كيف يسهم احتكار المعلومة الرسمية واستبعاد الصحفيين في انتشار المعلومات المضللة في تونس؟
خلال السنوات الأخيرة، اتسمت المؤتمرات الصحفية الرسمية في تونس، وخاصة المشتركة، بغياب الصحفيين أو عدم السماح لهم بالحصول على تصريحات أو طرح أسئلتهم على المسؤولين.
ولعل آخرها، المؤتمر الصحفي الذي جمع رئيسة الحكومة التونسية سارة الزعفراني ونظيرها الجزائري سيفي غريب بقصر الحكومة بالقصبة، يوم 12 ديسمبر/كانون الأول الجاري، وذلك عقب التوقيع على عدد من مذكرات التفاهم والبرامج التنفيذية في مجالات مختلفة في إطار التعاون التونسي الجزائري.
وعقد هذا المؤتمر الصحفي بحضور صحفيين من الإعلام العمومي فقط، دون إشراك بقية الصحفيين في القطاع الخاص أو الصحافة الأجنبية.
ويستبعد، مؤخرًا، الصحفيون من حضور المؤتمرات الرسمية الوطنية والمشتركة مع شخصيات مهمة من دول أخرى، ما تسبب في خلق فجوة على مستوى تداول المعلومات الموثوقة من مصادرها وفتح الباب أمام التأويلات والتحليلات غير الدقيقة التي سرعان ما تتحول إلى شائعات وأخبار مضللة.
مؤتمرات صحفية بلا صحفيين وأخرى بلا أسئلة
في الثامن من ديسمبر 2021، عقدت رئاسة الجمهورية مؤتمرًا صحفيًّا مشتركًا بين الرئيس قيس سعيد ونظيره الفلسطيني محمود عباس، دون حضور صحفيين وهو ما أثار تحفظ العديد من المهنيين.
وفي 16 ديسمبر 2021، أكدت نقابة الصحفيين التونسيين أن الرئاسة اشترطت عدم توجيه أسئلة للرئيس سعيد خلال مؤتمر جمعه بنظيره الجزائري عبد المجيد تبون بقصر قرطاج، معتبرة ذلك تدخلًا سافرًا في حرية العمل الصحفي.
وسبق أن تم منع الصحفيين ووسائل الإعلام الخاصة والجمعياتية والدولية من تغطية الجلسة الإفتتاحية لمجلس نواب الشعب والسماح بذلك فقط لمؤسسات الإعلام العمومي وذلك سنة 2023.
وقد أدانت النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين ما وصفته بالسابقة الخطيرة التي تصادر حقًا مكفولًا بالدستور والتشريعات التونسية وتضرب الحق في الإعلام والنفاذ إلى المعلومات وتفتح الباب على مصراعيه أمام سياسات التعتيم.
وفي يونيو/حزيران 2023، أثارت زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني إلى تونس موجة من الانتقادات على خلفية إلقائها كلمة دون حضور صحفيين. وقالت الصحف الايطالية أن ميلوني ألغت لقاءً صحفيًا كان مقررًا عقده في مقر إقامة السفير الايطالي بتونس.
واعتبر مقال نشرته صحيفة La Repubblica بعنوان "ميلوني في تونس دون صحفيين"، أن إدلاء ميلوني بتصريحات رسمية دون حضور صحفيين إيطاليين أو تونسيين ودون إمكانية طرح أسئلة يعد سابقة خطيرة في التواصل السياسي. وربط المقال "إلغاء المؤتمر الصحفي" بسعي الحكومة الايطالية تفادي الأسئلة المحرجة حول ملف الهجرة.
من جانبها نشرت صحيفة La Stampa مقالًا بعنوان "رحلة إلى تونس من دون إعلام مسبق أو أسئلة"، وصف ما حدث برحلة صامتة سياسيًّا وإعلاميًّا، حيث اقتصر التواصل على تصريحات رسمية مقتضبة أمام الكاميرا بما يتعارض مع الأعراف الديمقراطية في إيطاليا ويضعف مبدأ المساءلة الإعلامية خاصة وأن الزيارة تتعلق بملفات حساسة.

وأكدت عضو نقابة الصحفيين جيهان اللواتي، رفض الطرف النقابي عقد المؤتمرات الصحفية بدعوة الإعلام العمومي فقط، معتبرة أنّ ذلك يعدّ تقسيمًا للصحفيين وضربًا لوحدة الصف الصحفي.
ونددت بالتواصل الحكومي، الذي يستبعد التواصل المباشر مع الصحفيين، منذ فترة رئيسة الحكومة السابقة نجلاء بودن، إذ لم تتوفر تصريحات صحفية تقدم المعلومة والسردية الرسمية للمواطنين بشكل مباشر، وهو ضرب للحق الدستوري للمواطن في المعلومة وضرب لحق الصحفي في النفاذ إليها.
كما أشارت إلى أن المنشور عدد 19 الذي ينص على "ضرورة التنسيق مع مصالح الاتصال برئاسة الحكومة بخصوص الشكل والمضمون بمناسبة كل ظهور إعلامي"، يضرب حرية التعبير والنفاذ للمعلومات الرسمية ويكبل المسؤولين أنفسهم عن تقديم المعلومات الرسمية.
وبينت اللواتي في حديثها لـ"مسبار" أن تغييب الصحفيين يترك الفضاء لغير المهنيين وللأصوات المساندة فقط، وهو ما من شأنه أن يزيد من تدفق المعلومات المضللة ونشر الشائعات والأخبار غير الدقيقة والمتحيزة.
كيف يتسبب حجب المعلومة في نشر الأخبار المضللة وغير الدقيقة؟ اتفاق الدفاع مع الجزائر مثالًا
يعد حجب المصادر الرسمية للمعلومة عن الصحفيين من أبرز العوامل التي يمكن أن تؤدي إلى تفشي الأخبار الزائفة والمغلوطة، فغياب الشفافية يتيح للمنصات غير الموثوقة الاستثمار في الفراغ المعلوماتي والغموض لنشر أخبار مزيفة يروجون إلى أنها "مسربة أو حصرية" وتتصدر المشهد على أنّها "حقائق" وهو ما من شأنه أن يربك الرأي العام ويقوض حقه في تلقي أخبار دقيقة من مصدرها.
ويساهم حضور الصحفيين في المؤتمرات في الفصل بين الرأي والخبر وشرح سياق وخلفية المعلومة عند تناولها بكل مهنية وأخلاقية عكس التعتيم الإعلامي الذي يغذي الأخبار المضللة وغير الدقيقة على غرار ما رافق توقيع اتفاقية التعاون الدفاعي بين تونس والجزائر في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2025 بسبب عدم نشرها وعرضها على الرأي العام.
وقالت وزارة الدفاع في بيان لها، حينها، أن زيارة وزير الدفاع التونسي للجزائر خلصت إلى توقيع اتفاقية تعاون دفاعي بين الجانبين في العديد من المجالات العسكرية على غرار التكوين والتدريب وتبادل المعلومات والخبرات وتكثيف التنسيق الثنائي وتعزيز العمل المشترك والتعاون الميداني في مجال تأمين الحدود، لكن عدم نشر هذه الاتفاقية للعلن في الرائد الرسمي أثار موجة من الانتقادات كما تسبب هذا الغموض في انتشار العديد من الشائعات والأخبار غير المستندة إلى أدلة دامغة.

وقد نُشرت ادعاءات مفادها أن هذه الاتفاقية توصف من قبل مراقبين بـ "التنازل التاريخي عن السيادة الوطنية" و"إهدار للاستقلال السياسي والأمني للبلاد" وأن "هذه الاتفاقية التي تمت في ظل غياب تام للشفافية تثير تساؤلات حرجة حول مستقبل القرار الوطني".
كما نشرت مزاعم تفيد أنّه بمقتضى هذه الاتفاقية يسمح للجزائر بـ" التوغل داخل الأراضي التونسية لمسافة 50 كيلومترًا تحت الذريعة المعتادة لمكافحة الإرهاب".

ولم يتمكن مسبار من التحقق منها بشكل مستقل، باعتبار أنّ الاتفاقية غير منشورة.
والى جانب الادعاءات ساهم غموض الاتفاقية في تواتر التحليلات والتأويلات حول سياق وفحوى وأسباب إبرام هذه الاتفاقية فطرح موقع "Africa Eye" عدة تساؤلات حول أسباب الزيارة والاتفاق في هذا السياق بالذات ونوع التنسيق الذي يتضمنه الاتفاق المذكور بين البلدين.
وكتبت مجلة "Jeune Afrique" مقالًا بعنوان "الجزائر تعلن عن اتفاقية تعاون عسكري مع تونس... التي امتنعت عن التعليق"، ادعت فيه أن الجزائر حاولت إبرام الاتفاقية مع تونس في شهر يونيو الفائت، لكنها فشلت في ذلك ونجحت في الحصول على الاتفاقية المذكورة بعد الهجمات التي تعرض لها أسطول الصمود بتونس.
ونشرت لجنة احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس، التي تتخذ من باريس مقرًا لها، بيانًا، بعنوان "الاتفاق العسكري بين الجزائر وتونس: بين المظلة الأمنية وفقدان السيادة".
وصفت اللجنة الاتفاق بأنّه "صامت"، ونقلت عن تقارير إخبارية بعض بنوده المزعومة، ومنها أنّه "يحظر على تونس إبرام اتفاقيات أمنية مع شركاء آخرين دون موافقة مسبقة من الجزائر".
وأكدت أنّه إذا كانت هذه الأحكام صحيحة، فإنها تمثل خرقًا غير مسبوق في عقيدة السيادة التونسية.
وخلال حضوره في جلسة نقاش ميزانية وزارة الدفاع في البرلمان، في 11 نوفمبر/تشرين الثاني الفائت، قال وزير الدفاع التونسي خالد السهيلي إنّ تونس تتعاون مع 24 دولة في مجال الدفاع.
وأكد أن اتفاق التعاون مع الجزائر ليس جديدًا، بل هو تحيين لاتفاق موقع بين البلدين منذ عام 2001، وتمت مراجعته ليواكب التطورات والتحديات الراهنة. ويتضمن، وفقه، مجالات مكافحة الإرهاب وتبادل الخبرات وتأمين الحدود المشتركة وغيرها.
واتهم الوزير، أطرافًا بتوظيف توقيع الاتفاق سياسيًّا لتحقيق أهداف قصد بث المغالطات والإشاعات واستهداف الدولة التونسية بكل الوسائل.
وأشار أنه في كل مرة يحاول فيها البلدان تعزيز التعاون إلا وتتكاثر الادعاءات المغلوطة. وأكد أن الاتفاق ضرورة أمنية استراتيجية فرضها الواقع الجغرافي والتاريخ المشترك في المقاومة والتحرر.
وأوضح أن ما يهم تونس هو أمنها وسيادتها، ولا يحمل الاتفاق أي طابع سياسي واصطفافي.
وردًا حول سؤال عن عدم المصادقة على الاتفاق في مجلس نواب الشعب، قال السهيلي إن الاتفاقية لا تدخل في مجال الفصل 68 من دستور 25 يوليو/تموز 2022، باعتبارها اتفاقية تقنية ليست لها انعكاسات مالية أو قضائية.
اقرأ/ أيضًا
بالوثائق: ما حقيقة استيلاء الشركة الأهلية "الأقصى المبارك" على محطة سيارات الأجرة بتوزر؟
هل صنفت اليونسكو المدينة العتيقة في تونس كأفضل مدينة عربية وإسلامية كما ادعى سفيان بن فرحات؟



























