كيف يروّج نتنياهو لمزاعم مضللة تبرر جرائم المستوطنين في الضفة الغربية؟
عقد رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عقب زيارته الأخيرة إلى ولاية فلوريدا الأميركية ولقائه رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب، عددًا من اللقاءات الإعلامية مع وسائل إعلام أميركية. وخلال هذه اللقاءات، كرر نتنياهو جملة من المعلومات المضللة المتعلقة بقطاع غزة والأوضاع في الضفة الغربية.
ومن بين هذه اللقاءات، مقابلة أجراها مع قناة "نيوزماكس"، أعاد خلالها الترويج لسلسلة من المزاعم، من بينها ادعاءات الاغتصاب وقطع الرؤوس وحرق الأطفال، التي زعم وقوعها خلال تنفيذ فصائل المقاومة الفلسطينية عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهي مزاعم لم تُعرض بشأنها أدلة موثوقة أو قابلة للتحقق علنًا، كما نفتها عدة تحقيقات مستقلة، وكان مسبار قد فندها سابقًا بالاستناد إلى معطيات موثقة.
وفي لقاء آخر مع قناة "فوكس نيوز"، وخلال إجابته عن سؤال يتعلق بعنف المستوطنين في الضفة الغربية، زعم نتنياهو أن الحديث عن هذا العنف "مبالغ فيه"، معتبرًا أن من يقفون وراء هذه الاعتداءات هم "حفنة من الأطفال لا يتجاوز عددهم 70 طفلًا"، واصفًا إياهم بأنهم "مراهقون ينحدرون من أسر مفككة"، كما اختزل أفعالهم في "قطع أشجار الزيتون وأحيانًا محاولة حرق المنازل"، مع تأكيده في الوقت ذاته أنه "لا يقبل بهذه الأفعال".
يفند مسبار في المقال التالي مزاعم رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشأن جرائم المستوطنين وانتهاكاتهم في الضفة الغربية، والتي تعكس محاولة للتقليل من شأن ما يُرتكب بحق الفلسطينيين، وتظهر الأدلة والتقارير الموثوقة أن هجمات المستوطنين ليست أفعالًا معزولة، وإنما نمط ممنهج مدعوم مؤسسيًا، لا يقتصر على فئة عمرية أو اجتماعية بعينها، خلافًا لادعاء نتنياهو بأنها محصورة في "نحو 70 مراهقًا من أسر مفككة".
وفي السياق، يعرض مسبار معطيات موثقة تظهر تصاعد جرائم المستوطنين في الضفة الغربية، لا سيما منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، وازدياد خطورتها، واتساع نطاقها ليشمل القتل والاعتداءات والحرق وانتهاكات أخرى تتجاوز قطع أشجار الزيتون أو الهجمات على المنازل.
إحصاءات تكشف اتساع جرائم المستوطنين خلافًا لمزاعم نتنياهو
تتناقض البيانات الإحصائية الصادرة عن منظمات دولية وحقوقية مع مزاعم رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بأن المستوطنين المتورطين في الاعتداءات في الضفة الغربية هم "حفنة من الأطفال لا يتجاوز عددهم 70 طفلًا".
وتشير تقارير موثقة إلى ارتفاع مستمر في وتيرة هجمات المستوطنين، بما يدحض الادعاء بأنها صادرة عن "حفنة من الأطفال" أو أنها مجرد حوادث معزولة، فبحسب تقرير الاتحاد الأوروبي لعام 2024 حول المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، سُجل خلال عام 2023 ما مجموعه 1189 اعتداء نفذه مستوطنون، في حين ارتفع العدد خلال عام 2024 إلى 1420 اعتداء، وهو أعلى رقم يُسجّل منذ أن بدأت الأمم المتحدة توثيق هجمات المستوطنين عام 2006.
واستمر هذا التصاعد خلال عام 2025، إذ تشير بيانات أممية محدثة إلى تسجيل أكثر من 1770 هجومًا حتى ديسمبر/كانون الأول، بمعدل يقارب خمس هجمات يوميًا، وأسفرت عن سقوط ضحايا أو إلحاق أضرار مادية في أكثر من 270 تجمعًا سكانيًا في الضفة الغربية.
ديموغرافيا وخلفيات المستوطنين المهاجمين وتفنيد ادعاء "الأطفال المراهقين"
تفنّد العديد من التقارير الحقوقية والدولية مزاعم رئيس وزراء الاحتلال بأن المستوطنين المتورطين في ارتكاب جرائم في الضفة الغربية هم مجرد "أطفال مراهقين" أو "أطفال من أسر مفككة"، إذ تظهر هذه التقارير أن الفاعلين في هذه الاعتداءات لا يقتصرون على فئة عمرية محددة، وأن مستوطنين بالغين، إلى جانب منظمات استيطانية متطرفة، يضطلعون بدور مباشر في تنفيذها أو التحريض عليها ودعمها.
ويتعارض هذا الادعاء مع لجوء عدد من الدول إلى فرض عقوبات على مستوطنين بالغين ومنظمات متطرفة بسبب تورطهم في أعمال عنف في الضفة الغربية، ما يؤكد أن القائمين بهذه الاعتداءات لا يمكن اختزالهم في صورة "الأطفال".
وفي هذا السياق، فرضت الإدارة الأميركية السابقة عقوبات على عدد من المستوطنين المتورطين في هجمات في الضفة الغربية، شملت تجميد أصول ومنع دخول إلى الولايات المتحدة، وتعلقت بأفراد بالغين اتُّهموا بالتحريض والتخطيط وقيادة أعمال عنف ضد الفلسطينيين، بما في ذلك إحراق مركبات ومبانٍ والاعتداء الجسدي على مدنيين، ما أودى بحياة فلسطينيين في عدد من الحالات.
كما فرضت المملكة المتحدة عقوبات على أربعة مستوطنين إسرائيليين متطرفين على خلفية ارتكابهم انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في الضفة الغربية.
وفي الإطار نفسه، أصدرت أستراليا وبلجيكا وكندا والدنمارك والاتحاد الأوروبي وفنلندا وفرنسا وأيرلندا ولوكسمبورغ وهولندا والنرويج وإسبانيا والسويد وسويسرا والمملكة المتحدة بيانًا مشتركًا دعا الاحتلال إلى اتخاذ خطوات فورية وملموسة لمعالجة الارتفاع القياسي في عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات، ما يعزز الاستنتاج بأن مرتكبي هذا العنف فاعلون بالغون يعملون ضمن سياق أوسع من الإفلات من العقاب.
وإلى جانب الأفراد، أدرج مجلس الاتحاد الأوروبي منظمات استيطانية متورطة في العنف ضد الفلسطينيين، تقودها شخصيات بالغة، من بينها منظمتا "ليهافا" و"شباب التلال"، اللتان ثبت تورطهما في دعم وتمويل عنف المستوطنين في الضفة الغربية.
أدلة مصورة توثق اعتداءات المستوطنين
وتوثق العديد من مقاطع الفيديو والصور اعتداءات وهجمات عنيفة نفذها مستوطنون، يظهر في التسجيلات أن منفذيها أشخاص بالغون، سواء من خلال بنيتهم الجسدية، أو طريقة تحركهم، أو طبيعة الأفعال التي يرتكبونها، إضافة إلى حملهم واستخدامهم أسلحة نارية خلال تنفيذ هذه الاعتداءات.
ومن بين هذه التوثيقات، مقطع فيديو نشرته منظمة بتسيلم الحقوقية الإسرائيلية، يظهر مستوطنًا مسلحًا ببندقية يقتحم منزل إحدى العائلات الفلسطينية ويطلق النار على فلسطيني من مسافة قريبة، في قرية التواني بمسافر يطا جنوبي الخليل.
هجمات مسلحة واعتداءات تفند حصر جرائم المستوطنين بقطع أشجار الزيتون
على خلاف تصريحات رئيس وزراء الاحتلال، لا تقتصر جرائم المستوطنين في الضفة الغربية على قطع أشجار الزيتون أو تخريب الممتلكات، بل تشمل اعتداءات جسدية مباشرة، وهجمات مسلحة، وانتهاكات جسيمة بحق المدنيين الفلسطينيين، قتل خلالها المستوطنون فلسطينيين، إضافة إلى سرقة الممتلكات والمواشي، وفرض واقع قسري أدى إلى تهجير تجمعات فلسطينية من أراضيها.
وفي هذا السياق، وثقت تقارير أممية استخدام مستوطنين أسلحة نارية وذخيرة حيّة خلال هجماتهم على الفلسطينيين، قتل خلالها المستوطنون 17 فلسطينيًا خلال الفترة الممتدة بين السابع من أكتوبر 2023 والثالث من إبريل/نيسان 2024.
كما وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش، تورط مستوطنين في جرائم احتجاز واعتداء وتعذيب بحق مدنيين فلسطينيين، إضافة إلى انتهاكات جسدية خطيرة ذات طابع مهين.
ووفق توثيق منظمة بتسيلم الحقوقية الإسرائيلية، قتل المستوطنون 16 فلسطينيًا خلال عام 2023، و10 فلسطينيين خلال عام 2024، إضافة إلى 9 فلسطينيين خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، ما يعكس الطابع القاتل والمتصاعد لهذه الجرائم.

وتعزز هذه المعطيات مشاهد مصوّرة توثق اعتداءات نفذها مستوطنون باستخدام أسلحة نارية قاتلة، من بينها إطلاق مستوطن النار على شاب فلسطيني في قرية أم الخير بمسافر يطا جنوب الخليل، ما أودى بحياته.

غطاء أمني وعسكري ودعم سياسي ومؤسسي يفند ادعاء "الأسر المفككة"
يعكس تصريح رئيس وزراء الاحتلال الذي وصف فيه المستوطنين بأنهم نتاج "أسر مفككة" محاولة لتجاهل الغطاء السياسي والأمني والمؤسسي الذي يحظى به المستوطنون، وهو غطاء تشير تقارير حقوقية إلى أنه يسهم في استمرار ارتكابهم جرائم بحق الفلسطينيين، لا سيما في ظل غياب المحاسبة.
وفي هذا السياق، تظهر تقارير حقوقية فشل سلطات الاحتلال في إنفاذ القانون في ملفات جرائم المستوطنين ضد الفلسطينيين، ووفقًا لبيانات دراسة صادرة عن منظمة ييش دين الإسرائيلية، أُغلق 94% من أصل 1701 ملف تحقيق في جرائم مستوطنين ضد فلسطينيين دون تقديم لوائح اتهام، في حين لم تؤد سوى 3% من التحقيقات منذ عام 2005 إلى إدانة كاملة أو جزئية، ما يعكس نمطًا ممنهجًا من الإفلات من العقاب وتوفير حماية فعلية للمعتدين.
وتعزز هذه المعطيات تقارير إعلامية إسرائيلية حديثة أشارت إلى أن شرطة الاحتلال لم تعد تتعامل مع عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وذلك بناءً على توجيهات صادرة عن وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، ما أسهم عن غياب شبه كامل لتطبيق القانون في هذه الجرائم.
ولا يقتصر الغطاء على أجهزة الشرطة، إذ يتمتع المستوطنون أيضًا بغطاء عسكري يظهر في سلوك جنود جيش الاحتلال، الذين يتعمدون التأخر في التدخل أو الامتناع عنه رغم الخطر الذي يشكله المستوطنون على الفلسطينيين، بل حتى في الحالات التي يتدخلون فيها يكون ذلك لمنع الفلسطينيين من الدفاع عن أنفسهم عقب اعتداءات نفذها مستوطنون.
وفي السياق، وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش أكثر من 700 هجوم نفذه مستوطنون بين السابع من أكتوبر 2023 والثالث من إبريل 2024، وأشارت إلى أن جنودًا يرتدون الزي العسكري كانوا حاضرين في نحو نصف هذه الهجمات.
وتدعم تسجيلات مصوّرة وشهادات موثقة ارتكاب المستوطنين اعتداءات خطيرة بحق الفلسطينيين بحضور جنود من جيش الاحتلال، دون اتخاذ أي إجراء لمنع الجرائم.

ومن الأدلة الأخرى التي تفند مزاعم نتنياهو بأن اعتداءات المستوطنين أفعال صادرة عن "أطفال من أسر مفككة"، اتخاذ حكومة الاحتلال خطوات عملية لشرعنة بؤر استيطانية غير قانونية أنشأها مستوطنون ومنظمات استيطانية، وتحويلها إلى مستوطنات رسمية.
وفي السياق، استحدثت حكومة الاحتلال آلية جديدة لتجاوز الإجراءات القانونية، بهدف تمكين نحو 70 بؤرة استيطانية غير شرعية من الحصول على تمويل حكومي وبنية تحتية أساسية، تشمل المياه والكهرباء والطرق، دون استكمال مسار الشرعنة الرسمي.
وأصدر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش تعليمات للوزارات الحكومية ببدء تمويل هذه البؤر، ما يثبت أن الدعم المالي واللوجستي لأنشطة المستوطنين، بما في ذلك العنف المرتبط بها، يمثل قرارًا حكوميًا مركزيًا، وليس أفعالًا عابرة أو فردية يقوم بها "أطفال".
النتائج والتأثير الميداني لجرائم المستوطنين
على عكس تصريحات رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، التي يسعى من خلالها إلى التقليل من شأن التقارير المتعلقة بجرائم المستوطنين، ومحاولة اختزالها في حوادث محدودة كقطع أشجار الزيتون أو تخريب الممتلكات، تظهر الوقائع الميدانية، ولا سيما خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 ونهاية 2025، أن عنف المستوطنين بات أداة ممنهجة تُستخدم إسرائيليًا لتحقيق أهداف التوسع الاستيطاني وفرض التهجير القسري على الفلسطينيين.
وتكشف الأرقام والبيانات الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية، من بينها بتسيلم والسلام الآن، حجم الآثار الإنسانية والسياسية المترتبة على هذا العنف المنهجي.
ونتيجة لهذه الاعتداءات، بلغ العدد الموثق للفلسطينيين الذين قُتلوا على يد مستوطنين وحدهم بين عامي 2023 و2025 ما لا يقل عن 34 فلسطينيًا، ما يؤكد أن هذه الجرائم لا تندرج ضمن أعمال تخريب معزولة، بل تشمل هجمات مسلحة مميتة.
وإلى جانب ذلك، أسهمت جرائم المستوطنين، مقترنة بالقيود المفروضة على الوصول إلى الأراضي، في تهجير أكثر من 700 أسرة فلسطينية تضم نحو 3,900 فرد، في مؤشر واضح على الأثر الديموغرافي المباشر لهذه الهجمات.
كما صادرت سلطات الاحتلال خلال عام 2024 وحده ما مجموعه 24,258 دونمًا من الأراضي، في سياق يعكس الارتباط المباشر بين عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني المدعوم حكوميًا، لا سيما مع شرعنة خمس مستوطنات بشكل رسمي خلال الفترة نفسها.
ولا تقتصر آثار عنف المستوطنين على الخسائر المادية والبشرية التي يمكن توثيقها، بل تمتد إلى الأبعاد النفسية والاجتماعية، إذ يخلف العنف المتكرر، خاصة عندما يُمارس أمام الأطفال أو ضدهم، آثارًا نفسية عميقة، إلى جانب تهديد سبل عيش المجتمعات الزراعية والرعوية عبر تدمير المحاصيل وسرقة الماشية.
اقرأ/ي أيضًا
































