سياسة

ماذا يعني نقل ملف مخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء إلى مؤسسة تمكين؟

أريج أبو زهريأريج أبو زهري
date
١٧ رجب ١٤٤٧ هـ
آخر تعديل
date
٤:٤٨ ص
١٨ رجب ١٤٤٧ هـ
ماذا يعني نقل ملف مخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء إلى مؤسسة تمكين؟
أبعاد نفسية واجتماعية واقتصادية لقطع مخصصات الأسرى والجرحى | مسبار

أثارت التغييرات الإدارية والمالية التي أُقرت عام 2025 على نظام صرف مخصصات الأسرى الفلسطينيين والجرحى وعائلات الشهداء جدلًا واسعًا في الساحة الفلسطينية، عقب قرار نقل إدارة هذه المخصصات من الأطر الرسمية التي كانت تشرف عليها إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي "تمكين"، وما رافق ذلك من إلغاء النظام القانوني السابق الذي كان ينظم آليات الصرف والاستحقاق.

وأثار هذا القرار موجة من الانتقادات والاحتجاجات، لا سيما بين عائلات الشهداء والأسرى والجرحى، التي اعتبرت القرار مساسًا بطبيعة هذه المخصصات بوصفها استحقاقًا وطنيًا، وتحويلها من إطارها السياسي والحقوقي إلى برامج مساعدات اجتماعية مشروطة.

يقدّم "مسبار" في هذا المقال قراءة توضيحية لملف مخصصات الأسرى الفلسطينيين والجرحى وعائلات الشهداء، من خلال استعراض خلفيتها القانونية، وآليات إدارتها السابقة، وأبرز التحولات التي طرأت عليها بعد نقلها إلى مؤسسة تمكين، وانعكاسات ذلك على الفئات المستفيدة.

ما هي مخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء الفلسطينيين؟

تُعد المخصصات المالية التي تصرفها السلطة الفلسطينية إحدى الآليات التي اعتمدت تاريخيًا لدعم فئات فلسطينية تضررت بشكل مباشر من سياسات الاحتلال الإسرائيلي، وتشمل الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، والأسرى المحررين، إضافة إلى الجرحى وعائلات الشهداء.

منذ تأسيسها، تولت هيئة شؤون الأسرى والمحررين ملف الأسرى والأسرى المحررين تحديدًا، باعتبارهم فئة استُهدفت بالاعتقال على خلفية مقاومة الاحتلال، في حين أُديرت مخصصات عائلات الشهداء والجرحى عبر مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى، التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية.

وتعود نشأة وزارة شؤون الأسرى والمحررين إلى عام 1998، بمرسوم رئاسي من الرئيس الفلسطيني السابق ياسر عرفات، لتكون جهة رسمية مختصة بمتابعة شؤون الأسرى الذين اعتقلتهم قوات الاحتلال الإسرائيلي على خلفية نشاطهم الوطني.

وفي 29 مايو/أيار 2014، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسومًا رئاسيًا قضى بتحويل وزارة شؤون الأسرى والمحررين إلى هيئة شؤون الأسرى والمحررين، تتبع منظمة التحرير الفلسطينية، في خطوة جاءت في سياق ضغوط سياسية إسرائيلية ودولية استهدفت ملف مخصصات الأسرى، وبذريعة اتهام السلطة الفلسطينية، في الخطاب الإسرائيلي، بدفع أموال لفلسطينيين متهمين بقتل إسرائيليين.

 هيئة شؤون الأسرى والمحررين

وعلى المستوى القانوني أُقر قانون الأسرى والمحررين رقم (19) لسنة 2004، الذي نظم صرف رواتب شهرية للأسرى وذويهم، ثم حدد مجلس الوزراء عام 2010 آليات الصرف وشروطه، بربط قيمة المخصصات بعدد سنوات الاعتقال ومراعاة الوضع الاجتماعي للعائلة. وفي عام 2013، عُدل القانون لمنح الأسرى المحررين أولوية في التوظيف العام.

الضغوط الدولية والإسرائيلية على مخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء الفلسطينيين

على مدى سنوات، شكلت مخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء الفلسطينيين ملفًا خاضعًا لضغوط إسرائيلية وأميركية متواصلة، ارتبطت بمحاولات التأثير على آليات صرفها وطبيعتها القانونية.

ومنذ عام 2018، صعدت الحكومات الإسرائيلية إجراءاتها لوقف هذه المخصصات، ووصفتها في خطابها الرسمي والإعلامي بمصطلح "الدفع مقابل القتل"، كما بدأت باقتطاع مبالغ من أموال المقاصة الفلسطينية، في خطوة استُخدمت كأداة ضغط مرتبطة باستمرار صرف هذه المخصصات، ومنذ عام 2019، تحولت هذه الاقتطاعات إلى سياسة ثابتة، رغم أن استخدام أموال المقاصة كأداة ضغط سبق هذا التاريخ بسنوات.

وفي عام 2018، أقر الكنيست الإسرائيلي قانونًا يتيح خصم مبالغ من أموال الضرائب الفلسطينية تعادل قيمة المخصصات التي تصرفها السلطة الفلسطينية للأسرى والأسرى المحررين وعائلات الشهداء.

في عام 2018، صادق الكنيست على قانون يقضي بتجميد جزء من أموال الضرائب الفلسطينية

كما أصدر الكونغرس الأميركي، في العام ذاته، قانونًا يربط تقديم المساعدات الاقتصادية الأميركية للسلطة الفلسطينية بوقف صرف هذه المخصصات، ما انعكس على حجم الدعم المالي المقدم لها.

وفي عام 2019، طُرحت مقترحات أوروبية لتحويل مخصصات الأسرى وعائلات الشهداء إلى إطار الشؤون الاجتماعية، وهي مقترحات لم تُنفذ في حينه.

ولاحقًا، وفي عام 2021، جرى صرف مخصصات الأسرى عبر مكاتب البريد الفلسطيني، بعد إغلاق آلاف الحسابات المصرفية بقرارات إسرائيلية، وصدور ترتيبات إدارية شملت دمج عدد من الأسرى في مؤسسات مدنية أو إحالتهم إلى التقاعد المالي.

ومع الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، وتصاعد النقاشات الدولية حول المرحلة اللاحقة، أشار مسؤولون أميركيون عام 2024 إلى وجود مساع للتوصل إلى تفاهمات تتعلق بإنهاء هذه المخصصات، وفي أغسطس من العام ذاته، نقلت مصادر إسرائيلية أن الاتحاد الأوروبي ربط تحويل مساعدات مالية أوروبية بوقف صرفها.

ورغم التغييرات التي أُعلن عنها لاحقًا في آلية إدارة الملف، واصلت حكومة الاحتلال احتجاز عائدات الضرائب الفلسطينية، مبررة ذلك باتهامات تتعلق باستمرار صرف هذه المخصصات بصيغ مختلفة.

كيف كان نظام صرف مخصصات الأسرى الفلسطينيين قبل تغييرات 2025؟

نُظّم صرف مخصصات الأسرى الفلسطينيين والأسرى المحررين ضمن أنظمة وقوانين ولوائح أقرتها السلطة الفلسطينية، وحددت بموجبها آليات الاستفادة وقيمة المخصصات، استنادًا إلى مجموعة من المعايير، أبرزها الحالة الاجتماعية للأسير وعدد سنوات الاعتقال.

وبحسب هذه الأنظمة المعمول بها منذ عام 2010، كانت رواتب الأسرى تبدأ من الحد الأدنى للأجور المعتمد لدى السلطة الفلسطينية، والذي يبلغ نحو 500 دولار، ويرتبط الراتب الأساسي بجدول غلاء المعيشة. كما شملت الامتيازات إعفاءات من رسوم التعليم المدرسي والجامعي، ورسوم الدورات التأهيلية.

أما المخصصات الدائمة، فكانت تُحتسب وفق نظام يربط عدد سنوات الاعتقال بدرجات وظيفية مدنية أو رتب عسكرية معتمدة في المؤسسات الرسمية. ووفق هذا النظام، كان الأسير الذي أمضى فترة اعتقال تتراوح بين خمس وسبع سنوات يتقاضى مخصصًا يعادل راتب رئيس قسم أو ملازم، تُحوّل قيمته إلى حسابه الشخصي أو إلى حساب من يوكله قانونيًا، مع إضافة مبالغ محددة عن كل ابن أو ابنة.

وإلى جانب الراتب الشهري، كان يُصرف لكل أسير منحة مالية عند الإفراج عنه، إذ يحصل من قضى أقل من عام في سجون الاحتلال على مبلغ قدره 500 دولار، وترتفع قيمة المنحة تدريجيًا تبعًا لمدة الاعتقال، لتصل إلى سقف أعلى لمن أمضوا فترات اعتقال طويلة، وقد بلغت في بعض الحالات نحو 10 آلاف دولار لمن تجاوزت مدة اعتقالهم 25 عامًا.

رواتب الأسرى تبدأ من الحد الأدنى للأجور المعتمد لدى السلطة الفلسطينية

وكانت الجهة الرسمية المسؤولة عن صرف الرواتب والمخصصات المالية للأسرى الفلسطينيين والأسرى المحررين هي وزارة شؤون الأسرى والمحررين، وذلك استنادًا إلى قرار مجلس الوزراء لسنة 2010 بشأن نظام صرف راتب شهري للأسير، في حين أُديرت مخصصات الجرحى وعائلات الشهداء عبر مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى.

وفي عام 2021، شرعت السلطة الفلسطينية في صرف مخصصات الأسرى والأسرى المحررين عبر مكاتب البريد الفلسطيني، عقب إغلاق آلاف الحسابات المصرفية الخاصة بهم في البنوك العاملة داخل الأراضي الفلسطينية، نتيجة قرارات إسرائيلية حظرت التعامل مع رواتب الأسرى.

في عام 2021، شرعت السلطة الفلسطينية في صرف رواتب الأسرى والأسرى المحررين والجرحى وعائلات الضحايا، عبر مكاتب البريد الفلسطيني

تحويل إدارة مخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء إلى مؤسسة تمكين

في 10 فبراير/شباط 2025، أصدر الرئيس محمود عباس مرسومًا رئاسيًا يقضي بنقل صلاحية صرف مخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء إلى مؤسسة تمكين، مع إلغاء المواد الواردة في القوانين والأنظمة السابقة التي كانت تنظّم آلية صرف المخصصات.

وجاء القرار في سياق تغييرات إدارية ومالية شملت ملف المخصصات، بعد سنوات من الضغوط الإسرائيلية والدولية المرتبطة به.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلنت مؤسسة تمكين أنها لا تقوم، ولن تقوم، بصرف أي دفعات مالية لعائلات الأسرى أو الشهداء أو الجرحى استنادًا إلى التشريعات السابقة، مؤكدة أن جميع المخصصات الاجتماعية تُصرف حصرًا وفق نظام البحث الاجتماعي الموحد، المبني على معيار الاحتياج الاجتماعي فقط، دون اعتبار للصفة أو الخلفية السياسية أو الأمنية.

وبعد انتقال ملف المخصصات إلى مؤسسة تمكين، أُلغي النظام السابق الذي كان يعتمد على عدد سنوات الاعتقال أو الحالة الخاصة في تحديد قيمة المخصصات، وجرت إحالة تحديد أهلية الاستفادة إلى معايير البحث الاجتماعي.
وأكدت المؤسسة في بياناتها أن نظام الصرف المعمول به سابقًا لم يعد معتمدًا، وأن المعايير الجديدة تشكّل الأساس الوحيد لمنح الدعم للمستفيدين.

وتُعد مؤسسة تمكين مؤسسة أهلية تأسست عام 2019 بمرسوم رئاسي، وتهدف، وفق ما تصرّح به، إلى مكافحة الفقر في الأرض الفلسطينية المحتلة عبر برامج التمكين الاقتصادي للعائلات الفقيرة، وتحسين أوضاعها المعيشية، وتمكينها من تحقيق الاكتفاء الذاتي، كما تسعى إلى الإسهام في تنمية الاقتصاد الفلسطيني، وخفض معدلات البطالة، وتوفير الأمن الاقتصادي للعائلات المحتاجة، إضافة إلى دعم وتعزيز دور المرأة في المجتمع.

خدمات مؤسسة تمكين

الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية لقطع مخصصات الأسرى والجرحى

يحمل قرار وقف أو تقليص مخصصات الأسرى والجرحى وعائلات الشهداء آثارًا تتجاوز البعد المالي المباشر، لتشمل أبعادًا نفسية واجتماعية واقتصادية تمس هذه الفئات بشكل مباشر.

فعلى مدار سنوات، لم تُنظر إلى هذه المخصصات باعتبارها دعمًا ماديًا فحسب، بل شكلت أيضًا أداة رمزية للاعتراف بمكانة الأسرى وذويهم بوصفهم جزءًا من ذاكرة التضحية والمقاومة الوطنية، وأسهمت في ترسيخ حضورهم داخل البنية الرمزية للمجتمع الفلسطيني.

وعلى المستوى الاجتماعي، حافظ نظام المخصصات السابق على موقع الأسرى وعائلاتهم ضمن الذاكرة الجماعية، باعتبارهم جزءًا من النسيج الوطني الجامع. في المقابل، فإن التحول من رواتب ثابتة إلى مساعدات اجتماعية مشروطة يعيد تصنيف هذه الفئات من أصحاب استحقاق مرتبط بالخلفية النضالية أو الإصابة إلى مستفيدين من برامج إغاثية، ما قد يؤدي إلى تراجع مكانتهم الاجتماعية وظهور أشكال من العزلة أو الوصم.

أما اقتصاديًا، فقد شكلت هذه المخصصات مصدر دخل شبه ثابت لآلاف العائلات التي فقدت معيلها أو تضررت قدرتها على العمل نتيجة انتهاكات الاحتلال، في ظل معدلات بطالة مرتفعة وأوضاع معيشية هشة، ما يجعل تقليصها أو إخضاعها لشروط اجتماعية صارمة مساسًا مباشرًا باستقرارها المالي.

وفي هذا السياق، يعبر عدد من الجرحى عن تمسكهم باعتبار قضيتهم قضية وطنية، معتبرين أن التعامل معها كملف اجتماعي لا يعكس طبيعة ما تعرضوا له من إصابات، كما يشيرون إلى حاجتهم المستمرة لتغطية نفقات يومية أساسية لإعالة عائلاتهم، ويرون أن نقل ملفاتهم إلى مؤسسة تمكين يعيد تصنيفهم من أصحاب استحقاق مرتبط بالإصابة إلى حالات اجتماعية خاضعة لمعايير المساعدة.

الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية لقطع مخصصات الأسرى والجرحى

اقرأ/ي أيضًا

كيف تستخدم إسرائيل أموال المقاصة لفرض السيطرة على الاقتصاد الفلسطيني؟

بتغطية متحيزة: صحف بريطانية تصور الأسرى الفلسطينيين المفرج عنهم كتهديد أمني للسياح

المصادر

كلمات مفتاحية

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar