لوحة سيارات إسرائيلية.. مسبار يكشف مؤشرًا جديدًا على تعاون ميليشيا أبو شباب مع إسرائيل
طالما كانت علاقة ميليشيا أبو شباب في قطاع غزة بالاحتلال الإسرائيلي محل جدل واسع. ويتجدد هذا الجدل كلما ظهرت مؤشرات على صلات محتملة بين الطرفين، فمؤخرًا، نقلت وكالة رويترز عن فلسطينيين عادوا إلى غزة عبر معبر رفح قولهم إنهم خضعوا لتحقيقات إسرائيلية، وإن تلك التحقيقات جرت بحضور أو تحت إشراف أفراد من ميليشيا أبو شباب، وهو ما أعاد طرح أسئلة حساسة حول طبيعة دور هذه المجموعة وعلاقتها بقوات الاحتلال.
وفي خضم الجدل المتصاعد حول صلات الميليشيا المسلحة بالاحتلال، رصد فريق "مسبار" قبل أيام قليلة فقط من بدء دخول الفلسطينيين إلى القطاع مركبة دفع رباعي ظهرت في مشاهد نشرها أفراد الميليشيا، تحمل لوحة ترخيص إسرائيلية.
ويعد هذا المؤشر -الذي يتتبعه فريقنا في هذا التقرير- إضافة جديدة إلى سلسلة دلائل تُعزز فرضية وجود علاقة تنسيق بين ميليشيا "أبو شباب" وقوات الاحتلال، وهي فرضية سبق أن تناولها التلفزيون العربي في تحقيق موسع بعنوان "أبو شباب، ظل الاحتلال".
لوحة مركبة بترخيص إسرائيلي
ظهرت المركبة محل الرصد في مقطع فيديو نشره حساب على فيسبوك يحمل اسم "نادر الوصف القبلي" يوم 29 يناير/كانون الثاني الفائت. وبمراجعة محتوى الحساب، يتضح أنه يروّج بشكل متكرر لميليشيا أبو شباب، كما تظهر صور ومقاطع عدة لصاحب الحساب إلى جانب غسان الدهيني، الذي يُشار إليه بوصفه قائد الميليشيا الحالي.

يظهر في الفيديو المنشور عدد من المسلحين حول منطقة مفتوحة، إلى جانب مركبتي دفع رباعي، إحداهما سوداء والأخرى رمادية، كما تظهر شاحنة تبريد بيضاء في خلفية المشهد. ويلفت الانتباه في اللقطات ظهور لوحة ترخيص إسرائيلية مثبتة على إحدى مركبات الدفع الرباعي، وهو تفصيل بصري بارز ضمن محتوى المقطع.


هوية المركبة وموقعها الجغرافي
أظهر البحث العكسي عن المركبة محل التحقيق أنها من طراز "تويوتا هايلكس" (Toyota Hilux)، وهي مركبة دفع رباعي بأربعة أبواب وصندوق خلفي. ويشيع اعتماد المجموعات المسلحة على هذا النوع من السيارات لما يوفره من قدرة أعلى على الحركة في الطرق الوعرة، وإمكانية نقل عدد أكبر من الأفراد والمعدات.
وظهرت مركبة من الطراز نفسه وباللون ذاته ضمن مقطع فيديو لأفراد الميليشيا نشره الحساب نفسه يوم 9 يناير الفائت، لكنها ظهرت حينها من دون لوحة تسجيل، وهو ما ينسجم مع النمط المعتاد لمركبات الميليشيا في المقاطع المتداولة.
بعد تحليل محتوى حسابات مرتبطة بأفراد الميليشيا، في محاولة لرصد العلامات البصرية المميزة للمكان وتحديد موقع تصوير المقاطع، تبين أن اللقطات التي ظهرت فيها المركبة محل التحقيق التقطت أمام مبنى في مدينة رفح تستخدمه ميليشيا "أبو شباب" مركزًا لعملياتها.
وبمطابقة المعالم الجغرافية البارزة في مقاطع الفيديو بصور الأقمار الصناعية وخرائط جوجل تبين أن المركبة تواجدت عند الإحداثيات الموضحة في الصورة أدناه.

تتبع لوحة مركبة ميليشيا أبو شباب
تأتي لوحات التسجيل المدنية في إسرائيل عادة بشكل مستطيل وبخلفية صفراء عاكسة، مع رقم تسجيل أسود يتألف غالبًا من 7 أو 8 أرقام تفصل بينها شرطات. وتحت أول شرطة من رقم التسجيل يظهر ختم اعتماد صادر عن معهد المعايير الإسرائيلي.
وعلى الجانب الأيسر من اللوحة توجد شارة عمودية تتضمن العلم الإسرائيلي، وتحته الحرفان IL، ثم كلمة "إسرائيل" بالعبرية (ישראל)، وتحتها كلمة "إسرائيل" بالعربية.
انطلاقًا من هذا الأساس البصري لهوية لوحات تراخيص السيارات في إسرائيل، سعى فريقنا إلى تحديد رقم لوحة التسجيل من خلال مقطع فيديو نشره حساب أبو حسن الترباني يوم 26 من الشهر الفائت على تيك توك، تظهر فيه المركبة نفسها وهي تحمل لوحة ترخيص إسرائيلية، لكنه حاول طمس اللوحة عبر تغطيتها بإشارة بيضاء، إلا أنه وبالتدقيق البصري، واستخدام أدوات متخصصة، تمكن فريق مسبار من كشف رقم اللوحة.
بعد التحليل البصري للمقطع، وجد "مسبار" أن اللوحة تظهر بخلفية صفراء مع شريط أزرق على الطرف الأيسر، كما يبدو أنها تتكون من 8 أرقام. وللتعرف على الأرقام بدقة، فحص الفريق إطارات الفيديو باستخدام أدوات تحرير الفيديو لاستخراج أوضح اللقطات التي تظهر فيها اللوحة.

بعد ذلك، أجرى مسبار تعديلات لونية على الإطارات المختارة، شملت ضبط التشبع والتباين وتحسين الإضاءة، بهدف الوصول إلى نسخة أكثر وضوحًا من صورة اللوحة. وبناءً على هذه المعالجة، تبين أن رقم اللوحة يتكون من 8 أرقام هي: 239.04.001. كما ظهرت بوضوح العلامات المميزة للوحات التسجيل في إسرائيل، بما في ذلك العلم والحرفان "IL".


تتبع رقم لوحة التسجيل
أتاحت أدوات المصادر المفتوحة مسارًا آخرًا لتتبع لوحات تسجيل المركبات في إسرائيل، عبر قواعد بيانات عامة أو خدمات تحقق توفر معلومات عن المركبة، مثل طرازها وسنة الصنع ومواصفاتها، وأحيانا سجلات مرتبطة بسرقة المركبات أو تاريخها.
كشف اختبار رقم اللوحة التي ظهرت على المركبة المستخدمة من قبل الميليشيا عن نتيجة لافتة. فبعد التحقق عبر أكثر من قاعدة بيانات، جاءت النتائج متسقة في الإشارة إلى أن رقم اللوحة يعود إلى مركبة من طراز مختلف (Volvo Burden)، وليس إلى "تويوتا هايلكس" الظاهرة في الفيديو. ما يرجح أن اللوحة لم تكن تخص هذه السيارة أصلا، وإنما جرى تركيبها.
وبصيغة أدق، يبدو أن رقم اللوحة جرى تفصيله بهوية إسرائيلية، عبر استخدام رقم قائم أو قابل للتطابق داخل قواعد البيانات، ثم تثبيته على مركبة أخرى لا تتطابق معه. هذا النمط، الذي يشبه أساليب العصابات والجماعات الخارجة عن القانون في التمويه وتغيير الهوية لتسهيل الحركة أو تضليل نقاط التفتيش أو تجنب التعقب، يفتح سؤالًا مباشرًا حول الغرض من إظهار هوية إسرائيلية مفبركة على المركبة.


مؤشرات إضافية على ارتباط الميليشيا بالاحتلال
تفتح هذه النتيجة سلسلة أسئلة في سياق التحقيق، لماذا تحتاج الميليشيا إلى تثبيت لوحة على مركبة تتحرك داخل القطاع أصلًا، ولماذا اختارت لوحة بهوية إسرائيلية تحديدًا، ومن أين حصلت عليها أو حصلت على الرقم المستخدم بهذه الصيغة؟
وإلى جانب ذلك، يطرح ظهور أضواء الطوارئ الشرطية على المركبة سؤالًا إضافيًا حول ما إذا كانت هناك محاولة لمحاكاة مركبات إنفاذ القانون أو اكتساب مظهر رسمي يسهُل الحركة ويفرض السيطرة.
وتعزز المقاطع نفسها هذه التساؤلات، إذ توثق مرافقة شاحنة تبريد مغلقة للمركبة محل التحقيق. هذا النمط من الشاحنات ليس شائعًا داخل قطاع غزة، كما أن مرور الشاحنات المغلقة يرتبط عادة بإجراءات تدقيق أشد بسبب صعوبة التحقق البصري من الحمولة مقارنة بالشاحنات المكشوفة.
وخلال مسار التتبع، ظهرت سيارة مشابهة في الطراز واللون تستخدمها قوات حماية المستوطنات في غلاف غزة، وهو تقاطع بصري يضيف بعدًا إضافيًا لاحتمالات محاكاة "الشكل الرسمي" أو الاستفادة منه في الحركة، بين داخل القطاع وخارجه في غلاف غزة.
في النهاية، تقاطع المؤشرات يرجح أن المركبة لم تكن تتحرك داخل غزة فقط، بل ربما استخدمت في مهمة تتطلب قدرًا من التمويه، بما يفسر تثبيت لوحة إسرائيلية مصطنعة وإضافة أضواء طوارئ. كما أن مرافقة شاحنة التبريد المغلقة، التي لا تتضح طبيعة حمولتها ولا الجهة التي تستخدمها، تزيد من وزن فرضية أن "الهوية المصطنعة" جزء من نمط تشغيل، لا مجرد تفصيل عابر.
اقرأ/ي أيضًا
من قاطع طريق إلى "قائد شعبي": من هو ياسر أبو شباب؟ وما دور إسرائيل في ظهوره ودعمه؟
ما حقيقة المزاعم الإسرائيلية حول دعم القطاع الصحي في غزة؟























