سياسة

هل يمكن مقارنة الشركات الأهلية في تونس بالشركات التضامنية والتعاونية في العالم؟

فريق تحرير مسبارفريق تحرير مسبار
date
٢ رجب ١٤٤٧ هـ
آخر تعديل
date
٤:٤٣ ص
٤ رجب ١٤٤٧ هـ
هل يمكن مقارنة الشركات الأهلية في تونس بالشركات التضامنية والتعاونية في العالم؟
تحظى الشركات الأهلية في تونس بدعم وتسهيلات حكومية | مسبار

منذ إصدار قانونها، مثلت الشركات الأهلية في تونس إحدى النقاط الخلافية بين من يراها نموذجًا اقتصاديًا هامًا، ومن يعتبرها مشروعًا سياسيًا فاشلًا.
وشبهت الشركات الأهلية بالتجارب التعاونية والتضامنية الموجودة في عدة دول في العالم، واعتبرتها وسائل إعلام محلية فرصة للإقلاع الاقتصادي.

الشروق التونسية تصف مشروع الشركات الأهلية بنموذج للإقلاع الاقتصادي
جريدة الشروق التونسية تصف مشروع الشركات الأهلية بنموذج للإقلاع الاقتصادي

كما قال وزير التشغيل والتكوين المهني رياض شوّد خلال استضافته ببرنامج تونس الأهلية الذي بثته القناة الوطنية التونسية بتاريخ الثالث من ديسمبر/كانون الأول الجاري، في حديثه عن أهمية الشركات الأهلية في تونس، أن تجارب الشركات ذات البعد الأهلي والتشاركي موجودة في جميع دول العالم حتى منها الأكثر رأسمالية، على غرار فرنسا وكندا والبرازيل والصين والأرجنتين. وعقبت مقدمة البرنامج على حديثه بالتأكيد أن التجربة موجودة في الدول الإسكندينافية وناجحة. 

فهل تعد الشركات الأهلية التونسية نسخة مشابهة للنماذج العالمية الموجودة في البلدان التي تم ذكرها؟ وهل تعمل في نفس القطاعات وتمول بنفس الطريقة وتساهم في دفع العجلة الاقتصادية كنظيراتها؟

الشركات التعاونية والشركات الأهلية في تونس: أوجه الاختلاف

تعتبر الشركات الأهلية في تونس نموذجًا اقتصاديًا جديدًا يعتمد على المبادرة الجماعية المحلية ويعرفها المرسوم عدد 15 لسنة 2022، على أنها كلّ شخص معنوي تحدثه مجموعة من أهالي الجهة يكون هدف الباعث على تأسيسها تحقيق العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات من خلال ممارسة جماعية لنشاط اقتصادي انطلاقًا من المنطقة الترابية المستقرين بها. 

وتهدف الشركات إلى تحقيق التنمية الجهوية وأساسًا بالمعتمديات وفقًا للإرادة الجماعية للأهالي وتماشيًا مع حاجيات مناطقهم وخصوصياتها. وتتولى هذه الشركات بعث مشاريع تتماشى مع خصوصيات الجهة المعنية والتصرف في الأراضي الاشتراكية والمساهمة في مسار التنمية المستدامة.

هذه الشركات الناشئة تختلف مع طبيعة شركات الاقتصاد الاجتماعي التضامني في البلدان التي تم ذكرها من حيث الأطر القانونية والدعم ونضج التجربة وخاصة استقلاليتها عن الحكومة.

  • فرنسا وكندا

توجد في فرنسا التعاونيات العمالية "SCOP" وهي شركات يملكها العمال أنفسهم، والتعاونيات المجتمعية "SCIC" وهي شركات يتشارك في ملكيتها المواطنون والمؤسسات المحلية والجمعيات والموظفون أو المنتفعون بالخدمات التي تقدمها الشركة "نقل – صحة – طاقة" ويقدر عددها بالآلاف.

تمول "SCOP" من قبل الأعضاء أنفسهم والمستثمرين الخارجيين والقروض البنكية وصندوق التمويل الخاص بالشركات التعاونية والأرباح المعاد استثمارها، أما "SCIC" فتمول من القروض البنكية وصناديق الدعم الخاصة بالاقتصاد الاجتماعي التضامني ورأس المال المتعدد المصادر "مواطنون جمعيات مؤسسات..". 

أما الدعم الحكومي فهو محدود خاصة بالنسبة لـ "SCIC" وأقوى نسبيًا بالنسبة لـ "SCOP" لأنها تخدم مشاريع عامة أو مشاريع اجتماعية وتتمثل أشكال الدعم في تمويل من البلديات وصناديق الاقتصاد الاجتماعي التضامني وبرامج الدولة للبنية التحتية.

ويضم الاقتصاد الاجتماعي التضامني في فرنسا الجمعيات والتعاونيات والصناديق التعاونية والمؤسسات الاجتماعية التضامنية ويرتكز على جملة من المبادئ وهي ديمقراطية التسيير والربح المستغل في التنمية المستدامة وكذلك الابتكار الجماعي.

ورغم أن هذه الشركات توظف 2.3 مليون شخص وتساهم بحوالي 10 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي و40 في المئة من إنتاج القطاع الزراعي فإنها لا تحظى بتمويل عمومي كبير رغم مساهمتها الهامة في الاقتصاد الفرنسي.

وتنظم التعاونيات في فرنسا بمقتضى قانون تم سنه سنة 2014، وجاء ليجمع كل الأنشطة الاقتصادية والتضامنية تحت إطار واحد بعد أن كانت محددة بقوانين متفرقة حسب أنواع التعاونيات يعود بعضها إلى سنة 1901 والبعض الآخر إلى سنة 1978.

ويعتبر الاقتصاد الاجتماعي التضامني في كندا مهمًا للدعم الاجتماعي والتنمية المحلية، ويهدف إلى خدمة المجتمع والأعضاء ويدار بشكل مستقل عن الدولة.

وتعتبر التعاونيات "CO OPERATIVE" شكلًا من أشكال الاقتصاد التضامني وهي شركات على ملك أعضائها الذين ينشئونها من أجل تلبية احتياجاتهم الاقتصادية والاجتماعية وتصنف إلى تعاونية مستهلكين ومنتجين وعمال وهي شركات ليست ربحية تقليدية بل كيان تشاركي يهدف إلى خدمة الأعضاء والمجتمع. 

توجد 5616 شركة تعاونية في كندا حتى عام 2025
توجد 5616 شركة تعاونية في كندا حتى عام 2025

وتعمل الشركات في عدة قطاعات منها الزراعة والأغذية والتمويل والتأمين والإسكان والطاقة والحرف وتلعب دورًا هامًا في تعزيز التنمية المحلية ودعم المناطق النائية كما تساهم في توظيف 150 ألف شخص.

ورغم أن التعاونيات تساهم ب 2.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي فإن تمويلها يتأتى من مساهمة الأعضاء وإيرادات الشركات والقروض أما الدعم الحكومي فهو تحفيزي وتكميلي ويختلف حسب النوع والبرنامج فيكون هامًا وضخمًا بالنسبة لبرنامج تنمية الإسكان التعاوني، لكن هناك تعاونيات قوية تعمل دون أي دعم حكومي.

وينظم نشاط هذه الشركات عبر عدة تشريعات حسب المقاطعة.

  • البرازيل

أما في البرازيل فيهدف الاقتصاد التضامني إلى تعزيز التعاون بين أفراد المجتمع والتشجيع على الإنتاج والاستهلاك المستدامين ويضم المشاريع المجتمعية الصغيرة والجمعيات الإنتاجية والتعاونيات. 

وتعمل التعاونيات على تقاسم المنافع وتوزيع الفوائض وتشمل العديد من الأنشطة كالزراعة والصحة السكن والتمويل والبيئة وغيرها. 

ويقدر عدد التعاونيات في البرازيل بالآلاف وتمول التعاونيات من قبل أعضائها وعائداتها والقروض والدعم الحكومي المتمثل في قروض ميسرة ومنح وحوافز ضريبية.

يهدف النموذج إلى خلق مواطن شغل وتعزيز الاقتصاد التضامني وزيادة الإنتاج المحلي. ورغم أهمية الدعم الحكومي فالشركات تعتمد عليه فقط كمكمل لأنه غالبًا يخص مشاريع بعينها. وتنظم التعاونيات وفقا لقانون صادر منذ سبعينيات القرن الفائت.

 سوق التعاونيات الائتمانية يحرّك حاليًا نحو 820 مليار ريال برازيلي (أي حوالي151.7 مليار دولار أميركي) من الأصول
 سوق التعاونيات الائتمانية يحرّك حاليًا نحو 820 مليار ريال برازيلي (أي حوالي151.7 مليار دولار أميركي) من الأصول

وفقًا لبيانات حديثة من كونفيبراس (الاتحاد البرازيلي لتعاونيات الائتمان)، فإن سوق التعاونيات الائتمانية يحرّك حاليًا نحو 820 مليار ريال برازيلي (أي حوالي151.7 مليار دولار أميركي) من الأصول، و528 مليار ريال (أي ما قدره 97.7 مليار دولار أميركي) في محافظ الودائع، و523 مليار ريال (96.8 مليار دولار أميركي) في الائتمان.

  • الأرجنتين

كان ظهور الاقتصاد الاجتماعي التضامني في الأرجنتين، نتاج أزمات اقتصادية عاشتها البلاد، أفلست على إثرها آلاف الشركات ورزخ حوالي 50 في المئة من السكان تحت خط الفقر، فتمكنت الحركات الاجتماعية والمجتمعات المحلية من إرساء الاقتصاد الاجتماعي التضامني وتطويره عبر التعاونيات وشبكات التكافل المحلي وغيرها.

وقد نجحت هذه التجربة في تنويع مصادر الدخل وخلق فرص عمل وإعادة استثمار الأرباح في دعم المجتمع المحلي. 

وبلغ عدد التعاونيات في الأرجنتين حتى عام 2023، 19 ألفًا و76 تعاونية. وإلى جانب توفير العمل وتغطية الخدمات الأساسية، تشارك الشركات التعاونية الأرجنتينية بقوة في الإنتاج الوطني في البلاد، إذ تمثّل 28% من إجمالي الإنتاج، وتتحمّل مسؤولية 8% من صادرات القطاع الزراعي، و5% من إجمالي التجارة الخارجية للبلاد.

بلغ عدد التعاونيات في الأرجنتين أكثر من 20 ألف تعاونية تولّد نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي.
بلغ عدد التعاونيات في الأرجنتين عام 2025، أكثر من 20 ألف تعاونية تولّد نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي.

وحتى عام 2025، بلغ عدد التعاونيات في الأرجنتين أكثر من 20 ألف تعاونية تولّد نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي.

  • الصين

في الصين يهدف الاقتصاد الاجتماعي التضامني إلى تقليص الفوارق الاقتصادية وتمكين الفئات الهشة علاوة على تلبية الحاجيات الاجتماعية كالزراعة والصحة وغيرها وذلك عبر التعاونيات الريفية والمؤسسات الاجتماعية والجمعيات المجتمعية والمنظمات شبه الأهلية لكن التجربة الصينية تختلف عن نظيراتها في الدول الرأسمالية فالاقتصاد الاجتماعي التضامني يعتبر أداة للاستقرار السياسي للبلاد وقد شهد هذا النوع من الاقتصاد تقلبات عدة منذ الأربعينيات إلى الآن حيث تحول من تضامن مجتمعي إلى تضامن يدار سياسيًا، بالتالي فهو يفتقر للاستقلالية عن الدولة ويحظى بدعم حكومي مباشر. 

تدعم الدولة هذا النموذج بهدف تعزيز الاستقرار الاجتماعي وتوفير فرص عمل محلية وتقليل الهجرة للمدن بالإضافة إلى توسيع نفوذ الحزب الذي يشرف عليه وخلق واجهة مدنية للسياسات الحكومية المنتهجة.

في عام 2017، سجلت الصين وجود 30 ألفًا و281 تعاونية أولية للإمداد والتسويق (على مستوى القرى)، وألفين و402 اتحادًا لهذه التعاونيات على مستوى المحافظات، و342 اتحادًا على مستوى المدن، و32 اتحادًا على مستوى الأقاليم، إضافة إلى 21ألفًا و852 مؤسسة تعاونية و280 معهدًا تعاونيًا تمثّلها الاتحاد الصيني لتعاونيات الإمداد والتسويق (ACFSMC). وبلغ عدد العاملين في جميع تعاونيات الإمداد والتسويق الممثَّلة من قبل الاتحاد نحو 3.4 ملايين موظف.

  • الدول الاسكندنافية

وبخصوص الدول الإسكندينافية فالاقتصاد الاجتماعي التضامني يعتبر جزءًا هامًا في النسيج الاقتصادي مع فوارق طفيفة بينها، ففي السويد مثلا يشمل الاقتصاد الاجتماعي التضامني التعاونيات والشركات الاجتماعية والمبادرات المجتمعية ويتركز في عدة قطاعات من بينها الصحة والتعليم والطاقات المتجددة والبيئة.

ويعتبر هذا النوع من الاقتصاد جزءًا من نظام الرفاه الوطني، ويدعم من المشاريع الاجتماعية والحوافز الضريبية والشراكة مع البلديات ويتميز النموذج السويدي بأنّه يعمل كمكمل للسياسات العامة في البلاد. وتعتبر القيمة الاقتصادية للاقتصاد الاجتماعي التضامني مهمة إذ يشكل حوالي 10 في المئة من الناتج المحلي وبلغت قيمة إيراداته التشغيلية سنة 2024، 676 مليار كرونة سويدية كما تشغل مؤسساته 196 ألفًا و839 شخصًا.

تساهم التعاونيات في السويد بنسبة 10 في المئة من الناتج المحلي في البلاد
تساهم التعاونيات في السويد بنسبة 10 في المئة من الناتج المحلي في البلاد

وتحظى هذه المؤسسات بالدعم الحكومي لكنه مدروس ويهدف لدعم كبار السن وتشجيع التنمية المستدامة والإدماج الاجتماعي.

أما في النرويج فيرتكز نشاط الاقتصاد الاجتماعي التضامني في مجالات الزراعة والصيد البحري والرعاية الاجتماعية والتعليم والبيئة وتوجد أكثر من 200 ألف مؤسسة توظف حوالي 150 ألف شخص وتمول الحكومة جزءًا كبير من المشاريع المتعلقة بالرعاية الصحية والتعليم عبر الخدمات المسداة لها في ترجمة لمفهوم دولة الرفاه التي تسعى لتقديم خدمات اجتماعية قوية شأنها شأن السويد.

وفي الدنمارك يعتبر الاقتصاد الاجتماعي التضامني جزءًا من نموذج دولة الرفاه الدنماركية وتضم مؤسساته العديد من المجالات كالصحة والرعاية الاجتماعية والتعليم والزراعة والطاقة والبيئة، كما أنها تعمل في تكامل مع الدولة بالتالي تتلقى تمويلات من الحكومة غبر عقود خدمات تسديها لها وتتمتع بحوافز ضريبية لتحقيق الرفاه المجتمعي.

ويقف البحث الذي قام به مسبار على اختلاف كبير في تجربة الاقتصاد الاجتماعي التضامني للدول المذكورة، والشركات الأهلية لعل أبرزها استقلالية الاقتصاد الاجتماعي التضامني عن الحكومات، بينما الشركات الأهلية في تبعية كاملة للدولة ويشرف عليها ولاة ومعتمدون.

كما أن الإطار القانوني في تونس مازال مستحدثًا وغير مستقر بينما للدول التي تم ذكرها سابقًا تاريخ عريق في الشركات التضامنية الاجتماعية. ويغلب على النموذج التونسي الطابع التنموي المحلي بينما تنشط التعاونيات الأخرى في قطاعات اقتصادية متنوعة وهي ربحية وتساهم في دفع عجلة الاقتصاد.

ولئن بلغ العدد الجملي للشركات الأهلية في تونس إلى حدود 15 نوفمبر 2025، 236 شركة تنشط منها فعليا 60 شركة وفقًا لإحصائيات وزارة التشغيل والتكوين المهني فالبلدان المقارنة لديها آلاف التعاونيات التي تمثل قوة اقتصادية.

يبلغ عدد الشركات الأهلية في تونس حتى شهر نوفمبر 236 شركة بحسب وزارة التشغيل
يبلغ عدد الشركات الأهلية في تونس حتى شهر نوفمبر 236 شركة بحسب وزارة التشغيل

وتعول الشركات الأهلية التونسية على "الدعم الحكومي"، وقد أعفيت بمقتضى المرسوم عدد 3 لسنة 2025 المعدل لمرسوم 2022 من الضرائب والمعاليم الجبائية المستوجبة لمدة عشر سنوات من تاريخ إحداثها والتقليص في القيمة الدنيا لرأس مال الشركة وجملة من الحوافز الأخرى منها منح هذه الشركات الأولوية في كراء العقارات الدولية الفلاحية وملك الدولة الخاص غير الفلاحي.

وأثارت هذه الامتيازات الكبيرة للشركات الأهلية دون سواها، تحفظ العديد من الخبراء، واعتبرت منظمة البوصلة التونسية أنها "لا تعدو أن تكون سوى محاولات من السلطة السياسية إنجاح مشروع راهنت عليه ولم يؤت ثماره".

فهل يمكن اعتبار الشركات الأهلية شكلًا من أشكال الاقتصاد التضامني الاجتماعي أو مقارنتها به؟

الشركات الأهلية وغياب مبدأ الاستقلالية

قال وزير التشغيل السابق، فوزي عبد الرحمان، إن الشركات الأهلية لا تستند إلى تجارب مقارنة ولا تستقيم مقارنتها مع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لأنهما لا يقومان على نفس المبادئ.

واعتبر في تصريح لـ"مسبار" أنّ حديث وزير التشغيل الحالي عن الشركات الأهلية غير دقيق، موضحًا أنّ للاقتصاد الاجتماعي والتضامني مبادئ عامة في العالم وأول مبدأ هو الاستقلالية عن السلطة السياسية، عكس الشركات الأهلية في تونس، التي يرى أنّها مشروع سياسي للسلطة القائمة، وليس مشروعًا اقتصاديًّا.

وأكد أنّ تونس اعتمدت على التعاضديات كبرنامج سياسي وضع في الستينيات من قبل نظام الحبيب بورقيبة لكنه فشل، لأنّه كان مفروضًا على المجتمع وليس نابعًا منه.

وأشار إلى وجود اقتصاد تشاركي في تونس، قبل الشركات الأهلية، مثل التعاونيات الفلاحية وتعاونيات التأمين، وهي مؤسسات ربحية.

وأوضح المستشار في التنمية حسين الرحيلي، أن الشركات الاقتصادية الاجتماعية في باقي الدول تقوم على عدة مبادئ من بينها الاستقلال عن السلطات العمومية وحرية الاختيار والديمقراطية لكن الشركات الأهلية في تونس هي مشروع سياسي وليس اقتصادي بما أنها مرتبطة بالدولة.

وأضاف في تصريح لمسبار، أن الدول التي ذكرها وزير التشغيل الحالي في برنامج "تونس الأهلية"، لا توجد بها شركات أهلية بل شركات اقتصادية اجتماعية تضامنية وهي متعددة ومتنوعة، مضيفًا أن تحديد أعضاء الشركة الأهلية منذ البداية يكسبها بعدًا سياسيًّا وليس اقتصاديًا.

الشركات الأهلية: مردودية ضعيفة رغم التسهيلات

أشار فوزي عبد الرحمان إلى أنّ المرسوم عدد 3 لعام 2025 أعطى عدة امتيازات للشركات الأهلية، منها الحق في الحصول على أراضي الدولة وهو في حد ذاته موضوع يستحق النقاش المجتمعي.

وبين أن "ملف الأراضي الدولية والعقارات الفلاحية يتضمن إشكاليات عديدة، ومن غير المعقول استعمالها في مشاريع كالشركات الأهلية دون دراسة"، معتبرًا ذلك "تسرعًا خطيرًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا يهدد السلم الاجتماعي".

وانتقد فوزي عبد الرحمان تخصيص قانون المالية (الموازنة) لسنة 2026، مبلغ 35 مليون دينار من الدولة للبنك التونسي للتضامن لفائدة الشركات الأهلية، التي لا يتجاوز عددها العشرات (وحتى إن تطورت سيكون بالمئات)، بينما لم يرصد للشركات المتوسطة والصغرى وعددها بالآلاف سوى حوالي 20 مليون دينار.

الشركات الأهلية
خصص قانون المالية مبلغ 35 مليون دينار للشركات الأهلية

واعتبر حسين الكحيلي، من جانبه أن المنوال التنموي الموجود أثبت محدوديته وفشله ولا يمكن إصلاحه بالشركات الأهلية المدعومة من الدولة والتي يشرف على إنجازها وزراء ومعتمدون، لافتًا إلى أن الخطر يتمثل في سماحه للشركات بـ"السطو" على الموارد الطبيعية التي هي ملك الشعب والأراضي الفلاحية والموارد الغابية.  

وشدد على ضرورة أن يكون لجميع الشركات نفس الامتيازات لتحقيق مبدأ التنافس، لأن الشركات الأهلية وضعت على ذمتها كل التسهيلات والقروض دون فائدة بالتالي لا يمكن لشركة تقليدية منافستها.

هل تُغيّر المراسيم واقع الشركات الأهلية؟

كما انتقد فوزي عبد الرحمان، تغيير المرسوم المتعلق بالشركات الأهلية، دون القيام بتقييم حقيقي لمردوديتها، مع غياب إحصائيات دقيقة حولها.

ولفت إلى أن المرسوم عدد 3 لسنة 2025 جاء بمشروع مختلف تمامًا عن المشروع الأول لأنه كان يشترط 50 شخصًا للتأسيس، وخفضه إلى 10 وخفض أعضاء مجلس الإدارة من 12 عضوًا إلى 3 كحد أدنى.

وقال الخبير في التنمية الكحيلي لمسبار إنه بمقتضى المرسوم الجديد أصبح عدد الأعضاء المشترط لتأسيس شركة هو 10 أعضاء، دون تقييم واضح. 

وأشار إلى أنه بعد 3 سنوات، ومع كل الدعم والإمكانيات والالتزامات وتخصيص كتابة دولة، تبين أن الاقتصاد التونسي لا حاجة له بنوع جديد من الشركات وأن أزمته هيكلية في الإطار الذي تعمل فيه وليس في شكلها.

كما استنكر ما اعتبره "تدميرًا للنسيج الاجتماعي لصالح شكل من أشكال الشركات التي لا نعرف هل تنجح أم لا" مشددًا على أن المرسوم الجديد لن يغير شيئًا ووصفه بالـ"فاشل".

انتقادات طالت مرسوم إحداث الشركات الأهلية لسنة 2022

سبق وأن تعرض المرسوم المتعلق بإحداث الشركات الأهلية لجملة من الانتقادات من قبل خبراء الاقتصاد، إذ يرون أن تأثير هذه الشركات على النمو الاقتصادي سيكون محدودُا بسبب عددها المحدود، مقارنة بالشركات التقليدية بالإضافة إلى غياب الدعم الفعلي المتمثل في التمويل والمرافقة الإدارية.

مرسوم عدد 15 لسنة 2022 مؤرخ في 20 مارس 2022 يتعلق بالشركات الأهلية
المرسوم عدد 15 لسنة 2022 مؤرخ في 20 مارس 2022 يتعلق بإحداث الشركات الأهلية

وأشار فوزي عبد الرحمان إلى أنّ الفصل 19 من المرسوم عدد 15 لسنة 2022، يسمح لأي شخص يرغب في المشاركة في الشركة الأهلية وليس له نشاط منافس لها، بإيداع مطلبه ولا يمكن للجنة رفضه وهذا ضد مبدأ الاقتصاد العالمي مهما كان نوعه، وفق قوله.

وأكد أنّه إذا حققت الشركة نجاحًا يمكن أن يقدم العديد من الأشخاص مطالبهم للانضمام إليها وليس لها الحق في الرفض، بالتالي يصبح الربح مستحيلًا.

وجاء في الفصل الذي تحدث عنه فوزي عبد الرحمان ما يلي: "يودع الأشخاص الراغبون في المشاركة في الشركات الأهلية مطالبهم لدى مؤسسي الشركة وبالمكان المعين من قبلهم للغرض. وبعد التأسيس، تودع مطالب المشاركة لدى مجلس الإدارة بالمقر الاجتماعي للشركة الأهلية. وتعرض هذه المطالب على أول جلسة عامة عادية للبت فيها. ولا يمكن رفض مشاركة أي شخص تتوفر فيه الشروط المستوجبة والمبينة بالفصل 18 من هذا المرسوم".

كما انتقد الخبراء ضعف الحوكمة والشفافية، وطرحت التعقيدات الإدارية والبيروقراطية، أيضًا، كإشكاليات وعقبات واجهت الشركات الأهلية، خاصة المتعلقة بوضعية الأراضي والحصول على ملكية الأراضي الدولية بالإضافة إلى التعقيدات الإجرائية مع الإدارات والوزارات.

 

اقرأ/ي أيضًا

كيف يسهم احتكار المعلومة الرسمية واستبعاد الصحفيين في انتشار المعلومات المضللة في تونس؟

بالوثائق: ما حقيقة استيلاء الشركة الأهلية "الأقصى المبارك" على محطة سيارات الأجرة بتوزر؟

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar