مبدأً خداعيًا كلاسيكيًا يشبه أسلوب الطُعم والتحويل (Bait-and-Switch)، إذ تنشر صفحات وهمية على منصّات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك، صورًا احترافية لسلعها وتعرضها بأسعار مغرية، قبل أن يتبيّن لاحقًا أن المنتج المسلّم مختلف تمامًا، أو مقلّد، أو لا يُسلَّم أصلًا.
وأحيانًا تُعرض مقاطع فيديو لمؤثرين يعرضون منتجًا أصليًّا، ثم يقوم المحتالون بعرض نسخة مقلدة منه، وعند التسليم غالبًا يطالَب المستهلك بدفع المبلغ نقدًا، فيكتشف حينها أن السلعة المرسلة "نسخة مزيفة" و لا تمت بصلة لما رآه أو اعتقد أنّه اشتراه.
وهنا يتحول المؤثر، بوعي أو دون وعي، إلى أداة في عملية التدليس عبر خلق ثقة مزيفة لدى الجمهور تدفعهم للشراء.
وبعد تلقي شكوى أولية أو تعليق سلبي يبدأ أصحاب هذه الصفحات بحظر الزبون أو تغيير الأسماء وإخفاء الصفحات سريعًا لتجنب المتابعة القانونية.
مخاطر المنتجات المقلدة
حذرت منظمة حماية المستهلك في تونس من الأضرار المحتملة لهذه السلع على المستهلكين، خصوصًا في القطاعات التي ترتبط جودتها بسلامتهم.
كما حذّرت وزارة الصحة، في بلاغ لها في وقت سابق من هذا العام، من استعمال منتج يُروَّج له عبر الإنترنت تحت اسم "Lemon Bottle" ويقدَّم كحقن لإذابة الدهون، مؤكدة أنه غير مصرح به للاستعمال الحقني لا في تونس ولا دوليًا.
وأوضحت الوزارة أنّ هذا المنتج غير مسجّل لدى الوكالة الوطنية للأدوية، وأن تركيبته غير معروفة بدقّة ولا توجد أي دراسات علمية موثوقة تثبت فعاليته أو مأمونيته.
ونبّهت إلى خطورته البالغة لما قد يسببه من التهابات حادة، وتلف في الأنسجة، وانسداد في الأوعية الدموية (جلطات)، إضافة إلى تكتلات دهنية تحت الجلد.
كما حذّرت المهنيين الصحيين من استخدامه باعتباره مخالفة خطيرة تعرّض صاحبها للمساءلة القانونية، مذكّرة بأنّ إجراءات الحقن التجميلي لا تُجرى إلا على يد أطباء مختصين ومرخّصين داخل مؤسسات طبية معتمدة. ودعت الوزارة المواطنين إلى عدم المجازفة بصحتهم وتجنّب أي حقن خارج الإطار الطبي المختص، والرجوع إلى أهل الخبرة قبل اتخاذ أي إجراء تجميلي.

ارتفاع شكاوى التحيل الإلكتروني
أظهر تقرير لمنظمة الدفاع عن المستهلك في نوفمبر 2024، أن معدل الشكاوى اليومية التي تتلقاها المنظمة عبر الاتصال الهاتفي بالمكتب الوطني وصل إلى خمس شكاوِ يوميًا، أي بمعدل 25 شكوى أسبوعيًا، ليبلغ إجمالي الشكاوى المسجلة منذ 1 جانفي إلى 30 أكتوبر 2024 حوالي 250 شكوى، منها 95 شكوى تتعلق بالتحيّل الإلكتروني عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو البيع عبر القنوات التلفزية، أي ما يمثل حوالي 38% من الإجمالي.
وفي السياق نفسه، تلقت المنظمة عبر صفحتها الرسمية على فيسبوك 290 شكوى خلال نفس الفترة، منها 60 شكوى مرتبطة بالتحيل الإلكتروني أو البيع التلفزيوني.
من جهته، أوضح لطفي الخالدي، مساعد رئيس المنظمة، في تصريح إعلامي، أن أغلب حالات التحيّل الإلكتروني سجلت عبر صفحات فيسبوك، حيث بلغت 231 شكوى من أصل 540، أي بنسبة 43%، مشيرًا إلى أن أكثر الفئات المستهدفة كانت عمليات بيع الأجهزة الإلكترونية بنسبة 20%.

وأشار التقرير إلى أن أبرز أشكال التحيل يتمثل في "عدم مطابقة البضاعة للإعلان أو العرض الترويجي"، محذرًا من بعض الحالات التي تشكل خطورة على صحة المستهلك، مثل الغش في المواد شبه الطبية والمواد الغذائية، والتي قد تنتج عنها مضاعفات صحية خطيرة.
الإطار القانوني والرقابي
يمثل القانون عدد 83 لسنة 2000 المتعلق بالمبادلات والتجارة الإلكترونية الإطار التشريعي المنظم للتجارة الرقمية في تونس، لكنه لم يعد كافيًا لمواكبة تطور البيع والشراء على المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي، لكونه يقتصر على المعاملات الإلكترونية التقليدية ولا يغطي بوضوح أنشطة المنصات الوسيطة أو شركات التوصيل، مما يحدّ من نجاعة آليات الرقابة.
وفي هذا السياق، أحال أكثر من 80 نائبًا مقترح قانون رقم 42/2024 المتعلق بتنظيم التسويق والترويج عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي إلى البرلمان، بهدف سدّ الثغرات وتشديد حماية المستهلك.
واعتبرت النائبة ألفة المرواني أن المشروع "يشكل خطوة أساسية لتنظيم الفوضى التجارية على الشبكات الرقمية" وتأكيدًا على أهمية حماية المستهلكين والتجار على حد سواء، بينما نوّه النائب رشدي الرويسي بوجود وعي برلماني بأهمية إتمام هذا الإطار القانوني وتطويره ليواكب مستجدات التجارة الرقمية في تونس، إلا أن هذا المشروع لم يناقش إلى اليوم.
التوصيل والدفع عند التسليم
تلعب شركات التوصيل دورًا حيويًا في هذه المنظومة، إذ إنها حلقة الوصل اللوجيستية الوحيدة بين الزبون والبائع الإلكتروني. ويسمح نظام الدفع عند الاستلام، للبائع الوهمي بالفرار بعد جمع المبالغ النقدية، خاصة إذا قام بإغلاق الصفحة فورًا.
فرغم تفضيل الكثير من التونسيين الدفع نقدًا لقلة الثقة بالبدائل الإلكترونية، لا يمنحهم البائع في أغلب الأحيان، فرصة لفحص المنتج قبل دفع الثمن، وبالتالي يصعب عليه ممارسة حقّ العدول عن الشراء بعد اكتشاف الغش، خاصة لو اختفت الجهة البائعة بسرعة.
وفي هذا السياق، شددت وزارة التجارة وتنمية الصادرات في بلاغ لها حول التسويق والترويج عبر قنوات التوزيع الإلكترونية، على ضرورة احترام الإطار القانوني المنظم للشراء عن بعد، وذلك عملًا بالقانون عدد 117 لسنة 1992 المتعلق بحماية المستهلك، والقانون عدد 40 لسنة 1998 الخاص بطرق البيع والإشهار التجاري، والقانون عدد 83 لسنة 2000 المنظم للمبادلات والتجارة الإلكترونية.
ودعت الوزارة التجار الناشطين عبر المواقع والمنصات والتطبيقات وصفحات التواصل الاجتماعي، إلى تمكين المستهلك من معلومات دقيقة وشفافة قبل إتمام أي معاملة، خصوصًا ما يتعلق بهويّة البائع ووصف المنتج أو الخدمة والأسعار والضمان وتكاليف التوصيل وآجال التنفيذ وطرق الدفع، إضافة إلى إجراءات العدول والإرجاع.
كما ذكّر البلاغ شركات التوصيل، بوجوب إدراج جميع المعطيات المتعلقة بأطراف العملية التجارية ضمن وصل الطلبية أو الفاتورة، بما في ذلك تاريخ التسليم والكمية والسعر.
ودعت الوزارة المستهلكين إلى التثبت من مصداقية الصفحات والتطبيقات والاحتفاظ بالفاتورة باعتبارها أساسية لضمان حقوقهم، مؤكدة أن مصالح المراقبة الاقتصادية تواصل التصدي لكل التجاوزات التي تمسّ شفافية المعاملات الإلكترونية ونزاهتها.

كما قدم رئيس المنظمة التونسية للدفاع عن المستهلك، عمار ضية، في حديثه لمسبار، سلسلة من التوصيات للجهات المعنية أبرزها وزارتي التجارة والصحة، تركز على الإسراع بوضع آليات لرصد مواقع التجارة الإلكترونية القانونية وغير القانونية واتخاذ إجراءات ضد المخالفين.
فضلًا عن تمكين الهياكل العمومية من تكليف منظمات المجتمع المدني لمتابعة هذه المواقع عبر عقود برامج محددة.
إلى جانب إطلاق برامج توعوية بالتعاون مع منظمات مختصة لتثقيف المستهلك حول طرق تجنب الاحتيال الرقمي. وأخيرًا إعداد إطار قانوني ينظم التجارة الإلكترونية والبيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويضمن حقوق المستهلك، بما يشمل الإعلان عن الأسعار، الضمان، خدمة ما بعد البيع، ودور البائع وموصل البضاعة، مع تمكين المستهلك من حق اختيار ورفض المنتج إذا لم يقتنع به.
اقرأ/ي أيضًا
بالوثائق: ما حقيقة استيلاء الشركة الأهلية "الأقصى المبارك" على محطة سيارات الأجرة بتوزر؟
هل صنفت اليونسكو المدينة العتيقة في تونس كأفضل مدينة عربية وإسلامية كما ادعى سفيان بن فرحات؟






















