مشاهد دعائية إسرائيلية: ترويج "الإنسانية" في ظل استمرار استهداف الأطفال
يواصل الاحتلال الإسرائيلي الترويج لسرديات دعائية تهدف إلى تصوير جيشه على أنه "جيش أخلاقي" يتعامل بإنسانية مع المدنيين الفلسطينيين، ولا سيما الأطفال، عبر نشر صور ومقاطع فيديو دعائية على الحسابات الرسمية الإسرائيلية ووسائل الإعلام التابعة لها، في محاولة لتلميع صورة الجيش أمام الرأي العام الدولي.
في السياق، نشرت حسابات رسمية تابعة للاحتلال الإسرائيلي بلغات مختلفة مقطع فيديو دعائي يظهر جنودًا من جيش الاحتلال وهم يقدمون الطعام والماء لطفلين من غزة، قيل إنهما يبلغان من العمر سنتين وأربع سنوات، بعدما اقتربا بحسب الرواية الإسرائيلية من مجموعة من الجنود، وتظهر المشاهد الجنود وهم يعيدون الطفلين إلى داخل ما يعرف بالخط الأصفر، باعتبار ذلك دليلًا على أن جيش الاحتلال "جيش أخلاقي بكل المعايير".
رصد مسبار تضليلًا في هذه المنشورات التي تحاول تصوير جيش الاحتلال على أنه جيش "إنساني" يهتم بالأطفال ويقدم لهم المساعدة، في تناقض مع ما توثقه التقارير اليومية وتقارير المنظمات الدولية والإنسانية من استمرار ارتكاب جرائم ومجازر بحق المدنيين في قطاع غزة، وبحق الأطفال على وجه الخصوص.
وأودت جرائم الاحتلال بحياة عشرات الأطفال بطرق مختلفة، شملت القتل المباشر نتيجة القصف والاستهداف، إضافة إلى ضحايا غير مباشرة ناجمة عن البرد أو الجوع أو انهيار الخيام، في ظل خرق الاحتلال لبنود الاتفاق التي تنص على السماح بإدخال المساعدات الإنسانية.
يفند مسبار في المقال التالي الدعاية الإسرائيلية عبر إبراز التناقض بين المشاهد الترويجية التي تنشرها حسابات الاحتلال، والواقع الميداني الموثق في تقارير المنظمات الدولية.

استمرار استهداف الأطفال رغم اتفاق وقف إطلاق النار
على النقيض تمامًا من الصورة التي تحاول الدعاية الإسرائيلية ترويجها، يكشف الواقع الميداني في قطاع غزة عن استمرار الانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها جنود الاحتلال بحق الأطفال، حتى بعد دخول اتفاق وقف العدوان حيز التنفيذ، وتنوّعت هذه الانتهاكات بين الاستهداف المباشر بالقصف، وسقوط ضحايا غير مباشرين نتيجة الحصار وتدهور الأوضاع الإنسانية، بما يتعارض مع بنود الاتفاق الموقع بين الاحتلال وفصائل المقاومة الفلسطينية.
وفي هذا السياق، أشارت منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أنه خلال الفترة الممتدة بين 10 أكتوبر/تشرين الأول و20 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، قُتل ما لا يقل عن 63 طفلًا فلسطينيًا في غزة، وأُصيب عشرات آخرون، بمعدل يقارب طفلين يوميًا، رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
وقال ريك بيبركورن، ممثل منظمة الصحة العالمية في الأرض الفلسطينية المحتلة، إن الناس في غزة لا يزالون يُقتلون على الرغم من وقف إطلاق النار، مستشهدًا ببيانات وزارة الصحة في غزة التي تشير إلى مقتل 266 فلسطينيًا وإصابة 634 آخرين، بالإضافة إلى انتشال 548 جثة من تحت الأنقاض منذ سريان الاتفاق.
وأضاف أن أطباء في غزة تحدثوا عن حالات أطفال كان بالإمكان إنقاذهم لولا الحصار المفروض، ونقص أو غياب المعدات الطبية اللازمة، من بينهم أطفال مصابون بحروق وجروح خطيرة، وأطفال يعانون من أمراض مزمنة أو يحتاجون إلى تدخلات جراحية لا يمكن توفيرها داخل القطاع حاليًا.

استهدافات مباشرة للأطفال
في تناقض مباشر مع الصورة الدعائية التي يروج لها الاحتلال، والتي تظهر جنودًا يقدمون الماء ويتعاملون بـ"لطف" مع طفلين من غزة اقتربا من ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، وثقت تقارير إعلامية ارتكاب جنود الاحتلال جريمة بحق طفلين شقيقين من القطاع، تمثلت في قصف فادي أبو عاصي (8 أعوام) وجمعة أبو عاصي (11 عامًا) بواسطة طائرة مسيّرة، ما أودى بحياتهما على الفور أثناء محاولتهما جمع الحطب في منطقة بني سهيلا شرقي خانيونس.
وفي تبريره للجريمة، وصف جيش الاحتلال الطفلين بأنهما "شخصان مشتبه بهما"، مدعيًا أنهما "تجاوزا الخط الأصفر واقتربا من قواته"، وأن استهدافهما جاء "لإزالة التهديد الذي يشكلانه"، ويكشف التبرير عن تناقض واضح في الخطاب الإسرائيلي، إذ يروج الاحتلال في مشاهد دعائية لادعاءات "التعامل الإنساني" مع الأطفال، في حين يستهدف في الواقع أطفالًا آخرين بذريعة "تجاوز الخط الأصفر" نفسها.

وتوالت منذ بدء تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، التقارير التي توثق استهدافات متعددة نفذها الاحتلال في قطاع غزة، وأسفر بعضها عن سقوط عدد كبير من الضحايا، كان معظمهم من الأطفال.
غير أن المفارقة الأبرز في هذا السياق تكمن في أن الاحتلال ارتكب جريمة بحق الأطفال في اليوم نفسه الذي أطلق فيه حملة دعائية للترويج لما يصفه بـ"إنسانية" جنوده، ففي الثامن من يناير/كانون الثاني الجاري، وهو اليوم ذاته الذي رُوّج فيه المنشور الدعائي الذي يظهر جنودًا يقدمون الماء لطفلين من غزة، أسفرت عمليات قصف إسرائيلية على مناطق مختلفة من القطاع عن مقتل 13 فلسطينيًا، من بينهم ما لا يقل عن خمسة أطفال.

ضحايا الأطفال بسبب البرد والحصار
على عكس ما تسعى الدعاية الإسرائيلية إلى ترويجه بشأن كون جيش الاحتلال "جيشًا أخلاقيًا بكل المعايير"، تكشف الممارسات الفعلية للاحتلال، وفي مقدمتها الحصار المفروض على قطاع غزة، عن سقوط ضحايا من الأطفال لأسباب غير مباشرة، من بينها البرد القارس والانهيارات في المباني المتضررة جرّاء العدوان.
وفي هذا السياق، ووفقًا لآخر بيانات محدثة صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، أودى البرد الشديد بحياة أربعة أطفال منذ بداية فصل الشتاء الجاري، بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، ويعزى ذلك إلى غياب وسائل التدفئة، وانعدام المأوى الآمن، ونقص الأغطية والملابس الشتوية، في ظل استمرار الحصار الذي يفرضه الاحتلال ومنع إدخال المساعدات الإنسانية بالكميات الكافية.

من غزة إلى الضفة الغربية: عنف جنود الاحتلال بحق الأطفال الفلسطينيين
وعلى عكس الفيديوهات الدعائية التي تروجها حسابات الاحتلال بشأن "التعامل الإنساني" لجنوده مع الأطفال الفلسطينيين، لا يقتصر عنف جنود الاحتلال على قطاع غزة، بل يمتد ليشمل مختلف الأراضي الفلسطينية، بما فيها الضفة الغربية.
وفي مشهد يُجسّد الواقع الفعلي لطريقة تعامل الجنود مع الأطفال الفلسطينيين، وثّق مقطع فيديو اعتداء أربعة جنود إسرائيليين مدججين بالسلاح على طفلين لا تتجاوز أعمارهما خمس سنوات في منطقة جنوبي الخليل بالضفة الغربية.
وبحسب إفادة الطفلين، فإنهما كانا يلعبان في المكان قبل أن يقتحمه جنود الاحتلال، حيث قاموا بضربهما وسحلهما بعنف، في مشهد موثق يناقض المشاهد الدعائية التي يحاول الاحتلال ترويجها بشأن "التعامل الإنساني" مع الأطفال الفلسطينيين.

قتل الاحتلال أكثر من 20 ألف طفل في غزة منذ بدء العدوان الإسرائيلي
على خلاف مزاعم "الإنسانية" التي تسعى الحسابات الإسرائيلية إلى ترويجها بشأن سلوك جنود الاحتلال، تظهر الأرقام الموثقة أن عدد الأطفال الذين أودى العدوان بحياتهم في قطاع غزة تجاوز 20 ألف طفل منذ السابع من أكتوبر 2023، أي ما يقارب 2% من إجمالي عدد الأطفال في القطاع، وبمعدل يفوق طفلًا واحدًا كل ساعة.
وتشير المعطيات إلى أن من بين هؤلاء الضحايا ما لا يقل عن 1009 أطفال دون سن العام الواحد، إضافة إلى نحو 450 طفلًا وُلدوا خلال العدوان ثم أودى بحياتهم لاحقًا، كما أُصيب ما لا يقل عن 42,011 طفلًا، في حين أفادت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة بأن ما لا يقل عن 21 ألف طفل يعانون من إعاقات دائمة، إلى جانب آلاف الأطفال الآخرين الذين لا يزالون في عداد المفقودين أو يُرجّح أنهم ما زالوا تحت الأنقاض.
نمط متكرر من دعاية "الجيش الأخلاقي"
لا تُعد هذه الحملة الدعائية الأولى من نوعها التي يطلقها الاحتلال منذ بدء عدوانه على قطاع غزة، إذ دأبت الحسابات الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية، المدنية والتابعة لجيش الاحتلال، على الترويج لهذا النوع من السرديات بلغات متعددة، في محاولة لتصوير جيش الاحتلال على أنه "جيش أخلاقي" لا يستهدف المدنيين أو الأطفال.
وفي هذا السياق، سبق أن رصد مسبار في مقال سابق حملة دعائية مشابهة، سعى الاحتلال من خلالها إلى تقديم جيشه على أنه يحمي المدنيين ولا يستهدفهم، عبر ترويج صور ومقاطع دعائية زعم فيها تقديم المساعدة للنازحين عقب إجبارهم على الإخلاء القسري، غير أن تفنيد تلك الحملة كشف تناقضها مع الواقع الميداني، إذ بين التدقيق في الوقائع ارتكاب جنود الاحتلال جرائم ميدانية بحق النازحين، تمثلت في الاستهداف المتعمد للنساء والأطفال، وتدمير منازل مدنيين على رؤوس ساكنيها، إضافة إلى القصف المباشر للمدنيين بالقذائف المدفعية والطائرات المسيرة.
اقرأ/ي أيضًا


























