كيف تُستغل مقاطع فيديو الحياة اليومية في غزة ضمن حملة "باليوود"
في ظل الحرب المستمرة على قطاع غزة، باتت المقاطع المصوّرة الواردة من الميدان جزءًا أساسيًا من توثيق الواقع الإنساني اليومي، ونقل صورة ما يعيشه السكان تحت الحصار ونقص الغذاء والخدمات. غير أن هذه المواد لا تُستقبل دائمًا بوصفها شهادات ميدانية، إذ تواجه في كثير من الأحيان حملات تشكيك منظمة تسعى إلى ضرب صدقيتها وإعادة تأويلها خارج سياقها الحقيقي.
وفي هذا السياق، أعادت حسابات إسرائيلية وأخرى مؤيدة لإسرائيل تداول مقطع فيديو صوره الناشط الفلسطيني أسامة العشي في عيد الأضحى، في يونيو/حزيران الفائت، وأرفقته بادعاءات تزعم أن المشهد "مُدبّر" و"مُمَثَّل" لاختلاق رواية عن معاناة سكان غزة من المجاعة.
يفنّد المقال المزاعم المتداولة عن الفيديو، عبر تحليل المقطع وتوضيح السياق العام للحدث، وذلك استكمالًا لسلسلة تقارير أعدّها "مسبار" خلال الحرب على قطاع غزة، والتي وثّقت أنماطًا متكررة لتداول مقاطع مُضلّلة أو التشكيك في المحتوى الوارد من داخل القطاع، ضمن محاولات تقويض السردية الفلسطينية وتشويه الحقائق الميدانية.
مزاعم إسرائيلية تشكك في صدقية فيديو يوثق حياة سكان غزة
في 23 ديسمبر/كانون الأول الجاري، نشرت حسابات إسرائيلية وأخرى مؤيدة لإسرائيل مقطع فيديو صوره الناشط الفلسطيني أسامة العشي، لتجمع مواطنين حول "تكّيّة" (نقطة توزيع وجبات طعام مجانية) غربي مدينة غزة، وتجمع لمجموعة أطفال في مكان مجاور.
وزعمت الحسابات أن المشهد يُظهر ما وصفته بـ"حدث جوع مُصنّع"، وادّعت أن أشخاصًا تلقوا تعليمات بشأن كيفية التصرف أمام الكاميرا قبل دخولهم منطقة التصوير لتصوير المشهد، معتبرة أن المشاهد تمثّل جزءًا من حملة دعائية فلسطينية تهدف إلى التلاعب بالرأي العام.
ورصد مسبار تداول حسابات لمقطع الفيديو ضمن حملة "باليوود"، التي تتهم الفلسطينيين بتزييف المشاهد المصوّرة ونقل صورة مضللة عن الوضع الإنساني في قطاع غزة، بهدف التشكيك في صدقية التوثيق الميداني وصرف الانتباه عن معاناة المدنيين على أرض الواقع.
أسامة العشي يوضح لمسبار سياق الحدث ويفند المزاعم الإسرائيلية
أوضح مصور المقطع، الناشط الفلسطيني أسامة العشي، لمسبار أن الفيديو صُوّر في يونيو/حزيران الفائت، بالتزامن مع عيد الأضحى، ومع المرحلة الثانية من المجاعة في غزة.
وأشار العشي إلى أن الموقع الذي صُوّر فيه المقطع يقع في مخيم غرب ملعب فلسطين غربي مدينة غزة، حيث تقوم مؤسسات وجمعيات خيرية بتوزيع وجبات طعام، مثل العدس والمعكرونة والبقوليات، للتخفيف من آثار المجاعة.
وبيّن العشي أن التجمع حول التكّيّات غالبًا ما يشكّل خطرًا على السكان بسبب الاكتظاظ، لافتًا إلى وقوع إصابات بين المواطنين أثناء محاولة الحصول على الطعام، وهو ما يعكس طبيعة الوضع القائم، مؤكّدًا أن المشهد ليس مُعدًّا أو مُنظّمًا كما ادعت بعض الحسابات. وأضاف الناشط أنه أوضح في التعليق المرفق بالفيديو أن الحدث وقع في ظل المجاعة، مشيرًا إلى أن المقطع يوثّق مشهدًا عفويًا من الحياة اليومية في غزة.
ووفقًا للعشي، فإن الأصوات التي تُسمع في الفيديو هي تكبيرات عيد الأضحى، من ترديد أطفال روضة "قدسنا" المجاورة لموقع التكية، وليست تعليمات موجهة لأشخاص أمام الكاميرا. كما أكد أنه يقيم بالقرب من المخيم، وأن المشهد لفت انتباهه فقام بتوثيقه، مضيفًا أن الروضة كانت قائمة في المكان نفسه قبل الحرب، وأعيد ترميمها وتشغيلها عقب هدنة يناير/كانون الثاني 2025، في ظل إصرار الأطفال وأهاليهم على مواصلة التعليم رغم المجاعة ونقص الإمكانيات.
وأشار العشي إلى أنه نشر الفيديو عبر حسابه على منصة إنستغرام في 4 يونيو/حزيران الفائت، مرفقًا بتوضيح نصّه: “تجمع عدد من المواطنين حول تكية غرب مدينة غزة للحصول على وجبة ساخنة، بينما ردد أطفال من روضة قريبة تكبيرات عيد الأضحى… رغم غياب مظاهر العيد، يبقى صوت الحياة حاضرًا في غزة”، وهو ما يناقض المزاعم التي روّجتها حسابات إسرائيلية وأخرى مؤيدة لإسرائيل في 23 ديسمبر الجاري، والتي مفادها أن المقطع يُظهر "حدث جوع مُصطنع" وتمثيلًا مقصودًا هدفه التلاعب بالرأي العام.
رغم تراجع المجاعة رسميًا مؤشرات سوء التغذية تتصاعد في قطاع غزة
في 19 ديسمبر الجاري، أعلنت الأمم المتحدة أن المجاعة في غزة لم تعد قائمة، إلا أن الغالبية العظمى من السكان ما تزال تواجه مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي. وأفادت الهيئة المشرفة على "التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي" (IPC)، بأن التحليل الأخير أظهر تحسنًا ملحوظًا في مؤشرات الأمن الغذائي والتغذية، عقب وقف إطلاق النار الذي أُقر في 10 أكتوبر/تشرين الأول الفائت.
ورغم هذا التحسن، أكدت الهيئة أن الوضع الإنساني لا يزال حرجًا، مشيرة إلى أن معظم سكان القطاع يواصلون مواجهة مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي، على الرغم من تحسن وصول الإمدادات الغذائية الإنسانية والتجارية. وأضافت أن أسوأ السيناريوهات، التي تشمل تجدد القتال وتوقف تدفق المساعدات الإنسانية والتجارية، قد تُصنّف كامل قطاع غزة في حالة طوارئ غذائية من المرحلة الرابعة إلى غاية منتصف إبريل/نيسان 2026، دون وجود مناطق مصنفة حاليًا في مرحلة المجاعة (المرحلة الخامسة).
ووفق توقعات التصنيف للفترة الممتدة من الأول ديمسبر الجاري إلى 15 إبريل 2026، فمن المرجح أن يبقى الوضع خطيرًا، مع استمرار معاناة نحو 1.6 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي عند مستوى الأزمة أو أسوأ، المرحلة الثالثة أو أعلى.
في المقابل، اعتبر الفرع الفرنسي لمنظمة "أوكسفام" أن المجاعة في غزة ما تزال عند مستويات مروعة كان بالإمكان تفاديها، مشيرًا إلى أن إسرائيل تسمح بدخول كميات محدودة جدًا من المساعدات، ولا تزال ترفض طلبات عشرات المنظمات الإنسانية المعترف بها. ويأتي هذا التقييم بعد أربعة أشهر من إعلان التصنيف أن أكثر من 514 ألف شخص، أي قرابة ربع سكان القطاع، كانوا يعانون المجاعة، محذرًا من أن الأوضاع الإنسانية في غزة ما تزال بالغة الخطورة.
مسبار: انتهاء المجاعة لا يعني نهاية سوء التغذية في غزة
كشف تقرير نشره مسبار في 22 ديسمبر الجاري، بالاستناد إلى تقارير أممية وبيانات رسمية ورصد ميداني، أن إعلان الأمم المتحدة انتهاء حالة المجاعة في قطاع غزة لا يعني انتهاء الأزمة الإنسانية هناك، وأن نحو 1.6 مليون شخص لا زالوا يعانون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي، فيما تتواصل مظاهر سوء التغذية، خاصة بين الأطفال والنساء الحوامل.
وأوضح مسبار أن تقرير التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC)، الصادر عن منظمات الأمم المتحدة (الفاو، اليونيسف، برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة الصحة العالمية)، أشار إلى تحسن نسبي في مؤشرات الأمن الغذائي عقب وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025، إلا أن التحسن يقتصر على تلبية الحد الأدنى من احتياجات البقاء، في ظل استمرار ضعف البنية التحتية والخدمات الأساسية، وبقاء أعداد كبيرة من السكان في ملاجئ مؤقتة غير آمنة.
وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية في غزة، سُجّلت إلى غاية أكتوبر الفائت 463 حالة وفاة نتيجة المجاعة وسوء التغذية، بينها 157 طفلًا. كما أظهرت بيانات حصل عليها مسبار أن مستشفيات القطاع ما تزال تستقبل مئات حالات سوء التغذية، إذ استقبل مجمع ناصر الطبي وحده 577 حالة بين 20 نوفمبر/تشرين الثاني الفائت و20 ديسمبر الجاري.
وأكد أطباء في القطاع، بينهم مدير مستشفى الأطفال في مجمع ناصر الطبي، لمسبار، أن سوء التغذية لا يزال منتشرًا نتيجة غياب أصناف غذائية أساسية، خصوصًا البروتينات، وارتفاع أسعار المتوفر منها بما يفوق قدرة غالبية السكان.
ورصد مسبار في أسواق غزة توفر بعض السلع الغذائية، لا سيما المجمدة والخضروات، إلا أنها تُباع بأسعار تفوق القدرة الشرائية للمواطنين، إذ بلغ سعر كيلوغرام اللحم المجمد نحو 50 شيكلًا، والدجاج المجمد 25 شيكلًا، وطبق البيض 30 شيكلًا، وهو ما يعمّق الأزمة المعيشية في ظل نقص السيولة النقدية، وفق تأكيدات برنامج الأغذية العالمي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أشار مسبار إلى بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني وسلطة النقد، التي أظهرت تدهورًا غير مسبوق في اقتصاد غزة خلال عام 2025، مع نسبة بطالة تجاوزت 77 في المئة، وانكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 84 في المئة مقارنة بعام 2023، وانهيار شبه كامل للقطاعات الإنتاجية، وارتفاع الأسعار بنسبة 22 في المئة.
ويخلص مسبار إلى أن إعلان انتهاء المجاعة لا يعني تعافي الأوضاع الإنسانية أو المعيشية في قطاع غزة، محذرًا من أن استمرار الحصار، وغلاء الأسعار، وضعف القدرة الشرائية، وتراجع الخدمات الأساسية، يبقي ملايين السكان عرضةً لسوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي خلال الفترة المقبلة.
اقرأ/ي أيضًا
استغلال حاجة السكان للمساعدات.. روابط وهمية ورسائل احتيال تستهدف أهالي غزة




























