أخبار

هل رفعت تونس في قيمة المنحة العائلية بمبلغ 60 مليمًا فقط بعد 29 عامًا على تجميدها؟

ماجدة عمدونيماجدة عمدوني
date
١٨ رجب ١٤٤٧ هـ
آخر تعديل
date
٤:٣٩ ص
٢٢ رجب ١٤٤٧ هـ
هل رفعت تونس في قيمة المنحة العائلية بمبلغ 60 مليمًا فقط بعد 29 عامًا على تجميدها؟
لم تتطابق الأرقام في الادعاء مع المعطيات الرسمية حول الزيادة في المنحة | مسبار

يتداول مستخدمون على مواقع التواصل الاجتماعي، حديثًا، ادعاءً مفاده أن الدولة التونسية قررت، بعد 29 سنة من "الدراسات المعمّقة"، المصادقة على ترفيع محدود في قيمة المنحة العائلية بـ60 مليمًا فقط، لترتفع من 180 مليمًا إلى 240 مليمًا في اليوم، وذلك بذريعة مجابهة غلاء المعيشة لدى الفئات الفقيرة.

ويزعم الادعاء أن هذه المنحة أُحدثت سنة 1918 وبقيت دون زيادات تُذكر، وجُمّدت منذ سنة 1996 قبل هذا الترفيع الأخير.

المصادقة على ترفيع محدود في قيمة المنحة العائلية بـ60 مليمًا فقط
ادعاء بأن تونس صادقت على ترفيع محدود في قيمة المنحة العائلية بـ60 مليمًا فقط

بالبحث وجد "مسبار" أن الادعاء لا يستند إلى أي مرجع رسمي تونسي، سواءً من حيث قيمة المنحة، أو طريقة احتسابها، أو تاريخ إحداثها، أو القول بتجميدها لعقود، وذلك بعد مراجعة قوانين المالية للسنوات الأخيرة والوثائق التفسيرية المرافقة لها.

في هذا المقال يستعرض مسبار الأرقام الرسمية عبر الرجوع إلى الأطر التشريعية والبيانات الحكومية والجريدة الرسمية ووزارة الشؤون الاجتماعية والصناديق الاجتماعية، للتحقق من دقة هذه المعلومات.

المنح الاجتماعية في تونس: الإطار القانوني الرسمي

شهد نظام الحماية الاجتماعية في تونس إصلاحًا جذريًا بإصدار القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2019 المؤرخ في 30 يناير/كانون الثاني 2019 والمتعلق بإحداث برنامج الأمان الاجتماعي.

وحسب ما أفاد به الخبير في الحماية الاجتماعية بدر الدين السماوي، يهدف هذا القانون إلى النهوض بالفئات الفقيرة ومحدودة الدخل من خلال ضمان حدّ أدنى من الدخل وتمكينها من الوصول إلى الخدمات الأساسية.

 القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2019 المؤرخ في 30 يناير/كانون الثاني 2019 والمتعلق بإحداث برنامج الأمان الاجتماعي.
 القانون الأساسي عدد 10 لسنة 2019 المؤرخ في 30 يناير/كانون الثاني 2019 والمتعلق بإحداث برنامج الأمان الاجتماعي في تونس.

وتُؤكد أحكامه مسؤولية الدولة في التوقّي من الفقر والحدّ منه ومنع توارثه بين الأجيال.

كما وجد مسبار أنّ القانون ذاته ينص على اعتماد تحويلات نقدية مباشرة شهرية لفائدة الأسر الفقيرة ومحدودة الدخل، بقيمة 200 دينار بقرار مشترك من وزيري الشؤون الاجتماعية والمالية أي لا وجود لمنح تُحتسب بالملّيم اليومي ضمن الإطار الحديث.

القوانين المكمّلة والزيادات الأخيرة بعد 2019

بعد سنّ قانون 2019، صدرت نصوص ترتيبية تُفعّل البرنامج وتحدد مبالغ المنح بدقة، وكانت جميعها بالدينار وليس بالملّيم.

وبالعودة إلى معطيات الموقع الرسمي لوزارة الشؤون الاجتماعية نجد أن أقل منحة جديدة أقرتها الدولة التونسية تأتي ضمن قرار المشترك لوزير الشؤون الاجتماعية ووزير المالية المؤرخ في 19 مايو/أيار 2020، ويتعلق بضبط طريقة احتساب ومقدار التحويلات المالية المباشرة لفائدة الفئات الفقيرة المنتفعة ببرنامج "الأمان الاجتماعي" وتبلغ 10 دنانير شهريًا للطفل كمنحة إضافية للعائلات الفقيرة، وتصل إلى 20 دينارًا شهريًا للطفل من ذوي الإعاقة أي تتضاعف قيمة منحة الطفل إذا كان معاقًا.

كما تم إقرار 30 دينارًا شهريًا للطفل دون 6 سنوات ضمن التوسعات الأخيرة للبرنامج وفقا للمرسوم عدد 08 لسنة 2022 المؤرخ في 31 يناير 2022، المتعلق بإحداث منحة عائلية بعنوان الأطفال الذين لم يبلغ سنهم 6 سنوات.

قرار 30 دينارًا شهريًا للطفل دون 6 سنوات ضمن التوسعات الأخيرة للبرنامج وفقا للمرسوم عدد 08 لسنة 2022
إقرار مبلغ 30 دينارًا شهريًا للطفل دون 6 سنوات ضمن التوسعات الأخيرة للبرنامج وفقا للمرسوم عدد 08 لسنة 2022

وبالمقارنة، نجد أن هذه المنح 10 أو 20 أو 30 دينارًا تزيد بنحو 500، ضعف عن الزيادة المزعومة 60 مليمًا.

وتندرج هذه المساعدات ضمن برنامج الأمان الاجتماعي الحديث، ولا صلة لها بمنحة قديمة تعود لبدايات القرن العشرين.

وفي أواخر سنة 2025، صدر أمر حكومي عدد 426 لسنة 2025 مؤرخ في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2025، يقضي بإسناد منحة عائلية للأطفال بين 6 و18 سنة بقيمة 30 دينارًا شهريًا (10 دولار) لكل طفل في كفالة الأسرة الفقيرة أو محدودة الدخل، وقد انطلقت وزارة الشؤون الاجتماعية في صرف هذه المنح بداية من ديسمبر/كانون الأول 2025.

ووصل المبلغ الجملي للمنحة 260 دينارًا (حوالي 90 دولارًا أميركيًّا) في ديسمبر 2025.

المنحة العائلية مقابل التحويلات النقدية المباشرة

أكد الخبير في الحماية الاجتماعية، بدر الدين السماوي، في حديث لمسبار، أن الادعاء يخلط بين نوعين من المنح الاجتماعية في تونس وهما المنحة العائلية التي تصرف للأُجراء في نطاق أنظمة الضمان الاجتماعي مثل (CNSS)، ومنحة العائلات الفقيرة ومحدودة الدخل، التي تصرف كتحويل مالي مباشر للأسر الفقيرة في إطار برنامج الأمان الاجتماعي.

وفيما يخص منحة العائلات الفقيرة ومحدودة الدخل والتي تندرج تحت برنامج الأمان الاجتماعي، فهي تعد منحة شهرية قارة تصرف للأسر التي دون دخل أو ذات دخل محدود جدًا حيث يقل عن حد معين مرتبط بالأجر الأدنى المضمون "SMIG".

وابتداءً من يناير 2025، تم الترفيع في المبلغ الأساسي للمنحة القارة كما ذكرنا سابقُا إلى 260 دينار شهريًا لكل عائلة مفقرة، تنتفع بها حوالي 400 ألف عائلة تونسية، وفق ما أكده وزير الشؤون الاجتماعية.

وأضاف وزير الشؤون الاجتماعية خلال مناقشة ميزانية 2026، أن الدولة التونسية تتجه نحو الترفيع في هذه المنحة سنة 2026 لتبلغ 280 دينار (حوالي 96 دولارًا).

أما المنح العائلية في نظام الضمان الاجتماعي (CNSS) للأُجراء فهذه المنح مموّلة من الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وتصرف للعاملين في القطاعين الخاص والعام الخاضعين للصندوق عن أبنائهم، وهي محددة في القانون عدد 30 لسنة  1960 والفصول المعدّلة له.

وحاليًا يبلغ السقف المعتمد للأجر الفصلي 122 دينارًا (حوالي 42 دولارًا)، وهو  مبلغ قديم لم يقع تحيينه منذ عقود.

وتُحتسب المنحة العائلية بـ18% للطفل الأول ما يعادلها بحد أقصى 21 دينارًا و960 مليمًا لكل ثلاثة أشهر، أي حوالي 7 دينارات و32 مليمًا شهريًا و16% للطفل الثاني كحد أقصى بـ19 دينارًا و520 مليمًا كل ثلاثة أشهر و 14% للطفل الثالث كحد أقصى بـ17 دينارًا و080 مليمًا كل ثلاثة أشهر.

واعتبر السماوي أن هذه القيم منخفضة وتعكس كونها لم تُراجع منذ زمن بعيد ضمن نظام الضمان الاجتماعي.

إضافة إلى ذلك، يتمتع الأجير الـمُعيل الوحيد للأسرة أي الذي زوجته/زوجه غير مشتغل بما يُعرف بمنحة الأجر الوحيد وهي زيادة شهرية على المنح العائلية قدرها 3 دينارات و125 مليمًا عن طفل واحد، و 6 دينارات و250 مليمًا عن طفلين، و7 دنانير و825 مليمًا عن ثلاثة أطفال أو أكثر.

وتُصرف هذه الزيادة كل ثلاثة أشهر مع المنح العائلية، مما يجعل قيمتها الفصلية 9 دنانير و375 مليمًا للأسرة بطفل واحد وتصعد إلى 23 دينارًا و475 مليمًا للأسرة بثلاثة أطفال.

الخط الزمني للزيادة المزعومة  "بعد 29 سنة "

يدّعي المنشور المتداول أن هذه "الزيادة" جاءت بعد 29 سنة من الانتظار أي منذ 1996، وبالعودة إلى تشريعات هذه السنة نجد أنه لم تكن هناك "دراسة واحدة مستمرة" طوال هذه المدة، بل كانت هناك منظومة مختلفة تمامًا للمساعدات وهي البرنامج الوطني لإعانة العائلات المعوزة (PNAFN) الذي أُنشئ سنة 1986 .

وذكر السماوي أنه خلال تسعينيات القرن الفائت وبدايات الألفية، كان مقدار المساعدات في إطار البرنامج محدودًا ويُصرف كل ثلاثة أشهر وقد شهد بعض الترفيع من حين لآخر لكنه لم يواكب التضخم بالشكل الكافي.

أما المسار الإصلاحي الحالي فقد انطلق فعليًا بعد سنة 2011 ضمن توجه اجتماعي جديد، وتوّج بصدور قانون 2019 المشار إليه الذي أحدث برنامج الأمان الاجتماعي، أي أن إعداد الأرضية التشريعية وتنفيذها استغرق أقل من عقد من الزمن، وليس قرابة ثلاثة عقود كما يوحي الادعاء.

وقد شهدت تلك الفترة تحسينات كبيرة مثل إنشاء السجل الاجتماعي الموحد المتمثل في سجل الأمان الاجتماعي والانتقال إلى التحويلات الإلكترونية المباشرة، مما أضفى شفافية أعلى في إيصال الدعم لمستحقيه.

المساعدات الموسمية والظرفية المضاعفة للدعم

إلى جانب المنح القارة الشهرية، توفر الدولة التونسية حزمة من المساعدات الظرفية والموسمية التي ترفع إجمالي ما تتحصل عليه الأسرة المعوزة على مدار العام.

الدولة التونسية حزمة من المساعدات الظرفية والموسمية
حزمة من المساعدات الظرفية والموسمية توفرها الدولة التونسية

ومن بين هذه المساعدات، منح العودة المدرسية والجامعية و تصرف قبل كل سنة دراسية لمساعدة الأسر الفقيرة على مجابهة مصاريف الأدوات المدرسية والكتب.

وقد بلغت قيمة هذه المنحة 50 دينارًا (17 دولارًا) لكل تلميذ من أبناء العائلات الفقيرة في السنوات الفائتة، وتم الترفيع فيها إلى 100دينار (34 دولارًا) لكل تلميذ فقير في العودة المدرسية 2025/2024 وفق بلاغات الوزارة، إضافة إلى 120 دينارًا (40 دولارًا) لكل طالب جامعي فقير في نفس المناسبة.

 كما تخصص الوزارة مبالغ لدعم اشتراكات النقل المدرسي والجامعي لفائدة أبناء الأسر الفقيرة ومحدودة الدخل. كذلك، وجد مسبار أن الدولة اعتادت أيضًا صرف إعانات إضافية في المواسم مثل شهر رمضان وعيد الأضحى.

انتقادات مستمرة حول ضعف المنح

رغم التحسينات الملحوظة في السنوات الأخيرة، فإن نقاش كفاية المنح الاجتماعية يبقى مطروحًا، ويرى السماوي في هذا السياق أن مبالغ المنح وخاصة المنحة القارّة بـ260 دينار حاليًا، ما زالت محدودة إذا ما قورنت بكلفة المعيشة الحقيقية.

وتشير دراسة لمؤشر تكلفة المعيشة لعام 2025، المنشورة من قبل موقع Numbeo المتخصص في بيانات المعيشة عالميًا، إلى أن تكلفة المعيشة لعائلة تونسية من أربعة أفراد تصل إلى حوالي 5458 دينارًا شهريًا (أكثر من 1800 دولار)، دون احتساب الإيجار، فيما يحتاج الفرد الواحد إلى نحو 1481 دينارًا شهريًا تقريبًا (500 دولار)، لتغطية نفقات أساسية، ما يعكس ضغوطًا مالية عالية تواجه الأسر التونسية في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات.

دراسة لمؤشر تكلفة المعيشة لعام 2025، المنشورة من قبل موقع Numbeo 
دراسة لمؤشر تكلفة المعيشة لعام 2025، المنشورة من قبل موقع Numbeo 

هذا وأظهرت دراسة مشتركة بين منظمة اليونيسف ومركز البحوث والدراسات الاجتماعية ووزارة الشؤون الاجتماعية أن نحو 26% من إجمالي 3.4 مليون طفل في تونس يعيشون تحت خط الفقر، مع تفاوت واضح بين المناطق الحضرية والريفية لصالح الأخير.

وتشير بيانات المعهد الوطني للإحصاء التونسي (INS) إلى أن معدل التضخم السنوي عند الاستهلاك العائلي ما زال في مستويات مرتفعة رغم بعض التحسن، مما يؤثر مباشرة على تكلفة السلع الأساسية والخدمات اليومية للأسر.

كما تسجل مؤشرات البطالة ارتفاعًا مستمرًا يفوق 15% في بعض الفترات، مما يزيد من هشاشة الوضع المعيشي لدى الشرائح الضعيفة في المجتمع.

وبحسب تقرير البنك الدولي حول أوضاع الفقر في تونس لعام 2025، بلغت نسبة الفقر الرسمي نحو 16.6% في 2021، استنادًا إلى آخر مسح وطني للاستهلاك والميزانيات الأسرية، كما يعكف المعهد الوطني للإحصاء على إعداد بيانات أكثر حداثة عبر التعداد العام للسكان الأخير.

وبالتالي تعكس هذه النسبة أن ما يقارب واحدًا من كل ستة تونسيين يعيشون تحت خط الفقر الوطني، مع تفاوت واضح بين المناطق الحضرية والريفية.

في ضوء هذه المعطيات، يلاحظ أن تكاليف المعيشة الحالية في تونس تفوق طاقات العديد من الأسر الفقيرة أو محدودة الدخل، إذ يتطلب تأمين احتياجات أساسية مثل الغذاء والسكن والنقل والتعليم دخلًا يفوق بشكل كبير ما توفره معظم الأسر عبر مواردها الذاتية.

وعند مقارنة ذلك بقيمة المنح الاجتماعية الحالية المقدّمة في إطار برنامج الأمان الاجتماعي (AMEN)، يتبيّن أن التحويلات النقدية الشهرية تظلّ في حدود مبالغ لا تغطّي سوى جزء محدود من الاحتياجات الأساسية، إذ لا تتجاوز المنحة القارّة المسندة للأسر الفقيرة نحو 260 دينارًا شهريًا، في حين تتطلّب تغطية النفقات الأساسية للفرد مبالغ أعلى بكثير، قد تصل إلى آلاف الدنانير شهريًا وفق تقديرات كلفة المعيشة المحلية، وهو ما يجعل هذه المنح غير كافية لمجاراة تكلفة المعيشة الفعلية.

اقرأ/ي أيضًا

هل يمكن مقارنة الشركات الأهلية في تونس بالشركات التضامنية والتعاونية في العالم؟

هل تلاحق العدالة التونسية شريفة الرياحي بتهمة تبييض الأموال؟

المصادر

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar