وسم "كلنا قسد".. إعادة النشر لتضخيم حملة رقمية عابرة للحدود
بالتزامن مع تصاعد التوتر في شمال وشمال شرقي سوريا، وخصوصًا بعد تعثر تطبيق تفاهمات سابقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، شهدت مناطق التماس، من حلب وتحديدًا من حيي الشيخ مقصود والأشرفية، تطورات ميدانية متسارعة انتقلت إلى مناطق واسعة تسيطر عليها قسد، رافق هذه التطورات خطاب تعبوي على المنصات، صوّر ما يجري باعتباره أقرب إلى أن يكون معركة وجود، لا مجرد صراع سياسي.
في هذا السياق، برزت حملة رقمية اعتمدت على وسوم داعمة لقسد ومهاجمة للحكومة السورية، مع ارتفاع ملحوظ في وتيرة النشر خلال أيام الاشتباكات، وتنوع لغوي لافت، وتوزع جغرافي خارج سوريا لدى نسبة معتبرة من الحسابات المشاركة، ما يوحي بأن النقاش لم يكن محليًّا خالصًا بقدر ما كان موجّهًا لتشكيل انطباع عام وتوسيع مدى الرسالة.
ولتفكيك هذه الحملة، اتّبع فريق مسبار في التلفزيون العربي منهجية تقوم على تتبع نمط التفاعل، ودراسة مؤشرات الهوية الرقمية للحسابات، وربط ذلك بخريطة الشبكات الأكثر تأثيرًا. كشف مسبار عن تداخل بين حسابات محورية تعمل كمنطلقات للوسوم، وحسابات تضخيم تركّز على النسخ واللصق والتكرار، إلى جانب إشارات إلى دوائر تفاعل عابرة للحدود ساهمت في الترويج الواسع للوسم.
نمط التفاعل تحت وسم "كلنا قسد"
يشير منحنى التفاعل إلى أن الزخم بدأ في الظهور في 13 يناير، بعد فترة نشاط شبه معدومة، ثم استمر خلال أيام الاشتباكات مع تراجع تدريجي بعد الذروة. هذا النمط الزمني، بداية مفاجئة ثم ارتفاع سريع في التفاعل يعقبه هبوط، يتسق غالبًا مع حملات ترويج السرديات في الفضاء الرقمي عبر مجموعات تنسيق.
خلال مدة تقارب الأسبوع، شارك 2,227 حسابًا في نشر 4,897 منشورًا مرتبطًا بوسوم داعمة لقوات قسد ومهاجمة للحكومة السورية، يتصدرها وسم "كلنا قسد". هذا الحجم، مقارنة بقصر الإطار الزمني، يعكس قدرة على تعبئة سريعة، ويستدعي فحص نسبة المحتوى الأصلي مقابل إعادة النشر، للإجابة عن سؤال: هل أنتجت قلة صغيرة معظم المحتوى أم أن المشاركة واسعة فعلًا؟
يكشف فحص لغات المحتوى المنشور ضمن الحملة، عن هيمنة اللغة العربية بنسبة 76%، تليها التركية بنسبة 14%، ثم البرتغالية 4%، والإنجليزية 3%. وجود التركية كثاني لغة يشير إلى امتداد التفاعل إلى دوائر ناطقة بالتركية، ما يستحق الربط لاحقًا ببيانات الجغرافيا وأنماط الشبكات، لتحديد ما إذا كان ذلك تفاعلًا طبيعيًا أم ناتجًا عن ترويج منظم عبر مجتمعات محددة.
ويُظهر توزيع المواقع المعلَنة للحسابات المشاركة تركزًا غير متوقع خارج سوريا، إذ تتصدر ألمانيا بنسبة 31%. وتظهر ألمانيا كثقل في التوزيع الجغرافي لحملة رقمية، لأنها تضم قاعدة ديموغرافية كبيرة من السكان ذوي جذور تركية، بنحو 3 مليون نسمة. بالإضافة إلى وجود عدد معتبر من الأكراد من دول عربية (سوريا والعراق) في ألمانيا، تقدرها دراسات بحثية تشير بنحو 1.3 مليون كردي، وهو رقم تقديري غير رسمي.
جاءت بعد ألمانيا، البرازيل 18%، ثم سويسرا 11%، بينما تأتي تركيا والولايات المتحدة بنسبة 6% لكل منهما.
ما السردية التي يُروج لها عبر وسم "كلنا قسد"؟
تُظهر خريطة الوسوم الأكثر تداولًا داخل هذه الحملة أنّ السردية الأساسية بُنيت على ثنائية الدفاع والتهديد، إذ تصدّر وسم #قسد كهوية جامعة للنقاش، متداخلًا مع دعوات تضامن عابرة للحدود مثل #defendrojava و#wearesdf و#we_are_all_sdf، بما يضع قوات سوريا الديمقراطية في إطار "قوة تقاتل بالنيابة" عن الجميع، لا فاعل محلي فقط.
في المقابل، يبرز اتهام واضح يستهدف تركيا وأردوغان عبر وسوم مثل #stopturkishterrorism ووسوم تتحدث عن قتل الأكراد، ما يحوّل الاشتباكات من سياقها الميداني الضيق إلى سردية أوسع عن اضطهاد قومي وضرورة الحماية، مع حضور لافت لمفردات الهوية الكردية مثل "كردستان" و"روج آفا" و"الاستقلال"، ما يعكس محاولة تثبيت القضية كصراع هوية وحقوق قبل أن تكون حدثًا عسكريًا عابرًا.
من يقود الحملة الرقمية الداعمة لقسد؟
يُشير تحليل شبكة الحسابات إلى تداخل بين دوائر تفاعل متعددة دعمت الوسم لصالح قوات قسد، من بينها حسابات إسرائيلية وأخرى مرتبطة ببيئة داعمة لقسد. ويظهر أن حساب الناشط الإسرائيلي على منصة إكس إيدي كوهين كان من أوائل من استدعى الوسم، ثم تلقى تفاعلًا مرتفعًا ساهم في ترويجه مبكرًا، قبل أن تتولى حسابات مؤيدة لقسد مواصلة الترويج له على نطاق أوسع.
كما يكشف الرصد عن أثر لتفاعل أقدم ضمن دوائر كردية سابقة، ما يوحي بأن الوسم استفاد من شبكات قائمة مسبقًا، وليس نتاج هذه الحملة فقط. واستمر تداوله حتى بعد توقيع الاتفاق، بما يعكس تحوله من رد فعل لحظي إلى أداة تعبئة ممتدة زمنيًا.
حسابات كردية ذات سلوك تضخيمي
يُظهر تحليل شبكة التفاعل بروز مجموعة حسابات كردية مجهولة الهوية، لعبت دورًا محوريًّا في الترويج للوسم وتكرار محتواه، عبر نشر متكرر خلال ذروة التفاعل واستمرار الترويج لاحقًا.
Ezdi، حساب كردي مجهول الهوية، كرر النشر على الوسم عشرات المرات، من بينها منشورات بتاريخ 14 يناير. كما تُظهر الشبكة أن منشوراته تلقت تضخيمًا متواصلًا عبر إعادة النشر والتفاعل حتى بعد تراجع ذروة الحملة. ووفق ما يظهر في بيانات الحساب على منصة إكس، لا يتيح الحساب موقعًا مباشرًا محددًا، مع مؤشرات عامة تفيد بإدارة من أوروبا.
Judy Berxwedan، حساب كردي مجهول الهوية، شارك الوسم بكثافة ضمن خطاب داعم لقوات قسد ومهاجم للحكومة السورية. ويُلاحظ استمرار التفاعل مع منشوراته ضمن شبكة حسابات مترابطة، مع غياب تحديد مباشر للموقع، وإشارات عامة إلى ارتباط بأوروبا في بيانات منصة إكس.
Bewar، حساب كردي مجهول الهوية شارك في الترويج الوسم عبر منشورات داعمة لقوات قسد، ويظهر ضمن مجموعة الحسابات التي ساهمت في الحفاظ على زخم الحملة عبر التكرار وإعادة النشر.
الحسابات المضخِّمة والبوتات
كشف تحليل عينة من الحسابات -مميزة باللون الأخضر داخل شبكة الحسابات- عن نمط حسابات انحصر نشاطها في ترديد الوسوم عبر إعادة النشر أكثر من إنتاج محتوى أصلي، بما يخدم رفع ظهور الوسم وتضخيمه داخل النقاش.
وبالتدقيق في خصائص هذه المجموعة، ظهرت سمات متكررة يمكن قراءتها كمؤشرات على سلوك تضخيمي منسق، أبرزها، استخدام نمط سبام قائم على التعليقات لتكرار الوسم، وغياب هوية شخصية واضحة، وإشارات إلى إدارة الحسابات من خارج سوريا، إضافة إلى محدودية قاعدة المتابعين، إذ شارك 761 حسابًا لم يصل إلى 50 متابعًا في الترويج للوسم.
وتعد هذه المؤشرات، مجتمعة، نقاطًا داعمة لفرضية وجود تضخيم غير طبيعي، ومن أمثلة هذه الحسابات: Afrin @HassanKenyo و Heem Heemo @HeemHeemo115594 و Arslan Ibrahim @ArslanI70.
وبناء على تحليل مسبار أعلاه للحملة وتصاعد وتيرة نشر الوسم، يمكن الوصول إلى الخلاصات التالية:
-
بدأ الزخم الرقمي في 13 يناير بعد نشاط شبه معدوم، ثم بلغ ذروته سريعًا قبل أن يتراجع تدريجيًّا مع استمرار التداول خلال أيام الاشتباكات.
-
خلال نحو أسبوع شارك 2,227 حسابًا في نشر 4,897 منشورًا، ما يعكس قدرة تعبئة سريعة ضمن إطار زمني محدود.
-
هيمنت العربية على التفاعل بنسبة 76% تلتها التركية 14%، ما يشير إلى امتداد النقاش إلى دوائر غير عربية.
-
تصدرت ألمانيا مواقع الحسابات المعلنة بنسبة 31% تلتها البرازيل 18% وسويسرا 11%.
-
برزت سردية تقوم على الدفاع عن روج آفا والتضامن مع قوات سوريا الديمقراطية مقابل اتهامات لتركيا وأردوغان، الأمر الذي نقل الحدث من سياق اشتباك محلي إلى خطاب هوية وحقوق.
-
أظهر تحليل الشبكة تداخلًا بين حسابات محورية دفعت الوسم مبكرًا وحسابات داعمة واصلت الترويج لاحقًا، مع بصمات تفاعل أقدم ضمن دوائر كردية سابقة.
-
كشفت العينة عن مجموعة حسابات ذات سلوك تضخيمي تركزت مشاركتها في الردود وتكرار الوسم مع محدودية المتابعين وغياب الهوية، ما يدعم فرضية تضخيم غير عضوي مع الحاجة لقرائن إضافية للحسم.
اقرأ/ي أيضًا
الفيديو ليس لإحراق العلم العراقي في أربيل احتجاجًا على العملية العسكرية ضد قسد
الفيديو ليس لتوجّه أكراد من تركيا نحو سوريا استجابةً لنداء النفير العام الذي أعلنته قسد




















