ليس في مصر فقط.. سجل طويل من الاتهامات لشركة نستله حول العالم
في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ألقت قوات الأمن المصرية القبض على مدونين، بعد نشرهما مقطع فيديو قالا فيه إنهما أجريا تحليلًا لعبوات مياه معدنية، وأن النتائج أظهرت أن عبوة المياه من إحدى الشركات غير صالحة للاستهلاك، لاحتوائها على جزيئات صرف صحي.
ورغم أنّ الفيديو أخفى أسماء الشركات عبر استبدالها بأسماء أخرى قريبة من النطق من الأسماء الأصلية، إلا أن الجميع تمكّن من معرفة اسم الشركة صاحبة العبوة غير الصالحة للاستهلاك، وهي شركة نستله.
لاحقًا أُفرج عن المدونين بكفالة قدرها 50 ألف جنيه. أثار الحدث جدلًا واسعًا، وسرعان ما قاد إلى نقاش أوسع حول سلامة المنتجات الغذائية من شركة نستله، التي لم تكن تلك المرة الأولى التي تواجه فيها اتهامات متعلقة بسلامة منتجاتها.
في هذا التقرير ينقب مسبار في سجل الاتهامات الطويل الموجهة لشركة نستله ولمنتاجاتها وسياساتها.
اتهامات لنستله بالتلاعب في جودة المياه في فرنسا
قبل شهور قليلة من فيديو المدونين المصريين، وتحديدًا في يوليو/تموز 2025، داهمت السلطات الفرنسية مقرات شركة نستله للمياه، بعد اتهامات لها باستخدام تقنيات معالجة غير قانونية لمياهها المعدنية التي تُسوّق لها على أنها طبيعية، بينما اتضح أنّها في الواقع ملوثة.
وكانت لجنة تحقيق شُكّلت داخل مجلس الشيوخ الفرنسي، أصدرت تقريرًا في مايو/أيار 2025، اتهم مسؤولين حكوميين بالتواطؤ مع إدارة الشركة، في تمرير تقارير رسمية تُخفي حقيقة تلوث المياه المعبأة تحت أسماء علامات تجارية تابعة للشركة.
وأشار تقرير مجلس الشيوخ أيضًا إلى أنّ الشركة استخدمت أنظمة معالجة محظورة، لتتمكن من إخفاء تلوث مياهها التي يُفترض أنها نقية بشكل طبيعي، لافتًا إلى أن مسؤولين في الحكومة الفرنسية، بما في ذلك قصر الإليزيه، ربما كانوا متورطين بشكل وثيق في القضية، وعلى علم بالمخالفات التي تمارسها الشركة، وفق ما ورد في التقرير.
وتتمثل أنظمة المعالجة المحظورة في استخدام الأشعة فوق البنفسجية، أو مرشحات الكربون أو شبكات دقيقة للغاية تُستخدم لإعادة تصفية المياه من الملوثات والبكتيريا. وتكمن المشكلة هنا في أنّ الشركة باعت المياه على أنها مياه معدنية طبيعية، والتي ينص قانون الاتحاد الأوروبي على أن تُعبأ دون تغيير من مصدرها الجوفي. وبينما كانت العلامات التجارية لمياه نستله، تُحقق إيرادات بالمليارات تحت دعاية أنها مياه معدنية طبيعية، كان واقع الأمر أنّها مياه معالجة.
ورغم أنّ القضية تصاعدت في 2025، إلا أنها تعود إلى ما قبل ذلك بأكثر من 15 سنة، حين عمدت علامات تجارية للمياه المعبأة، تابعة لنستله في فرنسا، باستخدام معالجات محظورة للمياه، وبيعها رغم ذلك على أنها مياه معدنية نقية وغير معالجة بالمخالفة لقوانين الاتحاد الأوروبي.
وعلى ما يبدو، أطلعت نستله الحكومة الفرنسية في 2021 بهذه المخالفات. ولم تتخذ الحكومة الفرنسية أي إجراء حتى كشفته تحقيقات صحفية في 2024. وخلال تلك المدة، منذ بدأت الشركة مخالفاتها وحتى 2024 على الأقل، حققت مبيعات من وراء تلك المياه المعبأة المخالفة، تقدر بأكثر من ثلاثة مليارات دولار أميركي. وخلال الفترة ما بين 2022 و2025، وبحسب تقرير مجلس الشيوخ الفرنسي، فإن الاحتيال الذي مارسته نستله بتستر من الحكومة، حقق لها أرباحًا تقدر بـ500 مليون يورو.
في خطوة لاحقة، وتحت الضغط الصحفي والمجتمعي، اضطرت نستله إلى دفع غرامة مالية لتجنب اتخاذ إجراءات قانونية، بعد أن اعترفت باستخدام معالجات غير قانونية لمياه تُسوَّق كمعدنية طبيعية، ما يخالف القوانين الفرنسية والأوروبية التي تؤكد أن المياه المعدنية الطبيعية لا يجوز أن تُعالج بطرق تغير خصائصها الأساسية.
منتجات لنستله ملوثة في فرنسا
ارتبطت أزمة الاحتيال في تقارير جودة مياه نستله بأزمة أخرى، للمفارقة أنها ليست بعيدة عمّا ورد في فيديو المدونين المصريين، وهي أزمة تلوث مياه نستله.
وجدت الفحوصات التي أجريت على عينات مياه معبأة من إنتاج علامات تجارية تابعة لنستله، احتواءها على ملوثات متعددة: بكتيرية، ومايكرو بلاستيكية وأحيانًا كيميائية.
ورغم أن الشركة أتلفت في إبريل/نيسان 2024 قرابة ثلاثة ملايين زجاجة مياه معبأة بسبب تلوث بكتيري في بعض آبار المياه التي تستخدمها، إلا أنّ أزمات التلوث ظلت مستمرة بعد ذلك، إذ وجدت السلطات الفرنسية أن مئات آلاف عبوات مياه نستله تحتوي على بكتيريا معوية مرضية، ما أدى إلى احتجاز السلطات للعبوات خلال الفترة ما بين فبراير/شباط وإبريل/نيسان 2025.
وفي المنطقة نفسها التي قالت نستله عام 2024 إنها اكتشفت تلوثًا في آبار مياهها، منطقة جبال الفوج، أصدر مكتبي التنوع البيولوجي والجرائم البيئية، تقريرًا في أغسطس/آب 2025 عن رصد ملوثات من المايكرو بلاستيك في مياه إحدى علامات نستله التجارية.
لا تُعد مسألة تلوث مياه نستله أمرًا طارئًا، فبحسب وثيقة داخلية صادرة في يونيو/تموز 2022، اطلعت عليها وسائل إعلام فرنسية، رصدت الشركة نفسها مواد برازية في مياهها المعبأة أكثر من سبع مرات سنويًا.
تسويق لمنتجات غير صحية
بالإضافة إلى المياه المعبأة، لدى شركة نستله قائمة طويلة من المنتجات الغذائية التي تتصدر بها أسواق الغذاء العالمية، وعلى رأس تلك المنتجات حليب الأطفال البودري أو حليب الأم الصناعي
في السبعينيات انطلقت حملة مقاطعة ضد شركة نستله بعد ظهور تقارير تُفيد بأن شركة نستله استخدمت ما سمته "تسويق عدائي" للإيهام بأنّ حليب الأطفال أكثر صحة من حليب الأم الطبيعي. ركزت حملات نستله التسويقية على دول نامية وفقيرة، الأمر الذي زاد من مخاطر الحليب الصناعي الذي يحتاج إلى مزجه بالمياه والتي تكون في كثير من الأحيان، في تلك الدول، ملوثة.
في عام 1974 أصدرت منظمة "الحرب على الفقر" تقريرًا مطولًا في كتاب بعنوان "قاتل الأطفال"، والذي يُحاجج بأن شركات الحليب الصناعي وعلى رأسها نستله، تجاهلت في دعاياتها المكثفة السياقات المعيشية لعملائها في الدول الفقيرة، ما يجعل تداول الحليب الصناعي خطرًا مضاعفًا.
وتضمنت ممارسات التسويق التي وصفت بـ"العدائية" استئجار بائعات يرتدين ملابس ممرضات للترويج للحليب الصناعي عبر زيارة المنازل، للإيهام بأن المنتج موصى به صحيًا.
وبحسب دراسة صدرت في 2018 فإن الوفيات الناجمة عن استخدام حليب الأطفال الصناعي في 38 دولة من الدول النامية والفقيرة، خلال الفترة ما بين 1960 و2015 تقدر بـ10.9 مليون حالة وفاة بين الأطفال والرضع، بمعدل أكثر من 197 ألف حالة وفاة سنويًا، فيما بلغت ذروة الوفيات عام 1981 حين بلغ عدد الوفيات 212 ألفًا في السنة.
في الرسمين البيانيين التاليين يتضح تأثير دخول حليب نستله الصناعي على زيادة معدلات وفيات الرضع في المناطق محل الدراسة، حيث يُظهر الرسم الأول زيادة الوفيات في المناطق التي تحظى بمياه نظيفة، فيما يُظهر الرسم الثاني الوفيات في المناطق التي تعد مياهها ملوثة أو غير نظيفة. ويتضح من الرسمين أن الزيادة في مناطق المياه غير النظيفة متطردة مقارنة بمناطق المياه النظيفة.
"عمالة قسرية للأطفال" واتهامات أخرى
تُعد نستله واحدة من أكثر الشركات حول العالم التي تعرضت لاتهامات متعددة، والتي من بينها استغلال الأطفال للعمالة في دول أفريقية.
عام 2021، رفعت دعوى قضائية ضد نستله وغيرها من الشركات، من قبل ثمانية أشخاص من مالي، كانوا أطفالًا في التسعينيات عندما استغلتهم نستله، بحسب الدعوى، للعمل قسريًا في مزارع الكاكاو.
وبحسب وقائع الدعوى، نُقل الأطفال من مالي إلى ساحل العاج (كوت ديفوار) للعمل في مزرعة كاكاو، حيث أُجبروا على أداء أعمال قسرية طويلة دون أجر، وتحت تهديد وعنف.
رُفعت الدعوى في الولايات المتحدة الأميركية، وجاء حكم المحكمة العليا الأميركية في يونيو/حزيران 2021 بعدم الاختصاص كونها دعوى تتعلق بجريمة عابرة للحدود.
ورغم أن نستله تقول إنها تعمل جاهدة على مكافحة عمالة الأطفال في سلاسل توريد الكاكاو، إلا أنها ما تزال تعتمد بشكل كبير على كاكاو مزارع ساحل العاج الذي تقول التقديرات، مثل تلك الصادرة عن وزارة العدل الأميركية ومنظمات حقوقية، إن ما لا يقل عن مليون ونصف المليون طفل يعملون بها.
إلى جانب العمالة القسرية للأطفال، يطول سجل الانتهاكات المتهمة بها نستله ليشمل سوء الاستغلال البيئي، خاصة لمصادر المياه الجوفية، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا، حيث سُلط الضوء عبر احتجاجات ودعاوى قضائية ضد الشركة.
اقرأ/ي أيضًا
هل يحمل 10% من الأفارقة جنوب الصحراء في تونس فايروس الإيدز كما ادّعت جريدة الشروق؟
الإيدز في ليبيا.. هل لعيادات الأسنان والتجميل دور في زيادة العدوى بالفايروس؟



























