صحة

أيّ دورٍ للمعلومات المضللة في تراجع الثقة بلقاح الإنفلونزا الموسمية؟

date
٢١ ديسمبر ٢٠٢٥
آخر تعديل
date
٢٣ ديسمبر ٢٠٢٥
أيّ دورٍ للمعلومات المضللة في تراجع الثقة بلقاح الإنفلونزا الموسمية؟
توصي منظمة الصحة العالمية بأخذ اللقاح للوقاية من أعراض الإنفلونزا | مسبار

تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن النشاط العالمي للإنفلونزا الموسمية قد ارتفع منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، مع هيمنة فيروسات الإنفلونزا من النمط A(H3N2) وظهور سلالة منجرفة جينيًا تُعرف بـ J.2.4.1 (السلالة K). ورغم أن المعطيات الوبائية الحالية لا تُظهر زيادة مؤكدة في شدة المرض، تؤكد المنظمة أن التطعيم الموسمي يظل أحد أكثر أدوات الصحة العامة فاعلية في تقليل الحالات الشديدة، والدخول إلى المستشفيات، والوفيات.

تطعيم الأنفلونزا

غير أن ذروة النشاط الموسمي الأخيرة ترافقت مع ظاهرة مقلقة لا تقل خطورة عن الفايروس نفسه، تتمثل في تآكل الثقة بلقاح الأنفلونزا واتساع التردد تجاهه. فقد وثّقت تقارير إعلامية علمية وبيانات صحية مستقلة في أوروبا والولايات المتحدة تراجع الإقبال على التطعيم، بينما كشفت دراسات ميدانية أن انعدام الثقة وانتشار المعلومات المضللة يلعبان دورًا محوريًا في هذا السلوك. وفي السياق العربي، برزت خلال الفترة نفسها موجة من المحتوى الرقمي المتداول أعادت إنتاج سرديات تشكك في فعالية اللقاح وسلامته، أو تربطه بادعاءات سببية ومؤامراتية لا تستند إلى دليل علمي.

فجوة الثقة.. بين التوصيات العلمية والسلوك المجتمعي

رغم وضوح التوصيات الصحية الصادرة عن المؤسسات الصحية الدولية، تُظهر المعطيات الميدانية خلال ذروة النشاط الموسمي الأخيرة وجود فجوة متزايدة بين ما يُوصى به صحيا وبين السلوك الفعلي تجاه لقاح الأنفلونزا.

في المملكة المتحدة، وثّقت تقارير صادرة عن BBC News صعوبة متزايدة في تشجيع العاملين في الرعاية الصحية والاجتماعية على تلقي لقاح الأنفلونزا، بسبب المعلومات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي.

تطعيم العاملين في القطاع الصحي ضد الأنفلونزا الموسمية

وتدعم هذه الملاحظات نتائج دراسة ميدانية حديثة أجرتها جامعة ليفربول جون مورز ونُشرت في مجلة PLOS One، أظهرت أن عوامل مثل انعدام الثقة، وانتشار المعلومات المضللة، وضعف الوصول إلى معلومات صحية موثوقة تمثل عوائق رئيسية أمام التطعيم، خصوصًا في المجتمعات المُهمَّشة عرقيًا واجتماعيًا.

ولا يقتصر هذا الاتجاه على السياق البريطاني. ففي الولايات المتحدة، كشفت بيانات صحية محلية وتقارير بحثية عن تراجع سنوي في معدلات تطعيم الإنفلونزا، حيث أظهرت تقارير صادرة عن جهات صحية في ولاية كولورادو بالتعاون مع UCHealth أن نسبة المطعّمين هذا الموسم أدنى من مواسم سابقة.

تطعيم الأنفلونزا في الولايات المتحدة

كما أظهر المسح الوطني الذي أجرته المؤسسة الوطنية للأمراض المعدية (NFID) أن نسبة معتبرة من غير المطعّمين أعربت عن مخاوف تتعلق بسلامة اللقاح أو شككت في فعاليته، وهي تصورات تدعمها بيانات IQVIA التي سجلت انخفاضًا فعليًا في تطعيمات الإنفلونزا مقارنة بالعام الفائت.

سلامة لقاح الأنفلونزا

تكشف هذه المعطيات أن التردد تجاه لقاح الأنفلونزا ليس انعكاسًا لغياب الأدلة العلمية، بل نتيجة فجوة ثقة تتغذى على التباس المفاهيم الصحية، وتأثير التجارب السابقة خلال جائحة كوفيد-19، وتزايد الاعتماد على مصادر معلومات غير موثوقة.

بنية التضليل في المحتوى العربي المتداول عن لقاح الأنفلونزا

يُظهر المحتوى العربي المتداول أن انتشار المعلومات المضللة حول لقاح الأنفلونزا لا يرتبط بضعف توفر المعلومات الطبية، بل بطريقة عرضها وتداولها. فالمنشورات المناهضة للتطعيم لم تعتمد على شرح علمي أو بيانات موثقة، بل على عناوين وصور رمزية ومقاطع قصيرة قادرة على إثارة القلق وزرع الشك بسرعة. تعتمد هذه المنشورات على تبسيط مفرط لقضايا طبية معقدة، مع تقديم استنتاجات نهائية لا تعكس طبيعة المعرفة العلمية القائمة على الاحتمال والمراجعة.

أحد أكثر المنشورات تفاعل، هو مقطع على تيك توك تجاوز 1.8 مليون مشاهدة واكثر من 7 آلاف مشاركة يدعي إن الحكومات تخطط لاعتماد لقاح جديد بزعم أنه يحمي البشر من الإنفلونزا والزكام، بينما الهدف الحقيقي ـ بحسب الإدعاء ـ هو تلقيح نحو 8 مليارات إنسان ضد مرض بسيط يزول خلال أيام، من أجل إدخال مواد إلى الجسم تؤدي إلى خفض الخصوبة وتقليل عدد السكان، وصولًا إلى ما يُسمّى "المليار الذهبي"، مع الإيحاء بوجود مؤامرة موثقة في كتاب يُروَّج له عبر رابط في السيرة الذاتية.

مؤامرة المليار الذهبي

ولكن هذا الادعاء لا يصمد أمام المعطيات الموثّقة والمعتمدة في أدبيات الصحة العامة. فلقاح الأنفلونزا ليس منتجًا حديثًا ولا تجربة طارئة، بل يستخدم منذ أكثر من 70 عامًا ويُحدَّث سنويًا بسبب تغيّر الفايروس.كما أن الأنفلونزا ليست مرضًا بسيطًا|، فهي تسبب سنويًا 3–5 ملايين حالة مرض شديد و290–650 ألف وفاة عالميًا بحسب منظمة الصحة العالمية.

وفيات الأنفلونزا

كما تُظهر دراسة وبائية كبيرة (PRESTO) أنه لا يوجد أي تأثير سلبي للقاح الإنفلونزا على الخصوبة لدى النساء أو الرجال.

وفي منشور آخر على منصة اكس، يزعم أن لقاح الأنفلونزا لا يوفّر حماية حقيقية، بل قد يزيد خطر الإصابة بالأنفلونزا بدل تقليله، مستندًا إلى ما يصفه بدراسة كبيرة صادرة عن Cleveland Clinic تُظهر أن لقاح موسم سابق لم يكن فعالًا، بل سجّل "فعالية سلبية". ووفق الادعاء، فإن الأشخاص الذين تلقّوا لقاح الأنفلونزا كانوا أكثر عرضة للإصابة بالمرض بنسبة تقارب 26.9% مقارنة بغير الملقحين، مع الإيحاء بأن الإعلام التقليدي يتعمّد تجاهل هذه النتائج وعدم نشرها.

ادعاء فعالية سلبين لللقاح الأنفلونزا

هذا الادعاء يسيء تفسير نتائج بحثية محدودة ويُخرجها من سياقها العلمي. فالدراسة المنسوبة إلى Cleveland Clinic لم تقل إن لقاح الأنفلونزا "يزيد خطر الإصابة" على نحو سببي، ولم تستنتج أن اللقاح ضار أو غير صالح للاستخدام. ما تناولته الدراسة هو ملاحظة ارتباط إحصائي في موسم واحد، داخل عيّنة محددة من العاملين الصحيين، في سياق وبائي خاص، دون أن تثبت علاقة سببية مباشرة بين تلقي اللقاح وزيادة العدوى، وقد نبّهت Association of Immunization Managers إلى تحيزات محتملة، منها اختلاف سلوك الفحص بين الملقحين وغير الملقحين. كما أنها لا تقيس مؤشرات الفعالية الأهم، مثل شدة المرض أو الاستشفاء.

في المقابل، تُظهر بيانات أوسع من CDC أن لقاح الإنفلونزا خلال الموسم نفسه خفّض خطر زيارة الطبيب بنسبة 36–60٪، وخطر الدخول إلى المستشفى بنسبة 41–78٪.

وفي منشور ثالث على منصة اكس، يدعي أن وسائل الإعلام الرئيسية في المملكة المتحدة بدأت الاعتراف بأن نحو 90٪ من الأطباء والممرضين يرفضون تلقي لقاح الأنفلونزا، وأن 73٪ منهم رفضوا جرعة التعزيز ضد كوفيد-19 في عام 2024، مع ارتفاع هذه النسبة إلى 90٪ في بعض المستشفيات. ويستنتج من ذلك أن الطواقم الطبية نفسها أصبحت معارضة للتطعيم، وأن هذا الرفض الجماعي يشير إلى خلل أو عدم فعالية في اللقاحات التي ما زالت تُروَّج للناس.

أسباب رفض التطعيم

في الحقيقة، لا توجد أي بيانات رسمية تثبت أن 90٪ من الأطباء والممرضين يرفضون لقاح الأنفلونزا أو جرعات اللقاح ضد كوفيد. الأرقام الرسمية تُظهر أن نسبة تلقي لقاح الأنفلونزا بين العاملين الصحيين في NHS trusts كانت نحو 37.5٪ خلال موسم 2024-2025، و51.5٪ في ممارسات الأطباء العامين، وهي نسب تغطية تلقي أعلى بكثير من نسبة رفض 90٪، وليست دليلًا على رفض جماعي للتطعيم.

نسب رفض تطعيم الأنفلونزا في القطاع الصحي

اقرأ/ي أيضًا

من واشنطن إلى العالم.. حملة كينيدي الابن وأزمة الثقة في الطب الحديث

فقر الدم.. بين الدليل العلمي والوصفات الشعبية على مواقع التواصل

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar