أخبار

مصر تنازلت لإسرائيل عن حقل ليفياثان والآن تشتري الغاز منها.. ما حقيقة الادعاء المتداول؟

هدى بدريهدى بدري
date
١ رجب ١٤٤٧ هـ
آخر تعديل
date
٥:١٧ ص
٢ رجب ١٤٤٧ هـ
مصر تنازلت لإسرائيل عن حقل ليفياثان والآن تشتري الغاز منها.. ما حقيقة الادعاء المتداول؟
لا يوجد أي سند قانوني أو اتفاق رسمي يثبت ملكية مصر لحقل ليفياثان | مسبار

تداول مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي، حديثًا، ادعاءً بأن حقل الغاز ليفياثان الواقع في شرق البحر المتوسط كان ملكًا لمصر، وأن القاهرة تنازلت عنه لإسرائيل خلال عملية ترسيم الحدود البحرية، قبل أن تعود لاحقًا لشراء غازه عبر صفقة الغاز الموقعة بين الطرفين.

توقيع اتفاقية توريد الغاز الإسرائيلي لمصر

انتشر هذا الادعاء عقب إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في 17 ديسمبر/كانون الأول الجاري، أن إسرائيل وافقت على صفقة لتوريد نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي إلى مصر من حقل ليفياثان، بقيمة تصل إلى 35 مليار دولار.

وصف نتنياهو صفقة الغاز مع مصر بالصفقة الأكبر في تاريخ إسرائيل

يفحص هذا المقال صحة الادعاءات بشأن تنازل مصر عن حقل ليفياثان لإسرائيل، في ضوء الاتفاقيات البحرية والقانون الدولي.

هل تنازلت مصر عن حقل ليفياثان لإسرائيل؟

بمراجعة الاتفاقيات الدولية الخاصة بترسيم الحدود بين مصر والدول المجاورة على البحر المتوسط، لم يعثر "مسبار" على أي اتفاق رسمي لترسيم الحدود البحرية بين مصر وإسرائيل. كما لم يجد أي سند قانوني أو اتفاق رسمي يثبت ملكية مصر لحقل ليفياثان أو تنازلها عنه لإسرائيل.

ويحتوي حقل ليفياثان، على نحو 22.9 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستخراج، ويقع ضمن المنطقة الاقتصادية لإسرائيل، على بعد نحو 130 كيلومترًا قبالة سواحل مدينة حيفا في فلسطين التاريخية.

واكتُشف الحقل في ديسمبر 2010 بواسطة شركة نيو ميد الإسرائيلية، التي تملك أعلى حصة من المشروع نسبتها 45.3%، وشركة ريشيو الإسرائيلية بنسبة 15%، وشركة شيفرون الأميركية بنسبة 39.7%.

وبدأ إنتاج الغاز في 31 ديسمبر عام 2019، ليصبح أساسًا لإمدادات الغاز في إسرائيل، ومصدرًا للتصدير إلى كل من مصر والأردن.

وأثار توقيع إسرائيل لاتفاقية ترسيم الحدود مع قبرص في ديسمبر 2010 قبل الإعلان عن اكتشاف حقل ليفياثان بثلاثة شهور، جدلًا حول ملكية الحقل، وهو ما ساهم فيما بعد في انتشار الادعاء بأن مصر تنازلت عن الحقل.

تفاصيل الجدل حول ملكية حقل ليفياثان

تعود بداية الجدل حول ملكية حقل ليفياثان إلى ما بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 في مصر، حين اعترض الدكتور رمضان أبو العلا، خبير هندسة البترول، على اتفاقية ترسيم الحدود الموقعة بين قبرص وإسرائيل عام 2010، مستندًا إلى عدم إشراك مصر عند التوقيع بين البلدين، رغم توقيعها اتفاقية مماثلة مع قبرص عام 2010، إذ تنص المادة الثالثة من الاتفاقية على أنه "إذا دخل أحد الطرفين في مفاوضات لتحديد منطقته الاقتصادية مع دولة أخرى، يجب عليه إبلاغ الطرف الآخر والتشاور معه قبل التوصل إلى اتفاق نهائي".

كما اعتبر أن حقلي ليفياثان وأفروديت، اللذين أعلن عن اكتشافهما من البلدين في عامي 2010 و2011، يقعان ضمن منطقة بين الحدود البحرية لمصر وقبرص، وأن القاهرة لم تتحرك دبلوماسيًا لحماية حقوقها، في حين فرضت إسرائيل سيطرتها على جزء كبير من منطقة الاكتشافات.

واعترض أبو العلا أيضًا على اعتماد خط المنتصف كأساس لترسيم الحدود بين مصر وقبرص، معتبرًا أنه لا يعكس الواقع الجغرافي الكامل ولا يراعي حقوق مصر في الجرف القاري، الذي يمنح الدولة الساحلية حقوقًا سيادية في استكشاف الموارد الطبيعية حتى مسافة 200 ميل بحري.

إلى من تعود ملكية حقل ليفاثان؟

رد الجيولوجيين والقانونيين على اعتراضات أبو العلا

في المقابل، أكد الدكتور أحمد عبد الحليم، رئيس هيئة المساحة الجيولوجية الأسبق، خلال مقابلة تلفزيونية جمعته مع الدكتور رمضان أبو العلا في برنامج "90 دقيقة" عام 2015، أن كل الحقوق المصرية محفوظة، وأن خط المنتصف المتبع في الاتفاقية مع قبرص لم يسلب مصر أي حقوق قانونية أو اقتصادية.

وأوضح عبد الحليم أن اعتماد خط المنتصف يتفق تمامًا مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، خاصة في البحار المغلقة أو شبه المغلقة مثل البحر المتوسط، حيث تكون المسافات بين الدول المتقابلة محدودة.

وأشار إلى أن مصر تعمدت عدم الدخول في أي ترسيم بحري مع إسرائيل، لأن ذلك قد يُفسَّر كاعتراف بحدود بحرية إسرائيلية مع مصر، بما قد يضر بالحقوق البحرية الفلسطينية.

وأيده الباحث أحمد الجيزاوي، صاحب رسالة دكتوراه بعنوان "استغلال إسرائيل لثروات المنطقة"، مستندًا إلى المادة 74 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تنص على أن المنطقة الاقتصادية الخالصة تمتد حتى 200 ميل بحري من خطوط الأساس.

وأوضح أن مصر حددت خطوط أساسها البحرية عام 1990 في 53 نقطة، وسجلتها رسميًا لدى الأمم المتحدة دون اعتراض من أي دولة، فأصبحت معتمدة دوليًا. كما حددت قبرص خطوط أساسها عام 1996 وسجلتها بدورها دون اعتراض.

وأشار إلى أن الاتفاقية تنص على أحكام البحار المغلقة وشبه المغلقة، مثل البحر الأبيض المتوسط، التي تسمح بتحديد خط المنتصف إذا كانت المسافة بين الدول أقل من 400 ميل بحري، مع مراعاة مبدأ العدالة أو قاعدة البعد المتساوي، استنادًا إلى حكم محكمة العدل الدولية في قضية بحر الشمال 1969 بين ألمانيا والدنمارك وهولندا.

بالنسبة لـ "النقطة ثمانية"، والتي اتُّفق عليها بين الجانبين المصري والقبرصي، لفت الجيزاوي إلى أن الدولتين اتفقتا عليها، دون ضم إسرائيل كطرف ثالث، لتجنب الاعتراف بحدود إسرائيل مع مصر، ما يحافظ على حقوق فلسطين في الحقول البحرية.

أحمد الجيزاوي يتحدث إلى قناة المحور حول اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر وقبرص واكتشافات حقول الغاز في المنطقة

الدعاوى القضائية المتعلقة باتفاقية مصر وقبرص

في عام 2012، أقام السفير المصري الأسبق ابراهيم يسري، ومحامي آخر، دعوى قضائية أمام القضاء الإداري في مجلس الدولة، طالب فيها بإلزام كلا من، رئيس الجمهورية، ورئيس الوزراء، ووزراء الخارجية والدفاع، بإلغاء الاتفاقية الموقعة بين مصر وقبرص في عام 2003.

ذكرت الدعوى أنه في 11 إبريل/نيسان 2003، أصدر الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، قرارًا رقم 115 لسنة 2003، بتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة بين مصر و قبرص، ومنذ ثلاث سنوات، ظهرت حقول غاز طبيعي في هذه المنطقة، واستحوذت عليها قبرص وإسرائيل، وهو ما يستدعي إلغاء قرار الرئيس حتى تستفيد مصر من الغاز الطبيعي الموجود في هذه المنطقة.

مطالبات قضائية مصرية بإلغاء اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر وقبرص

وأكدت الدعوى، أن هذه الحقول مصرية 100%، لأنها تبعد عن دمياط نحو 190 كيلو مترًا، بينما تبعد عن حيفا بنحو 235 كيلو مترًا، والمعروف أن حدود المياه الاقتصادية هي 200 كيلو متر، طبقًا للقانون الدولي.

غير أن محكمة القضاء الإداري قضت بعدم اختصاصها، باعتبار أن الاتفاقية صدّق عليها بقرارات جمهورية، وأصبحت في مرتبة القوانين، ما يخرجها من ولاية القضاء الإداري.

نص الدعوى القضائية المطالبة بإلغاء اتفاقية ترسيم الحدود

وفي السياق ذاته، أمرت نيابة الأموال العامة العليا، في عام 2013، بحفظ التحقيقات في البلاغات المقدمة ضد الرئيس الأسبق مبارك، ووزير البترول الأسبق، سامح فهمي، وآخرين، بعد أن أثبتت التحقيقات أن الحقول المشار إليها تقع خارج المنطقة الاقتصادية الخالصة المصرية بمسافة تتجاوز 150 كيلومترًا من الحدود المصرية.

الإطار القانوني الحاكم لترسيم الحدود البحرية بين قبرص ومصر

أكد أستاذ القانون الدولي في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، الدكتور محمد شوقي عبد العال، في دراسة نُشرت في المركز العربي للبحوث والدراسات عام 2014، أن الاتفاقية المصرية القبرصية لترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الدولتين عام 2003، جاءت متسقة تمامًا مع أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982.

وأشار إلى أن ترسيم الحدود جرى وفق خط المنتصف بين السواحل، مع اعتماد نقاط الأساس البحرية لكل دولة (مصر 53 نقطة، قبرص 57 نقطة)، وإيداعها لدى الأمين العام للأمم المتحدة دون أي اعتراض، ما أكسبها الصفة القانونية الدولية.

ونصت الاتفاقية على تأجيل البت في النقطتين الحدوديتين (1 و8) لحين التوصل إلى اتفاق مع الدول المجاورة (تركيا وفلسطين/إسرائيل)، بما يعكس الالتزام بالمادة 74 من اتفاقية الأمم المتحدة، التي تشترط استشارة الدول الأخرى عند ترسيم الحدود.

اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر وقبرص متسقة مع أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار

وينظّم القانون الدولي للبحار، وفق اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1982، ترسيم الحدود البحرية ضمن مواد عدّة، منها:

المادة 15: "إذا كانت سواحل دولتين متقابلة أو متلاصقة، فلا يجوز لأي منهما، في غياب اتفاق بينهما، أن يمتد بحرها الإقليمي إلى ما وراء خط المنتصف"، ما يؤكد أن خط المنتصف هو القاعدة الأساسية لترسيم البحر الإقليمي.

المادة 74: تحدد ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة بين الدول ذات السواحل المتقابلة عن طريق اتفاق على أساس القانون الدولي، بهدف التوصل إلى حل منصف.

المادة 83 (الجرف القاري): تنص على ترسيم حدود الجرف القاري بين الدول ذات السواحل المتقابلة وفق القانون الدولي لتحقيق حل منصف، وتنظم استغلال الموارد الطبيعية البحرية مثل النفط والغاز، مؤكدة أنه لا يمكن اعتبار أي حقل "متنازَلًا عنه" إذا لم يكن ضمن الجرف القاري للدولة.

وفي الخلاصة، فإن الادعاء الذي أعيد تداوله مؤخرًا، لا تدعمه أدلة أو نصوص رسمية موثقة تشير إلى استغناء مصر عن الحقل، وفقًا لما أرشد إليه البحث في المصادر المفتوحة.

اقرأ/ي أيضًا

ما هو أكبر حقل غاز في الشرق الأوسط؟

مصر لم تعلن عن اكتشاف حقل غاز جديد باحتياطي 200 تريليون قدم

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar