بعد إعلان الأمم المتحدة انتهاء المجاعة في غزة.. سوء التغذية مستمر
أعلنت الهيئة المشرفة على التصنيف المتكامل للأمن الغذائي "أي بي سي" التابعة للأمم المتحدة انتهاء حالة المجاعة في قطاع غزة، مضيفةً أن 1.6 مليون شخص ما زالوا يعانون في غزة.
وأكد التصنيف الأممي الجديد حول غزة، الصادر عن مؤسسات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، واليونيسف، وبرنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الصحة العالمية، أنه رغم تحسن الأمن الغذائي والتغذية في قطاع غزة مقارنةً بالتحليل السابق الذي رصد وجود مجاعة، فإن غالبية السكان في الشهرين الفائتين استمروا في مواجهة مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
وأوضح التصنيف أنه على الرغم من زيادة المساعدات الإنسانية منذ وقف إطلاق النار الذي أعلن، في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الفائت، بما في ذلك المساعدات الغذائية، فإن هذه المساعدات تلبي فقط الاحتياجات الأساسية للبقاء على قيد الحياة.
وأضاف أن البنية التحتية والخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية ومعالجة المياه والصرف الصحي ما تزال غير كافية لدعم جميع السكان، وما يزال العديد من المواطنين يعيشون في ملاجئ مؤقتة، ما يجعلهم عرضةً لظروف الشتاء القاسية.
وعلّق الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، على تقرير التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي في غزة قائلًا "لقد تراجعت المجاعة، ويستطيع عدد أكبر بكثير من الناس الحصول على الغذاء الذي يحتاجونه للبقاء على قيد الحياة".
وحذر غوتيريش في تصريح له من أن "المكاسب هشة، بل هشة بشكل خطير، ويؤسفني أن أرى الحجم المستمر للمعاناة الإنسانية في غزة، فالعائلات تتحمل ما لا يُطاق، ويُجبر الأطفال على النوم في خيام غمرتها المياه، وتنهار المباني التي تضررت بالفعل بسبب القصف تحت وطأة الأمطار والرياح، ما يحصد المزيد من أرواح المدنيين".
وأكد أن الأمم المتحدة بذلت منذ أكتوبر الفائت كل ما في وسعها لإبقاء "شرايين الحياة قائمة"، من خلال تقديم الدعم للمخابز، وتوفير ملايين الوجبات، وإعادة فتح مراكز التغذية، وإعادة تأهيل المستشفيات، وتطعيم الأطفال، وإزالة الأنقاض، وترميم خطوط المياه.
يُشار إلى أن التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي هو مبادرة عالمية تضم وكالات من الأمم المتحدة، وشركاء إقليميين، ومنظمات إغاثة، ويصنّف انعدام الأمن الغذائي في خمس مراحل، أشدها المجاعة التي تأتي في المرتبة الخامسة.
وكان التصنيف قد أكد في أغسطس/آب الفائت حدوث المجاعة في محافظة غزة، وتوقّع انتشارها إلى محافظتي دير البلح وخانيونس بنهاية سبتمبر/أيلول الفائت.
استمرار سوء التغذية في غزة وتأثر الأطفال والحوامل بسبب نقص الغذاء
ووفقًا لآخر إحصائية نشرتها وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، في أكتوبر الفائت، سُجّلت 463 حالة وفاة، من بينهم 157 طفلًا، نتيجة المجاعة وسوء التغذية.

وبحسب رصدٍ ميداني أجراه "مسبار"، يستمر سوء التغذية في أماكن مختلفة من قطاع غزة، استنادًا إلى بيانات حصل عليها من وزارة الصحة، تشير إلى استمرار وصول حالات سوء تغذية إلى المستشفيات، إلى جانب غياب العديد من أصناف الغذاء التي تُسهم في تحسين صحة السكان بعد المجاعة.
وأظهرت الأرقام التي حصل عليها مسبار أنه خلال الفترة من 20 نوفمبر/تشرين الثاني الفائت حتى 20 ديسمبر/كانون الأول الجاري، استقبل مجمع ناصر الطبي جنوبي قطاع غزة وحده 577 حالة، ما يدل على استمرار وصول الحالات إلى المجمع حتى بعد صدور التصنيف الأممي.
وإلى جانب البيانات، أكد الطبيب أحمد الفرا، مدير مستشفى الأطفال في مجمع ناصر الطبي، أن مستشفيات قطاع غزة ما تزال تستقبل حالات سوء تغذية نتيجة عدم توفر أصناف الطعام المختلفة في الأسواق.
وقال الفرا في حديثه لمسبار "بالفعل بدأت المساعدات بالدخول إلى قطاع غزة، وتوفرت بعض أصناف الطعام، لكن هناك الكثير من أهالي القطاع غير قادرين على شراء البروتين، مثل اللحوم المجمدة التي تدخل".
وأوضح أن المستشفيات ما تزال تستقبل أيضًا نساءً حوامل يعانين من أعراض سوء التغذية، بسبب عدم توفر العديد من الأصناف الغذائية في أسواق قطاع غزة، خاصة اللحوم الطازجة والأسماك.
وبيّن الفرا أن المستشفيات تستقبل كذلك حالات ولادة يعاني مواليدها من سوء تغذية، وعدم وصول المولود إلى الحجم الطبيعي المعروف، نتيجة عدم توفر الغذاء بشكل مناسب لدى أهالي قطاع غزة.
غلاء الأسعار يفاقم الأزمة المعيشية في أسواق غزة رغم توفر بعض السلع
وفي أسواق قطاع غزة، رصد مسبار توفر أنواع مختلفة من السلع، أبرزها المجمدات بمختلف أصنافها، إلى جانب الخضروات والفواكه، إلا أنها تُباع بأسعار مرتفعة جدًا لا يستطيع كثير من سكان القطاع شراءها.
إذ يُباع كيلوغرام اللحم الأحمر المجمد في أسواق قطاع غزة بنحو 50 شيكلًا (16 دولارًا)، في حين لم يكن يتجاوز سعره قبل الحرب 15 شيكلًا، كما يُباع كيلوغرام الدجاج المجمد بنحو 25 شيكلًا (8 دولارات).
ومع بدء دخول بيض المائدة إلى أسواق قطاع غزة، يُباع الطبق الواحد المكون من 30 بيضة بنحو 30 شيكلًا (9 دولارات)، في حين كان يُباع قبل الحرب بنحو 10 شواكل.
وفي السياق ذاته، أكد برنامج الأغذية العالمي أن العائلات في قطاع غزة تواجه نقصًا حادًا في السيولة المالية، ولا تمتلك الأموال اللازمة لشراء احتياجاتها الأساسية، حتى في الحالات التي تتوفر فيها بعض السلع في الأسواق.
وأشار البرنامج إلى أن كثيرًا من سكان القطاع غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية رغم إعلان وقف إطلاق النار، في ظل استمرار الأزمة الاقتصادية الخانقة. وأوضح أن بعض السلع والخضروات والفواكه دخلت إلى قطاع غزة، إلا أن أسعارها لا تزال مرتفعة للغاية، ما يجعل غالبية السكان غير قادرين على شرائها.
تدهور اقتصادي ومعيشي غير مسبوق في غزة وسط ارتفاع البطالة وانهيار القطاعات الإنتاجية
أكد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد تدهور الواقع الاقتصادي والمعيشي في قطاع غزة بشكل غير مسبوق خلال عام 2025، إذ تجاوز معدل البطالة 77%، في ظل شلل شبه كامل للأنشطة الاقتصادية كافة، نتيجة الحرب الإسرائيلية والحصار المشدد.
وأظهرت البيانات أن الناتج المحلي الإجمالي في القطاع انخفض بنسبة صادمة بلغت 84% مقارنة بعام 2023.
وشهدت القطاعات الاقتصادية الرئيسية في غزة انهيارًا حادًا، إذ تراجع نشاط الإنشاءات بنسبة 99%، وانخفض نشاط الصناعة بنسبة 94%، فيما تراجع قطاع الخدمات بنسبة 82%، وسجّل القطاع الزراعي انخفاضًا بنسبة 92% مقارنة بعام 2023، في ظل تدمير الأراضي الزراعية ومنع إدخال المدخلات الأساسية للإنتاج.
وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار التقرير إلى تعطل الغالبية الساحقة من القوى العاملة في غزة، إذ بلغ عدد العاطلين عن العمل مستويات غير مسبوقة، بينما لم تتجاوز نسبة المشاركة في القوى العاملة 38% خلال عام 2025، وهي نسبة أدنى بكثير من مستويات ما قبل الحرب، ما يعكس انسدادًا شبه كامل في فرص العمل وسبل كسب العيش.

وعلى صعيد التجارة الخارجية، تراجعت حصة قطاع غزة من التبادل التجاري الفلسطيني مع العالم الخارجي إلى أقل من 4%، بعدما كانت تشكّل نحو 29% في عام 2003، نتيجة التوقف شبه الكامل لسلاسل الإمداد من وإلى القطاع، الأمر الذي تسبب في تفاقم الكارثة الصحية والغذائية، مع دخول السلع الأساسية والأدوية والمستلزمات الصحية بكميات لا تتجاوز 4% من الاحتياج الفعلي.
وسجّل قطاع غزة ارتفاعًا حادًا في مستويات الأسعار بنسبة 22% خلال عام 2025، بفعل الحصار الخانق والنقص الحاد في السلع الأساسية، ما فاقم من تدهور القدرة الشرائية للمواطنين، بالتزامن مع انهيار الدخل وارتفاع معدلات الفقر.
كما أظهر التقرير أن إجمالي الاستهلاك في غزة تراجع بنسبة 81% مقارنة بعام 2023، في مؤشر خطير على تفشي مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، إذ لم يعد الواقع المعيشي يقتصر على الفقر فحسب، بل بات يعكس انتشار المجاعة بأشكالها المختلفة بين غالبية السكان.
وحول آفاق عام 2026، رجّحت التنبؤات الاقتصادية استمرار الواقع الاقتصادي القاتم في قطاع غزة، مع بقاء النشاط الاقتصادي محصورًا في نطاق ضيق مرتبط بالمساعدات الإنسانية وعمليات الإغاثة، في ظل استمرار القيود الإسرائيلية المشددة والدمار الواسع للبنية الإنتاجية، دون مؤشرات حقيقية على تعافٍ اقتصادي فعلي في المستقبل القريب.
اقرأ/ي أيضًا
بالإنكار والتضليل.. إسرائيل تواجه إعلان الأمم المتحدة عن المجاعة في غزة



















