صحة

"الروبوت الحامل".. تضخيم دور الذكاء الاصطناعي في التلقيح الصناعي

ماجدة عمدونيماجدة عمدوني
date
١٣ ديسمبر ٢٠٢٥
آخر تعديل
date
١١:٠٣ ص
١٤ ديسمبر ٢٠٢٥
"الروبوت الحامل".. تضخيم دور الذكاء الاصطناعي في التلقيح الصناعي
قدمت التغطية الإعلامية القصة بشكل مبالغ فيه | مسبار

تصدّرت عناوين مثيرة لبعض الوسائل الإعلامية حديثًا تتحدث عن "أول طفل يولد على يد روبوت يعتمد على الذكاء الاصطناعي"، في صياغات توحي بأن الروبوت أجرى عملية الحمل أو الولادة بنفسه.

ورغم أن الحدث يمثل تطورًا مهمًا في مجال الطب الإنجابي المساعد (ART)، إلا أن جزءًا من التغطية الإعلامية قدّم القصة بشكل مبالغ فيه.

في هذا الإطار، يوضح مسبار من خلال هذا التقرير التفاصيل العلمية والسياق الحقيقي للتجربة، وآليات التضليل التي أعادت إنتاج سرديات مشابهة لقصص قديمة حول "روبوتات حامل"، و"أرحام اصطناعية" لم تحدث في الواقع.

الحقيقة العلمية لولادة طفل عبر نظام آلي في المكسيك

وفق تقرير نشرته عدة مواقع طبية من بينها موقع drugs.com، ولد في إبريل/نيسان الفائت، طفل ناتج عن جنين حُقن وأُنشئ جزئيًا باستخدام نظام مؤتمت لإجراء الحقن المجهري داخل المختبر (ICSI)، وهو نظام طورته شركة Conceivable Life Sciences.

ونُفّذت الخطوة المختبرية في عيادة بالمكسيك بينما كان الجزء الرقمي/التحكّمي مرتبطًا بفريق يعمل عن بُعد.

ووصِفت هذه الواقعة بأنها "أول ولادة عقب إخصاب تمَّ بواسطة نظام ICSI مؤتمت رقميًا"، لكنها في جوهرها تتعلق بأتمتة خطوة مختبرية (الحقن داخل البويضة)، وليس بالحمل أو نمو الجنين داخل جسم اصطناعي.

ماذا يعني أتمتة ICSI عمليًا؟

الـICSI (Intracytoplasmic Sperm Injection)، هو إجراء دقيق يُجرى عادة بواسطة فني/أخصائي مختبر تحت مجهر ميكروسكوبي، ويشمل سلسلة من الخطوات الدقيقة، تبدأ بانتقاء الحيوان المنوي الملائم وتثبيته/تعطيله، لتحضيره للحقن ومسك البويضة وتثبيتها، ثم إدخال إبرة دقيقة عبر غشاء البويضة، وصولًا الى حقن الحيوان المنوي داخل السيتوبلازم.

في الحالة المشار إليها طوّر الفريق نظامًا رقميًا/روبوتيًا قادرًا على أداء ما يصل إلى 23 ميكرو-خطوة micromanipulation داخل مسار  ICSI، بعضها يتم بصورة مؤتمتة بالكامل والبعض الآخر تحت أوامر تشغيل عن بُعد، ويتضمن النظام قدرات رؤية حاسوبية، أي خوارزميات لاختيار الحيوانات المنوية، وتنفيذ الحركات الميكانيكية الدقيقة لإتمام الحقن.

وبالتالي تغطي الأتمتة الميكانيكا البصرية والميكانيكية للحقن داخل المختبر، ولا تشمل جمع البويضات أو نقل الأجنّة إلى الرحم أو متابعة الحمل داخل الأم.

كيف يختار نظام الذكاء الاصطناعي الحيوان المنوي؟

وفق موقع livescience، تستخدم الأنظمة الحديثة المُدمجة في مختبرات الإخصاب رؤية حاسوبية (computer vision) ومعايير مستمدة من مجموعة بيانات لتقييم صفات الحيوان المنوي تتمثل في الحركة (motility) والشكل (morphology)، ومؤشرات أخرى مثل سرعة الانطلاق أو نمط الدوران. 

وتدرب خوارزميات التعلم الآلي (عادة شبكات عصبية عميقة) على أمثلة مُعنونة لتصنيف الحيوانات المنوية الأفضل للاستخدام. وفي النظام المبلغ عنه، استُخدمت خوارزميات لاختيار الحيوان المنوي، ثم تنفيذ خطوات تثبيته/تعطيله وحقنه آليًا، حيث تسمح الأتمتة بتطبيق مقاييس كميّة موحّدة بدل الاعتماد على الحكم البصري اليدوي الذي يختلف بين فني وآخر.

دور الروبوت في هذه الحالة؟

أشار ذات المصدر الى أن نظام Conceivable أدار نحو 23 خطوة مصغرة ضمن مسار الحقن المجهري بداية بتحضير الأطباق ثم رصد البويضات ثم تمحيص الحيوانات المنوية واختيار الحيوان الملائم (بمساعدة خوارزمية)، وصولًا الى تعطيل الذيل(immobilization) وإدخال الحيوان المنوي داخل البويضة عبر ميكروإبرة، وأخيرًا وضع الأجنة في الحضانة.بعض هذه الخطوات كانت آلية بالكامل والبعض تحت تحكم بشري عن بُعد عبر واجهة رقمية، وفي نهاية المطاف نُقل جنين واحد عالي الجودة إلى رحم الأم بالطريقة التقليدية، ونمت الحمْل داخليًا حتى الولادة.

دقة الأداء والنتائج العددية المبلّغة

أفاد فريق المشرف عن الحالة أن معدل التخصيب في البيض المُعالَج آليًا كان نحو 80% (4 من أصل 5 بويضات في الحالة المُبلَّغ عنها)، ونُتج منها جنين واحد بمواصفات نقلية (blastocyst) نُقل بنجاح فأدى إلى حمل وولادة سليمة.

وتعد هذه النسب واعدة لكنها تعتمد على دراسة حالة أو سلسلة حالات محدودة، لذلك لا يمكن تعميمها كمؤشر تفوق قاطع على النتائج التقليدية حتى تكتمل تجارب إكلينيكية معمّقة ومقارنات منهجية متعددة المراكز. الملاحظ أيضًا أن زمن الإجراء الآلي كان أطول قليلًا من المتوسط اليدوي (تقارير ميدانية ذكرت نحو 9–10 دقائق لكل بيضة في التجارب المبكرة)، مع توقعات بتحسين السرعة عبر تحسين الأتمتة. 

الآليات البيولوجية التي تظلّ غير مؤتمتة.. لماذا لا يمكن للآلة إنجاب طفل بمفردها؟

من المهم التفريق بين تكوين الزيجوت داخل المختبر (fertilisation/ICSI)، وحمل الجنين ونموه داخل رحم الأم، إذ إن الأتمتة تغطي تكوين الزيجوت وهي خطوة تنتهي عادة بعد دقائق أو ساعات من الحقن حين يبدأ انقسام الخلايا، أما حمل الجنين ونموه فيمتد لأسابيع وشهور ويتطلب بيئة أمومية معقدة من هرمونات وتروية دموية واستجابة مناعية مخصَّصة ونظام فيزيولوجي لا تُحاكيه الأنظمة الآلية الحالية.

ولا توجد تقنيات معتمدة لاحقًا لاستبدال رحم الأم، أو نقله داخل جهاز اصطناعي قادر على نمو كامل طبيعي للجنين البشري خارج الرحم لمرحلة الحمل الكامل (ectogenesis) في الإنسان على نحو سريري مقبول، ولذلك قول إن "روبوت أنجب طفلًا" هو تبسيط مضلل لغرض الإثارة الإعلامية. 

الروبوت الحامل.. قصة تتكرر

سبق أن تم تداول خبر مشابه لما سبق في أغسطس/آب الفائت، يفيد بأنّ الصين كشفت عن أول روبوت قادر على الحمل والولادة، وانتشر الادعاء بسرعة عبر وسائل إعلام عربية وعالمية قبل أن يتحوّل إلى حديث عام على شبكات التواصل، وسط مزيج من الدهشة والخوف والجدل الأخلاقي.

ومع كثافة تداول مقاطع وصور تُظهر دمى تشبه النساء وهي تخضع لعملية ولادة اصطناعية، بدا للكثيرين أنّ البشرية أمام اختراع غير مسبوق، فيما اعتبر آخرون أنّ الأمر مجرّد مبالغة إعلامية.

غير أنّ تتبّع أصل القصة يكشف أنّ الرواية بُنيت على تفاصيل لا أساس لها من الصحة، إذ نسبت تقارير عدة الخبر إلى شركة صينية ناشئة تُسمّى "كايووا تكنولوجي" مقرّها غوانغتشو، وإلى شخص يُدعى تشانغ تشيفنغ قيل إنه يحمل دكتوراه من جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، وإنه عرض الروبوت خلال المؤتمر العالمي للروبوتات لعام 2025.

كما تداولت وسائل إعلام دولية مثل Daily Mail وChosun روايات مشابهة، عزّزت من انتشار الادعاء وجعلته يبدو أقرب إلى حقيقة علمية في طور الكشف.

غير أن جامعة نانيانغ نفت أن يكون شخص باسم تشانغ تشيفنغ قد درس فيها أو نال درجة الدكتوراه، كما اختفى التقرير المنسوب إلى وكالة "China News Service" وترك مكانه صفحة خطأ، في حين خلت قوائم المشاركين في مؤتمر الروبوتات من أي اسم مرتبط بالمشروع المزعوم.

 كذلك لم يظهر أي أثر لشركة مسمّاة "كايووا تكنولوجي" تعمل في تطوير روبوتات قادرة على الحمل أو تمتلك سجلًا بحثيًا في هذا المجال.

ومع تصاعد الجدل، خرج تشانغ تشيفنغ الحقيقي، المدير التنفيذي لشركة أخرى هي "شنتشن كايفا روبوتيكس"، ببيان نفى فيه أي علاقة له أو لشركته بمشروع من هذا النوع.

وأوضح أنّ تصريحاته اقتُطعت من سياق مقابلة صحفية تحدّث خلالها عن توجهات عامة في صناعة الروبوتات، دون الإشارة إلى نموذج جاهز أو مشروع فعلي، غير أنّ بعض المنصات حولت كلامه إلى تصريحات محددة عن "نموذج أولي" و"سعر" و"موعد إطلاق"، وربطتها بفكرة "روبوت حامل" لم تكن مطروحة أصلًا.

ومع توسّع التداول، لعبت الصور والمقاطع دورًا أساسيًا في ترسيخ الخرافة، حيث تبيّن أنّ جزءًا منها مولّد بالذكاء الاصطناعي، بينما تعود اللقطات الحقيقية إلى جهاز محاكاة طبي أميركي يُستخدم في تدريب طلبة الطب على الولادة، ويحمل اسم "فيكتوريا"، ولا يمتّ بصلة لا إلى الصين ولا إلى أي تجربة لتطوير روبوتات قادرة على الحمل.

وهكذا، يتضح أنّ القصة التي أثارت كل هذا الاهتمام لم تكن سوى رواية مضللة نُسجت من خليط بين تفاصيل مختلقة وأخرى منزوعة من سياقها، وأسندتها وسائل إعلام تعاملت مع الادعاء بسرعة من دون تثبّت كافٍ.

ومع أنّ الخبر ثبت زيفه، إلا أنّ الضجة التي رافقته تُعيد طرح سؤال جوهري حول قدرة التكنولوجيا الحديثة على خلق أوهام قابلة للتصديق، وحول المسؤولية المتزايدة للإعلام والجمهور في التعامل مع الأخبار التي تبدو مثيرة أكثر مما ينبغي.

اقرأ/ي أيضًا

دراسة: يميل المستخدمون إلى التفاعل مع الأخبار المؤثرة عاطفيًا بغض النظر عن صحتها

المعرفة في زمن الذكاء الاصطناعي.. من يحاسبه حين يضلل الرأي العام؟

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar