هل تلاحق العدالة التونسية شريفة الرياحي بتهمة تبييض الأموال؟
بعد تأجيل النظر في ملف جمعية "تونس أرض اللجوء" من قبل الدائرة الجنائية المختصّة في قضايا الفساد المالي في المحكمة الابتدائية بتونس، تداولت وسائل إعلام وصفحات وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي معلومات غير دقيقة بشأن التهم الموجهة إلى رئيسة الجمعية شريفة الرياحي، منها أنها تتعلق بتبييض الأموال.
ونشرت صفحة "الحرية لشريفة"، في الأول من ديسمبر/كانون الأول الجاري، بيانًا توضيحيًا بشأن ما وصفته بـ "المغالطات والإشاعات والتهم الزائفة التي تم ترويجها حول ملف شريفة الرياحي وزملائها ومن شملتهم القضية".
وبيّنت الصفحة أن التهم الموجهة إلى أعضاء الجمعية لا تتعلق بتبييض الأموال، وأن تلك التهمة أُسقطت منذ صدور قرار ختم البحث وتم حفظ جميع التهم في حق الجمعية، وهي مخالفة أحكام الفصل 25 من قانون غدد 7 لسنة 1968 المتعلق بحالة الأجانب في البلاد التونسية ومخالفة الفصول 39 و41 من القانون عدد 40 لسنة 1975، المتعلق بجوازات السفر والمشاركة في استخدام موظف لصفته لاستخلاص فائدة أو الإضرار بإدارة.
وطالع "مسبار" قائمة التهم الأولية، ووجد أنه شريفة الرياحي السحالي أحليت على أنظار قاضي التحقيق في القطب القضائي الاقتصادي والمالي للاشتباه في ارتكابها:
- الجرائم المنصوص عليها في الفصول 32 و96 و98 131 و132 و172 و173 و174 و175 و176 و177 من المجلة الجزائية.
- الجرائم المنصوص عليها في الفصول 38 و39 و40 و41 و42 و43 من القانون عدد 40 المؤرخ في 14 ماي 1975 المتعلق بجوازات السفر ووثائق السفر.
-
الجرائم المنصوص عليها في الفصل 25 من القانون عدد 07 لسنة 1968 المؤرخ في 8 مارس 1968 المتعلق بحالة الأجانب بالبلاد التونسية.
نص الفصل 25 من القانون المتعلق بحالة الأجانب بالبلاد التونسية - الجرائم المنصوص عليها في الفصول 92 و93 و94 و95 و96 و97 من القانون الأساسي عدد 26 لسنة 2015 المؤرخ في 7 أوت 2015 والمتعلق بمكافحة الإرهاب ومنع غسل الأموال.
كما أظهرت الوثائق أن تُهمة غسل الأموال أُسقطت منذ صدور قرار ختم البحث، ما يعني أنه لا صحة لما تم تداوله إعلاميًا وعلى منصات التواصل الاجتماعي بشأن تأجيل النظر في القضية وفي شبهات تبييض أموال.
وتجدر الإشارة إلى أن راديو "Son fm " صحّح في وقت لاحقٍ المعلومة غير الدقيقة التي نشرها بشأن تهمة تبييض الأموال.
جمعية "تونس أرض اللجوء"
جمعية "تونس أرض اللجوء" "Terre d’Asile Tunisie"، هي الفرع تونسي للجمعية الفرنسية "فرنسا أرض اللجوء" "France Terre d’Asile"، ومن خلال مشروعها "بيت القانون والهجرة"، الذي أُطلق سنة 2012 بتمويل من المفوضية الأوروبية، وبالشراكة مع جمعية الطلبة والمتدربين الأفارقة في تونس (AESAT)، تسعى الجمعية إلى تذليل الصعوبات التي يواجهها المهاجرون واللاجئون في مسارات إدماجهم داخل التراب التونسي، وإدراج قضايا الهجرة واللجوء ضمن الأجندة العامة بطريقة سلمية في البلاد.
وتتمثل أنشطة الجمعية في استقبال جميع المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين والقُصّر وضحايا الاتجار بالبشر والاستماع إليهم وتقديم المعلومات والإرشاد لهم، والاستجابة إلى حاجياتهم المحددة وتوجيههم نحو الشركاء المختصين، بالإضافة إلى تحديد وتوثيق حاجيات الفئات المهاجرة وتوفير شبكة محامين بشكل مجاني (وساطات، تقاضٍ)، وتعزيز شبكة الإحالة والتنسيق مع الجمعيات والمؤسسات ودعم المشاريع الصغرى لطالبي اللجوء أو اللاجئين وانتقاء وتمويل مشاريع صغرى يقودها طالبو اللجوء أو اللاجئون، وتقديم مرافقة تقنية في تنفيذ المشاريع وتطويرها.
وتتمثل آلية الإيواء في مرافقة إيواء حضري طارئ لفائدة المهاجرين في وضعيات هشّة، والمتابعة والمرافقة الاجتماعية للمقيمين في الإيواء.
بالإضافة إلى ذلك، تعمل الجمعية على تنظيم لقاءات نقاش، وعروض أفلام وندوات علمية تجمع الجمعيات والباحثين والصحفيين والقانونيين وممثلي المؤسسات العمومية وإعداد وتنفيذ دورات تكوينية موجهة لمنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات العمومية والسفارات، وتطوير شراكات ظرفية أو دائمة مع مختلف فاعلي المجتمع المدني والمؤسسات العمومية.
كما تضطلع الجمعية بدور آخر، هو التوعية والتحسيس من خلال تنظيم ورشات تحسيسية موجهة للعموم، خاصة في المؤسسات التربوية والجامعية، وعبر شبكات التواصل الاجتماعي وتنظيم أنشطة تهدف إلى الإدماج والتماسك الاجتماعي، وإعداد دراسات وأدلة ومقالات موجهة لفئات مختلفة من الجمهور. كذلك ترافق الجمعية تقنيًا وماليًا المشاريع الجمعياتية التي تعزز حقوق المهاجرين والتماسك الاجتماعي في تونس.
وإثر "أزمة الهجرة غير الشرعية" التي عرفتها البلاد نتيجة تدفق أعداد هامة من أفارقة جنوب الصحراء، واعتبار الرئاسة التونسية الظاهرة تندرج "محاولات توطين وتغيير التركيبة الديمغرافية لتونس"، تعرض القائمون على العديد من الجمعيات التي تنشط في مجالي الهجرة اللجوء للتوقيت على غرار جمعية "منامتي" و"المجلس التونسي للاجئين وأرض اللجوء-تونس" و"جمعية تونس أرض اللجوء".
وفي السياق، اعتُقلت شريفة الرياحي، الناشطة الحقوقية والمديرة التنفيذية السابقة لجمعية "تونس أرض اللجوء"، في مايو/أيار عام 2024، ووجهت إليها تهم عدّة، أُسقِطت لاحقًا باستثناء المتعلقة منها بمساعدة المهاجرين.
وقررت المحكمة الابتدائية في تونس، في 15 ديسمبر الجاري، رفض كل مطالب الإفراج في قضية جمعية "تونس أرض اللجوء"، وتأجيل النظر في القضية إلى 5 يناير/كانون الثاني 2026.
وعقب قرار المحكمة، دعت "حملة ضد تجريم العمل المدني" ومنظمة بوصلة والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات والنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين وجمعية أصوات نساء والجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية وجمعية تقاطع من أجل الحقوق والحريات ومنظمة العفو الدولية، إلى وقفة تضامنية أمام المحكمة "دفاعًا عن العمل المدني" وللمطالبة بإطلاق سراح الموقوفين.
منظمات دولية على الخط
أثار إيقاف ناشطين في مجال الهجرة حفيظة العديد من المنظمات الحقوقية، من بينها منظمة العفو الدولية التي اعتبرت في بيان أن "السلطات التونسية صعّدت بشكل متزايد من حملتها القمعية ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية المستقلة، من خلال عمليات الاعتقال التعسفي، والاحتجاز، وتجميد الأصول، وفرض قيود مصرفية، وقرارات قضائية بتعليق نشاط بعض المنظمات، بذريعة مكافحة التمويل الأجنبي "المشبوه" وحماية "المصالح الوطنية".
كما اعتبرت المنظمة "محاكمة ستة مدافعين عن حقوق الإنسان وعاملين في المجلس التونسي للاجئين أمام القضاء بتهم جنائية ترتبط حصريًا بعملهم المشروع في دعم اللاجئين وطالبي اللجوء خطوة غير مسبوقة"، داعية "السلطات التونسية إلى احترام التزاماتها بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان وضمان الإفراج عن العاملين لدى المنظمة غير الحكومية وعن موظفيّ البلدية المحتجزين تعسفيًا معهم"، معتبرة أنهم "يلاحقون قضائيًا لمجرّد ممارستهم عملهم المشروع في تقديم المساعدة الحيوية والحماية للاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين الذين يعيشون أوضاعًا محفوفة بالمخاطر".
بدورها اعتبرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة "ماري لولور"، اعتقال المدافعين عن حقوق المهاجرين والمناخ العام المتسم بخطاب الكراهية وحملات التشويه ضدهم، دليلًا إضافيًا على تراجع التزام تونس بحماية حقوق الإنسان، مضيفة أنه "من المروّع سماع تصريحات رسمية تتهم من يقدمون المساعدة للمهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين بالخيانة وبأنهم عملاء أجانب".
كما اعتبرت أن ذاك الخطاب لا يؤدي إلا "إلى نشر الخوف والوصم، وقد يفضي إلى تعليق أنشطة منقذة للأرواح، ما يترك مئات الأشخاص في أوضاع هشّة، وخاصة القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء".
ولفتت لولور إلى أن المدافعين عن حقوق المهاجرين يتحملون مخاطر جسيمة لدعم الحقوق المعترف بها دوليًا للمهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين، ومن الضروري الإفراج عنهم وعدم معاملتهم كمجرمين.
وأدانت منظمة صحفيات بلا قيود "Women Journalists Without Chains – WJWC"، بشدة، الحملة التي تشنّها السلطات التونسية منذ مايو 2024 ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين في المجال الإنساني، والتي شملت اعتقالات تعسفية واحتجازات مطوّلة ومضايقات ممنهجة استهدفت أفرادًا ومنظمات تقدم دعمًا قانونيًا وأساسيًا للاجئين والمهاجرين، حسب المنظمة.
ونددت "صحفيات بلا قيود" باحتجاز موظفي المجلس التونسي للاجئين ومنظمة أرض اللجوء الدولية ومسؤولين عموميين سابقين، بسبب تعاونهم مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، مشيرة إلى أن الاعتقالات التي نُفذت يومي 3 و4 مايو 2024، ومن بينها اعتقال مصطفى الجملي وعبد الرزاق كريمي وشريفة الرياحي وإياد بوسالمي ومحمد الجوو وإيمان الورداني استندت "إلى تهم فضفاضة وغير مؤسسة مثل "إيواء أجانب" و"تسهيل الإقامة غير النظامية"، رغم أن المعنيين كانوا يزاولون عملًا إنسانيًا مشروعًا" وفق نص البيان.
واعتبرت المنظمة "أن الإجراءات تمثل انتهاكًا واضحًا للدستور التونسي وللالتزامات القانونية الدولية لتونس، بما في ذلك المعاهدات الدولية الخاصة بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية اللاجئين لسنة 1951"، وطالبت بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المدافعين عن حقوق الإنسان والعاملين في المجال الإنساني المحتجزين، وبإسقاط جميع التهم المرتبطة بالأنشطة الإنسانية المشروعة والاستئناف الفوري وغير المقيّد لخدمات اللجوء والرعاية والمساعدات الإنسانية، ووضع حد لحملات التحريض والتشهير والترهيب ضد منظمات المجتمع المدني.
مهاجرو جنوب الصحراء في تونس
تفاقمت في السنوات الأخيرة ظاهرة توافد مهاجرين من جنوب الصحراء على تونس باعتبارها "محطة عبور" نحو السواحل الإيطالية. وأكد وزير الخارجية التونسي، محمد علي النفطي، خلال جلسة مشتركة بين لجنة العلاقات الخارجية والتعاون الدولي وشؤون التونسيين بالخارج والهجرة بالبرلمان، ولجنة الاستثمار والتعاون الدولي بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم، في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أنّ "تونس أعادت نحو 10 آلاف مهاجر غير نظامي إلى بلدانهم منذ بداية السنة، جلهم من دول أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطًا من الاتحاد الأوروبي لوقف عمليات العبور عبر البحر المتوسط"، وفق ما نقلته وكالة رويترز ووسائل إعلام تونسية محلية.
وأوضح النفطي أنّ "عمليات الترحيل تمت من خلال برنامج العودة الطوعية بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة مع تنظيم رحلات أسبوعية لمساعدة المهاجرين على العودة إلى ديارهم"، قائلًا إنّ "تونس أكدت لشركائها الأوروبين أنها لن تصبح منطقة عبور للمهاجرين".
وتسبب تدفق المهاجرين على مدن تونسية في توترات اجتماعية، على غرار ما شهدته في محافظة صفاقس من مظاهرات مناهضة لانتشار مهاجرين غير نظاميين من دول أفريقيا جنوب الصحراء في المدينة، التي تعدّ نقطة انطلاق رئيسية للهجرة غير النظامية من تونس نحو أوروبا.
وانتصبت خيام المهاجرين في غابات الزيتون في منطقة "العامرة" وسط شكاوى من المالكين، قبل أن تخلي قوات الأمن التونسية تلك المخيمات.
اقرأ/ي أيضًا
كيف يسهم احتكار المعلومة الرسمية واستبعاد الصحفيين في انتشار المعلومات المضللة في تونس؟
التسوّق الإلكتروني في تونس: عروض وهمية وغير مطابقة تضلل المستخدمين
المصادر



































