علوم

مع نهاية العام.. لماذا يُصدّق الناس التنجيم رغم تصنيفه كعلم زائف؟

ماجدة عمدونيماجدة عمدوني
date
١٥ ديسمبر ٢٠٢٥
آخر تعديل
date
٤:٤١ ص
١٦ ديسمبر ٢٠٢٥
مع نهاية العام.. لماذا يُصدّق الناس التنجيم رغم تصنيفه كعلم زائف؟
بقرار علمي وفلسفي التنجيم خارج دائرة العلوم الحقيقية | مسبار

مع اقتراب نهاية كل عام، تتحول منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام إلى مساحة مفتوحة لترويج "التوقعات الفلكية"، حيث تتصدّر مقاطع "حظك في 2026"، و"توقعات الأبراج" قوائم المشاهدة، ويقدَّم المنجمون على أنهم أصحاب معرفة خاصة بمستقبل البشر.

لكن في الجهة المقابلة، يقف المجتمع العلمي بمؤسساته وبحوثه موقفًا واضحًا: ما يُعرف بالتنجيم ليس علمًا، ولا يستند إلى أي دليل تجريبي موثوق.

في هذا المقال، يفحص مسبار جذور ظاهرة التنجيم والأدلة العلمية المرتبطة بها، مستعينًا بدراسات بعلم الفلك وعلم النفس للإجابة عن سؤال "هل للنجوم أي تأثير على البشر".

التنجيم والأبراج

ما هو التصنيف العلمي للتنجيم؟

يُصنَّف التنجيم عالميًا ضمن ما يُعرف بـ العلوم الزائفة (Pseudoscience)، وهو تصنيف لا يأتي من موقف أيديولوجي، بل من معايير فلسفية وعلمية دقيقة.

التنجيم علم زائف

فبحسب ورقة بحثية منشورة عن جامعة واترلو الكندي، فإن التنجيم يفشل في تحقيق شرط أساسي من شروط العلم، وهو قابلية التفنيد أو الاختبار، وهو المعيار الذي وضعه فيلسوف العلم النمساوي كارل بوبر لتمييز العلم عن غيره.

ووفق الورقة نفسها، اعتبر بوبر أن التنجيم "أوضح مثال على النظريات غير العلمية"، لأن توقعاته مصاغة بطريقة فضفاضة تجعلها صحيحة ظاهريًا في جميع الحالات، وبالتالي لا يمكن اختبارها أو إثبات خطئها.

في هذا الصدد، أوضح هشام بن يحيى، نائب رئيس الجمعية التونسية لعلوم الفلك، في حديثه لمسبار، أن نهاية كل سنة ميلادية تشهد إقبالًا لافتًا من عدد من وسائل الإعلام على المنجمين والعرافين بدعوى استشراف ما تحمله النجوم والكواكب من "توقّعات" للسنة الجديدة، ليُقدَّم هؤلاء أحيانًا في صورة علماء فلك، وهو ما يكرّس خلطًا شائعًا لدى الجمهور بين التنجيم وعلم الفلك.

وبيّن بن يحيى أن علم الفلك هو علم أكاديمي قائم بذاته، يختص بدراسة الأجرام والظواهر التي تنشأ خارج الغلاف الجوي للأرض، ويُدرَّس في أعرق الجامعات العالمية، ويعود أصل تسميته إلى "الفلكة" أي ما استدار من الشيء، والفلك هو مسار الكوكب.

في المقابل، يعتمد التنجيم على توظيف المواقع الظاهرة للنجوم والكواكب والمجرّات للتنبؤ بأحداث مستقبلية وتأثيرها المزعوم على حياة الإنسان، وهو ما يدفع البعض إلى الاعتقاد بأن التنجيم علم قائم على أسس ثابتة، في حين أنه في الواقع لا يستند إلى أي قاعدة علمية، بل يقوم على استخلاص المنجم آراء لا أساس لها، غالبًا بدافع مادي بحت.

وأضاف أن العلوم الحديثة أثبتت بشكل قاطع عدم وجود أي علاقة ارتباطية بين مصير الإنسان أو مستقبله وحركة النجوم، ما يجعل التوقّعات التي يروّج لها المنجمون بلا أي سند علمي، ولا تقوم إلا على استغلال العوامل النفسية والمعتقدات الشخصية للأفراد، مع تجاهل تام للأدلة العلمية التي تناقضها.

في الإطار نفسه، أعلنت الأكاديمية الفرنسية للعلوم منذ تأسيسها عام 1666، في تقرير تاريخي نشره موقع World Socialist Web Site، وبقرار من وزير الملك لويس الرابع عشر جان باتيست كولبير، رفضها الرسمي للتنجيم ومنع تدريسه، معتبرة إياه ممارسة غير علمية لا تستند إلى البرهان.

لا دليلًا علميًا على تأثير الأبراج على الشخصية أو المصير

رغم شيوع الاعتقاد بأن الأبراج تحدد شخصية الإنسان أو مسار حياته، فإن الدراسات العلمية لم تعثر على أي علاقة قابلة للقياس بين الأمرين، وتشير دراسة حديثة نُشرت سنة 2024 في مجلة Kyklos العلمية، إلى أنه لا يوجد أي ارتباط إحصائي مهم بين علامة البرج وكل من السعادة والصحة النفسية والرضا المالي والصحة العامة.

وبحسب الدراسة، التي اعتمدت على بيانات أكثر من 12 ألف مشارك ضمن استطلاع اجتماعي تمثيلي واسع، فإن قوة الأبراج في التنبؤ بمزاج الأفراد أو أحداث حياتهم "تكاد تكون مساوية لمتغير عشوائي".

وتؤكد الدراسة أن أي شعور بتطابق التوقعات الفلكية مع الواقع لا يعود إلى دقة الأبراج، بل إلى عوامل نفسية معروفة، مثل التحيز التأكيدي.

لا دليلًا علميًا على تأثير الأبراج على الشخصية أو المصير

ويرى هشام بن يحيى، أن علم الفلك يُعد علمًا قائمًا بذاته، يُعنى بدراسة الأجرام السماوية والظواهر التي تحدث خارج الغلاف الجوي للأرض، ولا يمت بصلة إلى التنجيم القائم على توقّعات مزعومة تفتقر لأي أساس علمي.

وأشار إلى أن الخلط بين التنجيم وعلم الفلك يتكرر لدى شريحة من الناس، مستفيدًا من ذلك المنجمون الذين يستغلون الأحداث الفلكية البارزة للظهور إعلاميًا، لا سيما مع حلول رأس السنة الميلادية، ما يفضي إلى هيمنتهم على مساحات واسعة في وسائل الإعلام الوطنية والدولية، ويُسهم في تعميق الفجوة بين الجمهور والمعرفة العلمية الصحيحة، فضلًا عن تكريس هذا الالتباس.

وأضاف أن النجوم والأبراج النجمية بعيدة جدًا عن الأرض، إذ تفصلها عنها مسافات شاسعة تُقدَّر بملايين السنين الضوئية، موضحًا أن أقرب نجم إلى الأرض في مجرّة درب التبانة يصل ضوؤه إلينا بعد أربع سنوات، وهو ما يعني أن بُعده يُقاس بأربع سنوات ضوئية.

وبالنظر إلى هذه المسافات الهائلة، شدد على أنه لا يمكن الحديث عن أي تأثير فعلي للنجوم على حياة البشر، باستثناء دورها الجمالي في تزيين السماء على مدار الفصول. وذكّر بأن الأجداد استفادوا من النجوم في عديد من مناحي الحياة اليومية، مثل السفر والتنقّل والملاحة والعمارة، إضافة إلى تحديد أوقات الصلوات في الإسلام، ولا تزال بعض هذه الاستخدامات قائمة إلى اليوم لدى عدد من المجتمعات.

تجارب علمية أخفقت في إثبات التنجيم

تعد محاولات اختبار التنجيم علميًا ليست جديدة، فمن أشهر التجارب في هذا المجال، دراسة أجريت سنة 1985 ونُشرت في مجلة Nature العلمية، حيث خضع عدد من المنجمين لاختبار مزدوج التعمية لتقييم قدرتهم على مطابقة خرائط فلكية مع أوصاف شخصية حقيقية.

وبحسب نتائج التجربة، لم ينجح المنجمون في تقديم تنبؤات أدق من التخمين العشوائي، وهو ما دفع الباحث إلى الاستنتاج بأن "الفرضية الفلكية لم تُدعَم تجريبيًا".

كما توصلت دراسات أخرى، من بينها أبحاث عالم النفس الهولندي بيتر هارتمان، بناء على تحليل عينتين كبيرتين (أكثر من 15,000 شخص)، أنه لا يوجد ارتباط مهم بين تاريخ الميلاد وبين الفروق الفردية في الشخصية أو الذكاء، ولا دعم علمي لتنبؤات التنجيم حول الأبراج وتأثيرها على الصفات البشرية.

وأوضح بن يحيى في السياق نفسه، أن التنجيم ظل سائدًا إلى حدود القرن السادس عشر، ورغم أن أول انفصال بينه وبين علم الفلك يعود إلى نحو خمسين سنة قبل الميلاد، فإن هذا الاقتران بقي راسخًا في أذهان البشر إلى أن جاء العالم الفيزيائي الفلكي إسحاق نيوتن، الذي أثبت أن سقوط الأجسام على الأرض وحركة الأجرام السماوية تخضع للقانون نفسه، أي قانون الجاذبية الكونية، وهو ما أسقط فكرة "ثبوتية الأشياء" التي يؤمن بها المنجمون.

كما أثبت نيوتن أن حركة الأجرام السماوية تحكمها قوانين ومبادئ علمية دقيقة، ما يسمح بحساب مواقعها مسبقًا بدقة متناهية.

وتابع أن التطور الكبير الذي بلغه علم الفلك عبر العصور يقابله اعتماد التنجيم على تقنيات بالية أقرب إلى الشعوذة منها إلى المنهج العلمي، إذ ما يزال المنجمون يستندون إلى كرة سماوية ثابتة تعود ملاحظاتها إلى ما يقارب ألفي سنة، ويعتمدون تقسيم الأبراج إلى اثني عشر برجًا فقط، في حين أثبتت الأرصاد الحديثة أن الشمس، خلال مسارها الظاهري السنوي، تمر عبر ثلاثة عشر برجًا، وما إصرار المنجمين على تجاهل ذلك إلا تسهيلًا لحساباتهم الخاطئة.

وختم بن يحيى بالتأكيد على أن الصراع المتجدّد بين الفلكيين والمنجمين هو في جوهره صراع منهج، يهدف إلى تكريس الوعي العلمي والارتقاء بالمعرفة القائمة على الحقائق.

ناسا تحسم الجدل: التنجيم ليس علمًا

من أكثر الجهات التي يُساء استخدام اسمها في ترويج الأبراج هي وكالة الفضاء الأميركية (NASA)، وبحسب توضيح رسمي للوكالة، فإن علم الفلك هو دراسة علمية للأجرام السماوية باستخدام الفيزياء والرصد، بينما التنجيم "نظام اعتقادي لا يستند إلى أدلة علمية".

وأكدت ناسا أن الأبراج ليست قائمة على قوى فيزيائية معروفة، وأن مواقع النجوم لا تؤثر على شخصية الإنسان.

ووفق تقرير تحقق كان قد نشره موقع مسبار، نفت ناسا صحة الادعاءات المتداولة حول "إضافة برج جديد" أو "تغيير الأبراج"، موضحة أن هذه التقسيمات لم تكن يومًا علمية.

ناسا والتنيجم

لماذا يصدق الناس الأبراج على الرغم من غياب الأدلة؟

يرى علماء النفس أن الإيمان بالأبراج لا يعود إلى صحتها، بل إلى آليات نفسية معروفة إذ يميل البشر إلى تصديق أوصاف عامة يعتقدون أنها موجهة لهم شخصيًا.

 وهو ما يُعرف بتأثير بارنوم، إذ تُصاغ توقعات الأبراج بعبارات فضفاضة يمكن أن تنطبق على أي شخص.

كما يميل الأشخاص إلى تذكر التوقعات التي "تحققت" وتجاهل عشرات الحالات التي لم تتحقق فيها أي نبوءة.وفي فترات القلق وعدم اليقين، يبحث الأفراد عن تفسيرات بسيطة تمنحهم شعورًا بالسيطرة، حتى لو كانت غير علمية.

وتشير الأبحاث النفسية أيضًا إلى أن قراءة توقعات إيجابية قد تحسن المزاج مؤقتًا، ليس بسبب صحتها، بل بسبب الإيحاء النفسي.

علم النفس والتنجيم

الجذور التاريخية للتنجيم: من الملاحظة السماوية إلى الخرافة المنظَّمة

يعود ظهور التنجيم إلى العصور القديمة، قبل نشوء العلم بالمعنى الحديث، حين كان الإنسان يحاول تفسير الظواهر الطبيعية والكونية اعتمادًا على الملاحظة والتأويل الرمزي، فوفق دراسات تاريخية منشورة في الموسوعة العلمية بريتانيكا (Britannica)، نشأ التنجيم في حضارة بلاد الرافدين (البابلية) قبل أكثر من 3000 عام، حين كان الكهنة (لفلكيون آنذاك) يراقبون حركة الكواكب والنجوم لاستخدامها في التنبؤ بالأحداث الكبرى مثل الحروب والمجاعات ومصير الملوك، وليس مصائر الأفراد كما هو شائع اليوم.

وبحسب الموسوعة نفسها، لم يكن التنجيم في بداياته منفصلًا عن علم الفلك، بل كان الاثنان جزءًا من منظومة معرفية واحدة، إذ لم تكن هناك أدوات علمية أو مفاهيم فيزيائية تسمح بالفصل بين الرصد والتفسير.

التنجيم تاريخيًا

مع انتقال المعارف البابلية إلى الحضارة اليونانية، خاصة خلال القرن الرابع قبل الميلاد، تطور التنجيم ليأخذ طابعًا فلسفيًا، ووفق مؤرخ العلوم جيمس إيفانز، اعتمد الإغريق على الحسابات الفلكية الدقيقة، لكنهم أضافوا إليها بعدًا تأويليًا، معتبرين أن الكون منظومة متناغمة تؤثر أجزاؤها في بعضها البعض، بما في ذلك البشر.

ثم خلال العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، شهد علم الفلك تطورًا كبيرًا قائمًا على الرصد والحساب، بينما بدأ التنجيم يفقد مكانته العلمية.

وبحسب دراسات تاريخ العلوم المنشورة في موقع الصحافة العلمية التابع لجامعة كامبريدج، ميّز عدد من العلماء المسلمين بوضوح بين الفلك والتنجيم، إذ انتقد ابن سينا التنجيم، معتبرًا أن ربط أفعال البشر بحركة الأجرام السماوية "ادعاء لا يقوم على ضرورة عقلية ولا تجربة حسية".

كما رفض ابن رشد فكرة أن للكواكب قدرة سببية مباشرة على أفعال الإنسان، مؤكدًا أن ذلك يتعارض مع العقل والمنهج البرهاني.

ويُشير مؤرخو العلم إلى أن هذه الانتقادات تمثل بدايات مبكرة للفصل المفاهيمي بين علم الفلك كتخصص علمي، والتنجيم كممارسة تأويلية غير مثبتة.

ويُجمع مؤرخو العلوم على أن الفصل الحاسم بين علم الفلك والتنجيم حدث خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، مع نشوء المنهج العلمي الحديث، فبحسب الموسوعة، أدى عمل علماء مثل نيكولا كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي ويوهانس كبلر وإسحاق نيوتن، إلى تحويل دراسة السماء من تأويل رمزي إلى علم قائم على الملاحظة الدقيقة والرياضيات والقوانين الفيزيائية.

الففصل بين التنجيم وعلم الفلك

ورغم أن بعض هؤلاء العلماء مارسوا التنجيم في بداياتهم، فإن أعمالهم العلمية نفسها ساهمت في تقويض الأسس الفلسفية للتنجيم، إذ لم تترك أي مجال لافتراض تأثير غيبي للكواكب على السلوك البشري.

القرن السابع عشر: التنجيم خارج المؤسسات العلمية

بلغ هذا الفصل ذروته مع تأسيس المؤسسات العلمية الحديثة، وبحسب التوثيق التاريخي، أعلنت الأكاديمية الفرنسية للعلوم منذ تأسيسها عام 1666 استبعاد التنجيم من مجالات البحث والتعليم، وهو ما اعتبر خطوة مؤسسية حاسمة لفصل العلم عن المعتقدات غير القابلة للاختبار.

وبحلول القرن الثامن عشر، أصبح علم الفلك علمًا مستقلًا يُدرس في الجامعات ويُستخدم في الملاحة والتقويم، بينما تراجع التنجيم إلى هامش الثقافة الشعبية.

ولكن، على الرغم من هذا الفصل العلمي الواضح، عاد التنجيم للظهور في القرن العشرين، لا بوصفه علمًا، بل كمنتج ثقافي وإعلامي، وتحدثت دراسات سوسيولوجية منشورة في Journal of Popular Culture، عن ارتباط انتشار الأبراج بالصحافة، ثم بالإذاعة والتلفزيون، وأخيرًا بمنصات التواصل الاجتماعي، حيث تُقدَّم التوقعات في قالب ترفيهي لا يخضع لأي تدقيق علمي.

ويؤكد الباحثون أن هذه العودة لا تعكس تطورًا معرفيًا، بل تحول التنجيم إلى صناعة محتوى تستفيد من القلق الجماعي والحاجة النفسية للتفسير.

اقرأ/ي أيضًا

علم الأبراج.. هل هو حقيقي؟

هل هنالك فرق بين التنجيم وعلم الفلك؟

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع