هل حقًّا تحمي إسرائيل المسيحيين كما ادعى نتنياهو؟
عشية عيد الميلاد، نشر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مقطع فيديو هنأ فيه "أصدقاءه المسيحيين حول العالم" بعيد ميلاد مجيد.
وفي الفيديو، كرر نتنياهو مزاعمه القديمة بأن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي يزدهر فيها المجتمع المسيحي ويمارس شعائره الدينية بكامل حقوقه وحرية تامة، مضيفًا أن الحجاج المسيحيين يُستقبلون "بأذرع مفتوحة" ويُقدَّرون تقديرًا عميقًا.
ولدعم هذه الرواية، أشار نتنياهو إلى حادثة حرق شجرة عيد الميلاد الأخيرة في مدينة جنين بالضفة الغربية، مستغلًا الحادثة ليؤكد أن إسرائيل تقف حاميةً للمسيحيين في المنطقة.
وادعى أنه بينما يتزايد عدد المسيحيين في إسرائيل، فإن المجتمعات المسيحية في أماكن أخرى من الشرق الأوسط تتناقص باستمرار بسبب التمييز.
في هذا المقال، يفنّد "مسبار" الادعاءات المضللة التي وردت في تصريحات بنيامين نتنياهو، والتي تهدف إلى تعزيز رواية إسرائيلية تنكر عقودًا من العنف ضد المسيحيين.
عقد من الهجمات الإسرائيلية على المسيحيين
إن ادعاء نتنياهو ليس جديدًا، فقد رافق خطابه السياسي منذ عودته إلى السلطة عام 2009. وعلى مر السنين، دأب على تصوير إسرائيل كاستثناء إقليمي وسط ما وصفه بعدم الاستقرار والتعصب في الشرق الأوسط.
وفي عام 2011، زعم نتنياهو أنه على الرغم مما وصفه بعدم اليقين الواسع النطاق في المنطقة، فإن إسرائيل ما تزال "منارة للحرية الدينية والتعددية".
قارن نتنياهو إسرائيل بالدول المجاورة، مدعيًا أن المسيحيين في أماكن أخرى من الشرق الأوسط يواجهون الاضطهاد بشكل روتيني، بينما تحمي إسرائيل الأماكن المقدسة وتضمن حرية العبادة لأتباع جميع الأديان.
ومع ذلك، قبل عام من ذلك، في ديسمبر 2010، حظر رئيس بلدية الناصرة العليا المحتلة، وهي مدينة تضم أقلية مسيحية كبيرة، عرض أشجار عيد الميلاد في الأماكن العامة.
إذ أعلن رئيس بلدية الناصرة العليا أن "الناصرة العليا مدينة يهودية، ولن يحدث هذا، لا هذا العام ولا العام المقبل، ما دمتُ رئيسًا للبلدية".
لم تكن هذه الحادثة الأولى ولا الأخيرة، ففي أكتوبر/تشرين الأول 2012، تعرض دير فرنسيسكاني في القدس للتخريب، حيث كُتبت عبارات مسيئة عن السيد المسيح على بوابته، إلى جانب عبارة "ثمن باهظ" بالعبرية.
تشير هجمات "الثمن الباهظ" إلى أعمال تخريب يرتكبها عادة مستوطنون يهود إسرائيليون في الضفة الغربية المحتلة، ردًا على قرارات الحكومة الإسرائيلية التي لا يوافقون عليها.
وفي وقت لاحق، قبيل زيارة البابا فرنسيس إلى القدس عام 2014، قام مخربون برش عبارة "الموت للعرب والمسيحيين" بالعبرية على جدار مركز نوتردام في البلدة القديمة بالقدس، حيث كان من المقرر أن يقيم البابا.
وفي الليلة نفسها، ظهرت كتابات مسيئة على جدار بالقرب من الكنيسة الأرثوذكسية الرومانية.
تلت الحادثتان موجة من الهجمات ضد المسيحيين في الجليل، حيث تعرّض أحد دور العبادة للتخريب، ورُشق الحجاج بالحجارة.
وفي عام 2018، حذر مسيحيون في البلدة القديمة بالقدس من أن وجودهم "في قلب معتقداتهم مهدد بالترهيب والاستيلاء العدواني على ممتلكاتهم من قبل مستوطنين يهود متشددين".
وقال قادة الكنيسة إنهم يواجهون "هجومًا على ثلاث جبهات: حرب استنزاف يشنها مستوطنون متشددون، ومطالب ضريبية غير مسبوقة من مجلس مدينة القدس، واقتراح يسمح بمصادرة أراضي الكنائس التي بيعت لمطورين عقاريين".
وصرّح بطريرك الروم الأرثوذكس في القدس، ثيوفيلوس الثالث، وهو أعلى زعيم مسيحي في الأرض المقدسة، لصحيفة الغارديان، آنذاك، أن "جماعات المستوطنين المتطرفة هذه منظمة للغاية. لقد شهدنا خلال السنوات الماضية تدنيسًا وتخريبًا لعدد غير مسبوق من الكنائس والمواقع المقدسة، وتلقينا أعدادًا متزايدة من البلاغات من الكهنة والمصلين المحليين الذين تعرّضوا للاعتداء والهجوم".
وفي عام 2020، أكدت حملة "حماية المسيحيين في الأرض المقدسة"، وهي حملة نظّمها قادة مسيحيون في القدس لرفع الوعي بتحديات المجتمع، أن عام 2022 كان "واحدًا من أسوأ الأعوام للمسيحيين في القدس حتى الآن".
كما حذّرت الحملة من أن عدد المسيحيين في القدس قد انخفض إلى مستوى يُهدد بانقراضهم، حيث تشير التقديرات إلى أن نسبتهم لا تتجاوز 1% من سكان المدينة، وهو انخفاض حاد عن 11% في منتصف القرن العشرين.
وعلى مر السنوات، استمر التهديد الذي يواجهه المسيحيون في التصاعد. وبحلول عام 2023، صرّح رئيس الكنيسة الكاثوليكية الرومانية في الأرض المقدسة، البطريرك اللاتيني المعين من الفاتيكان، بيرباتيستا بيتسابالا، بأن المجتمع المسيحي أصبح عرضة لهجمات متزايدة.
وفي العام نفسه، وثّق مركز روسينغ للتعليم والحوار 32 اعتداءً على ممتلكات الكنائس، وسبعة اعتداءات عنيفة على المسيحيين، و11 حالة تحرش لفظي، وحوادث تدنيس مقابر، و30 حالة بصق على رجال الدين والحجاج أو باتجاههم.
تصاعد الاعتداءات على المسيحيين عقب الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة
بعد الحرب الإسرائيلية على غزة، في السابع من أكتوبر 2023، وثّق التقرير السنوي لمركز روسينغ للتعليم والحوار لعام 2024 تصاعدًا في حوادث الترهيب والاعتداء التي استهدفت المجتمعات المسيحية على مدار العام.
وبرزت الاعتداءات الجسدية كأكثر أنواع الاعتداءات شيوعًا بين الحالات الـ111 الموثقة، حيث استهدفت غالبيتها رجال الدين، الذين يسهل تمييزهم من خلال زيهم الديني.
كما لوحظ البصق كشكل شائع من أشكال التحرش الجسدي. وجرى توثيق أعمال تخريب وتدنيس الكنائس المسيحية، بما في ذلك الكتابة على الجدران، ورشق الحجارة، وإضرام النار.
وفقًا للتقرير، كان المنفذون في جميع الحالات المعروفة "أشخاصًا يهودًا، في الغالب شبان من الدوائر الدينية والوطنية المتشددة، مدفوعين بمزيج من الحماسة القومية والتطرف الديني".
وأشار التقرير أيضًا إلى أنه بعد الموافقة على القانون الأساسي "إسرائيل: دولة الشعب اليهودي" في 2018، يعتقد 64.8% من المستطلعين أن القانون يؤكد أن المسيحيين مواطنون من الدرجة الثانية.
وفيما يتعلق بالحرية الدينية، أفادت أغلبية بلغت 58.5% من المستطلعة آراؤهم بأنهم "يشعرون بالراحة عند ارتداء الرموز الدينية الظاهرة في المناطق المختلطة أو ذات الأغلبية اليهودية الإسرائيلية".
ولا تزال الكنائس تواجه تحديات عديدة في التعامل مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي، منها "الحصول على تأشيرات لرجال الدين، وتأمين تصاريح الأعياد الدينية، وفهم الوضع الضريبي لممتلكات الكنائس، ومقاومة محاولات مصادرة بعض أراضي الكنائس". كما شهد عام 2025 ارتفاعًا في الهجمات ضد المسيحيين.
ففي فبراير/شباط الفائت، صرّح قائد شرطة البلدة القديمة بالقدس، دفير تميم، قائلًا: "نشهد ظاهرة كراهية موجهة ضد المسيحيين في البلدة القديمة، ولا سيما قيام أفراد متطرفين بالبصق على الأرض أثناء مرورهم بالقرب من المسيحيين أو حتى أمام الكنائس مباشرة".
وفي يوليو/تموز الفائت، وخلال زيارة إلى بلدة الطيبة ذات الأغلبية المسيحية في الضفة الغربية المحتلة، عقب تصاعد هجمات المستوطنين، حثّ ممثلون عن أكثر من 20 دولة، من بينها المملكة المتحدة وروسيا والصين واليابان والأردن والاتحاد الأوروبي، على محاسبة المسؤولين عن هذه الهجمات.
وفي بيت ساحور، وهي بلدة مسيحية إلى حد كبير شرق بيت لحم، دمر المستوطنون، بدعم عسكري، تلة عش الغراب التاريخية في نوفمبر لإفساح المجال لإنشاء مستوطنة جديدة غير مرخصة.
مع اقتراب موسم عطلات ديسمبر الجاري، أُبلغ عن عدة هجمات إضافية، بما في ذلك اقتحام موقع في حيفا واعتقال شخص يرتدي زي سانتا كلوز.
إسرائيل دمرت الوجود المسيحي في غزة
خلال حربها على غزة، استهدفت إسرائيل الكنائس المسيحية والمستشفيات والمدنيين.
وفقًا لتقرير منظمة أوبن دورز، منذ اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، تضرر أو دُمّر نحو 75% من المنازل المملوكة للمسيحيين في غزة.
وانخفض عدد السكان المسيحيين من نحو 1000 إلى نحو 700 فقط، مع فرار ما لا يقل عن 300 شخص، وسُجّلت 43 حالة وفاة نتيجة للأعمال العدائية.

وردًّا على خطاب نتنياهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في سبتمبر/أيلول 2025، أكدت اللجنة الرئاسية العليا لشؤون الكنائس في فلسطين أنه خلال حرب غزة، قصفت إسرائيل الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية للقديس بورفيريوس وكنيسة العائلة المقدسة الكاثوليكية، ما أسفر عن مقتل مدنيين لجأوا إلى هناك.
كما استُهدفت المؤسسات التابعة للكنائس مثل مستشفى الأهلي المعمداني والمركز الثقافي والاجتماعي العربي الأرثوذكسي. ولم تُستثنَ المنازل المسيحية، ما اضطر العائلات للجوء إلى الكنائس، التي تعرّضت بدورها للضربات الإسرائيلية.
وصرّحت اللجنة قائلة: "الحقيقة واضحة: لقد دمرت سياسات إسرائيل الاستعمارية القائمة على التطهير العرقي والفصل العنصري والإبادة الجماعية الوجود المسيحي في فلسطين".
اقرأ/ي أيضًا
حرية العبادة بين الرواية الإسرائيلية والواقع: انتهاكات ممنهجة بحق الفلسطينيين المسيحيين في سبت النور
زعم نتنياهو أنّه يهودي: من هو أحمد الأحمد الذي تصدى لأحد المهاجمين على شاطئ بوندي؟



















