من الترفيه إلى التضليل.. داخل عالم AI Slop على المنصات الرقمية
في ظلّ التوسّع المتسارع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتوليد المحتوى، برز نمط جديد من المواد الرقمية يُعرف باسم AI Slop، لا يقوم على نشر معلومات كاذبة صريحة بقدر ما يؤدي أحيانًا إلى تشويش السياق وإرباك الإدراك العام. ويتميّز هذا النمط بكثافة إنتاجه وسرعة انتشاره، مع اعتماده على صور ومقاطع تبدو مألوفة أو قريبة من الواقع.
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن هذا النوع من المحتوى أصبح جزءًا متكررًا من التجربة اليومية لمستخدمي منصات التواصل الاجتماعي. ويعكس هذا التحوّل اختيار قاموس Merriam-Webster لكلمة "slop"، بوصفها كلمة عام 2025، باعتبارها توصيفًا شائعًا لمحتوى رقمي منخفض الجودة مولَّد بالذكاء الاصطناعي، وما يرتبط به من قلق متزايد بشأن الصدقية والأصالة في الفضاء الرقمي.
وتكمن خطورة هذا النمط من المحتوى في أنه لا يقدّم ادعاءً مباشرًا يمكن تفنيده بسهولة، بل يُنتج انطباعات مضلِّلة تتشكّل عبر الإيحاء البصري والتكرار ونزع السياق، ما يجعل رصده وتصحيحه أكثر تعقيدًا باستخدام أدوات تدقيق الحقائق التقليدية.
يهدف هذا المقال إلى فحص خطر التضليل المرتبط بمحتوى AI Slop استنادًا إلى البيانات والتقارير المتاحة، من خلال تحليل آليات عمله، ورصد حضوره خلال الأحداث الإخبارية العاجلة، وبيان أثره على الثقة العامة بالمحتوى الرقمي، مع التركيز على نماذج سياسية وصحية تُظهر كيف يتحوّل هذا النمط من محتوى منخفض الجودة إلى عامل مؤثّر في تشكيل التصورات والقرارات العامة.
حجم ظاهرة AI Slop كما تعكسها البيانات
لا يمكن فهم أثر محتوى أو تقدير مخاطره دون الرجوع إلى البيانات الكمية التي ترصد مدى حضوره داخل المنصات الرقمية. وتشير الأرقام المتاحة من مصادر مستقلة إلى أن هذا النمط من المحتوى لم يعد محدود الانتشار، بل أصبح عنصرًا متكررًا في التجربة اليومية للمستخدمين، خصوصًا على منصات الفيديو القصير.
وبحسب تقرير بحثي صادر عن شركة Kapwing المتخصصة في تحليل محتوى الفيديو، قد يشكّل محتوى AI Slop وما يُعرف بمقاطع brainrot ما بين 21٪ و33٪ من محتوى الخلاصة التي يتعرّض لها المستخدمون على يوتيوب، لا سيما في تجربة المستخدمين الجدد. واعتمد التقرير في ذلك على تحليل القنوات الرائجة في مختلف الدول، إضافة إلى رصد أول 500 مقطع Shorts تظهر لحسابات جديدة، في محاولة لقياس ما تختاره الخوارزميات بوصفه محتوى تمثيليًا للمنصة.
وعلى المستوى العالمي، تُظهر البيانات تفاوتًا واضحًا بين الدول. ففي كوريا الجنوبية، جمعت قنوات AI Slop الرائجة أكثر من 8.45 مليار مشاهدة، وهو أعلى رقم مسجَّل عالميًا. في المقابل، تصدّرت إسبانيا من ناحية عدد المشتركين، بإجمالي تجاوز 20.22 مليون مشترك ضمن قنواتها الرائجة، رغم محدودية عدد هذه القنوات مقارنة بدول أخرى. وتكشف البيانات كذلك عن حضور بارز في المنطقة العربية. إذ جاءت مصر في المرتبة الثانية عالميًا من ناحية عدد المشتركين في قنوات AI Slop الرائجة، بإجمالي يقارب 17.9 مليون مشترك، كما سجّلت هذه القنوات أكثر من 3.24 مليار مشاهدة.
وتتقاطع هذه النتائج مع ما خلصت إليه تقارير نشرتها The Guardian، والتي رصدت أن نحو 10٪ من أسرع قنوات يوتيوب نموًا خلال الفترة الأخيرة تعتمد بصورة أساسية على محتوى مولَّد آليًا، يُنشر بأنماط متشابهة وبكثافة زمنية مرتفعة.
السخرية السياسية والإيحاء البصري
يُمثّل توظيف السخرية السياسية عبر المحتوى المولَّد أو المركَّب بصريًا أحد أكثر أنماط AI Slop انتشارًا وتأثيرًا، لكونه يعمل خارج الأطر التقليدية للأخبار الكاذبة. فهذا النوع من المحتوى لا يقدّم ادعاءً صريحًا يمكن التحقق منه أو نفيه، لكنه يؤثّر في الرأي العام عبر بناء انطباعات بصرية تحمل دلالات سياسية ضمنية.
تكثّف هذا النمط من المحتوى بشكل ملحوظ عقب تداول أخبار اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، إذ غمرت منصات التواصل الاجتماعي موجة من المقاطع المصنعة والمركبة بصريًا، التي تُدرج دونالد ترامب في مشاهد تمثيلية أو ساخرة إلى جانب مادورو أو شخصيات سياسية أخرى.
وتُظهر هذه المواد ترامب في أدوار رمزية، كمخرج للأحداث، أو كطرف "متحكّم" في مصير قادة آخرين، من خلال إدخاله في مشاهد مستوحاة من أفلام عربية كلاسيكية، أو لقطات خيالية داخل مكاتب رئاسية، أو مشاهد موسيقية وساخرة.
ويُعاد إنتاج شخصية مادورو، أو شخصيات مثل علي خامنئي أو الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، بوصفهم أطرافًا "مقبلة على الدور التالي"، في إطار سردي يقوم على التلميح لا التصريح.
ويبرز نمط مشابه في تداول فيديو "Trump Gaza"، الذي أُنتج في الأصل بوصفه عملًا تهكميًا، لكنه انتشر لاحقًا دون سياق أو توضيح لطبيعته. ونتيجة لذلك، جرى تفسيره من قبل بعض المستخدمين على أنه يحمل دلالات سياسية فعلية، ما حوّل السخرية إلى مادة مضللة بفعل نزع الإطار التفسيري، لا بفعل تغيير المحتوى ذاته.
اقرأ/ي أيضًا
كيف استُغلت قرارات وتعديلات صحية لتغذية التضليل حول سلامة اللقاحات؟
أيّ دورٍ للمعلومات المضللة في تراجع الثقة بلقاح الإنفلونزا الموسمية؟























