نبش القبور.. مسبار يرصد التسلسل الزمني لتجريف "مقبرة الإنجليز" في غزة
في السادس من فبراير/شباط الجاري، أدانت وزارة الخارجية والتنمية البريطانية، في منشور لها باللغة العربية، استهداف مقبرة قتلى الحرب العالمية في غزة، ووصفت الحادث بأنه "غير مقبول"، مشيرة إلى أنها "أثارت" الأمر مع إسرائيل.
وجاء البيان بعد تحقيق نشرته صحيفة ذا غارديان البريطانية، كشفت فيه عن تجريف طاول قبور الجنود البريطانيين داخل المقبرة، التي تضم رفات جنود من الحربين العالميتين الأولى والثانية.
وبحسب التحقيق، فقد طاول التجريف الجزء الذي يحتوي على قبور الجنود الأستراليين (أكثر من 100 جندي)، إلى جانب قبور لجنود بريطانيين وبولنديين، جميعهم خدموا ضمن قوات الحلفاء في فلسطين.
وفي ضوء هذا البيان، عمل فريق "مسبار" في التلفزيون العربي على فحص الادعاءات في سياق الإطار الزمني للأحداث، استنادًا إلى أدلة ميدانية وصور أقمار صناعية وتحليل تسلسل الأحداث الزمني.
ماذا تقول صور الأقمار الصناعية؟
المقبرة، التي بقيت سليمة طوال فترة الحرب، ظهرت فيها آثار الاستهداف لأول مرة في نهاية مارس/آذار 2025، حيث أظهرت صور التُقطت عبر الأقمار الصناعية (Sentinel-Hub) حفرة عميقة حول المقبرة، يُرجَّح أنها ناتجة عن قصف بالقنابل. (شاهد فيديو "قبل وبعد").
وأظهرت صور الأقمار الصناعية، التي تم التقاطها على مدى عدة أشهر من عام 2025، أن التربة جُرِفت بالكامل، وأن صفوفًا من شواهد القبور أُزيلت من أماكنها. (الصور من تحقيق الغارديان).
وأقرّ متحدث باسم الجيش الإسرائيلي بمسؤولية جيش الاحتلال عن الحادث، موضّحًا أن "إجراءات عملياتية اتُّخذت في المنطقة لتحييد تهديدات تم تحديدها"، مشيرًا إلى أن الموقع كان آنذاك "منطقة قتال نشطة".
أين تقع مقبرة الإنجليز؟
تقع مقبرة الإنجليز – كما يسميها سكان غزة – في حي التفاح شرق شارع صلاح الدين وسط القطاع، وهي منطقة كانت تخضع لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 2024.
وتضم المقبرة رفات 3,217 قتيلًا من دول الكومنولث البريطاني، سقطوا في الحرب العالمية الأولى، إلى جانب 210 من قتلى الحرب العالمية الثانية، و234 قبرًا لجنود من جنسيات أخرى.
وقد أُنشئت المقبرة في أوائل القرن الماضي، قبل احتلال فلسطين، وتحيط بها أشجار وأحجار صخرية، ويبرز فيها نصب تذكاري كبير.
وبموجب "اتفاق شرم الشيخ" المُوقّع في أكتوبر 2025، سحبت إسرائيل قواتها شرقًا باتجاه شارع صلاح الدين، المعروف بـ"الخط الأصفر". ووفق الخرائط التي نشرها "معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي"، فإن المقبرة تقع ضمن هذا الخط، أي أنها كانت لا تزال خاضعة لسيطرة قوات الاحتلال خلال الفترة التي تعرّضت فيها للاستهداف.
التسلسل الزمني لاستهداف مقبرة الإنجليز
في بداية الاجتياح البري في يناير 2024، نشر جنود من الجيش الإسرائيلي صورًا لهم من داخل المقبرة بجانب شواهد قبور لجنود يهود قُتلوا في الحرب العالمية الأولى. وتحتوي المقبرة أيضًا على قبور لمسلمين ومسيحيين.

وتوضح الصور أن المقبرة كانت بحالة سليمة، وأن الأضرار اقتصرت على السور الخارجي فقط، وهي صور تؤكد أن المقبرة كانت تحت السيطرة الإسرائيلية منذ بداية عام 2024، وتم "تطهيرها" – حسب المصطلحات العسكرية الإسرائيلية – قبل أكثر من عام من ظهور آثار الدمار.

توثّق صور الأقمار الصناعية التي حصل عليها مسبار أن المقبرة لم تتعرض لأي أضرار حتى نهاية مارس 2025، حيث ظهرت حفرة واحدة على الأقل شرق المقبرة.
وقد تزامن ذلك الاستهداف مع هجمات عنيفة شنّها جيش الاحتلال بعد خرق هدنة وقف إطلاق النار، التي دخلت حيز التنفيذ قبل تولّي الرئيس الأميركي دونالد ترامب فترته الثانية.
في 18 مارس 2025، قتل جيش الاحتلال ما لا يقل عن 400 فلسطيني، ويُرجّح أن أول استهداف للمقبرة وقع خلال هذه الهجمات، من خلال مراجعة الإطار الزمني للأحداث ومطابقته مع صور الأقمار الصناعية.
حدثت عمليات التجريف داخل المقبرة في يوليو 2025. وتُظهر صور الأقمار الصناعية تغيّر شكل التربة وتشكل كثبان رملية، ما يشير إلى أعمال تجريف واسعة.
وقد نشرت ذا غارديان، صورًا تُظهر إزالة صفوف من شواهد القبور وتجريف التربة في زاوية من المقبرة، إضافة إلى وجود سد ترابي كبير يمتد في منتصف المنطقة المتضررة، ما يدل على استخدام معدات ثقيلة.
وقد تزامنت هذه العمليات مع تفجير أحياء سكنية كاملة في محيط المقبرة باستخدام الروبوتات المتفجرة، وهو أسلوب يتكرر في مناطق أخرى على طول الخط الأصفر.


وفي 7 أغسطس/آب 2025، نشر جيش الاحتلال مقطع فيديو لعملية تفجير نفق في محيط المقبرة. لكن الفيديو لا يُظهر أي أضرار داخل المقبرة، كما وثّقتها صور الأقمار الصناعية في يوليو – أي قبل 10 أيام من نشر المقطع – ما يثير تساؤلات حول تاريخ تصويره.
نمط متكرر: "القبور تُنبش"
يتشابه هذا التجريف مع ما حدث في مقابر أخرى. ففي 26 يناير/كانون الثاني 2026، نفّذت قوات الاحتلال عملية عسكرية داخل مقبرة البطش بحي التفاح، بحثًا عن جثمان آخر الأسرى الإسرائيليين.
ووفقًا للمكتب الإعلامي الحكومي، نبشت قوات الاحتلال أكثر من 200 قبر، وتسببت في دمار واسع للبنية التحتية للمقبرة. وتُظهر الفيديوهات التي صُوّرت بعد انسحاب القوات تدميرًا للشواهد وتجريفًا كاملًا باستخدام معدات ثقيلة، في نمط مطابق لما جرى في "مقبرة الإنجليز".
الجدير بالذكر أن المقبرة كانت قد تعرّضت سابقًا لأضرار جزئية خلال عملية "الرصاص المصبوب" في عام 2009، حيث دُمّر أكثر من 300 شاهد قبر نتيجة قصف إسرائيلي مباشر.
وقد أدانت بريطانيا الاعتداء آنذاك، وتولّت منظمة "اليونسكو" أعمال ترميم المقبرة، لاحقًا.
اقرأ/ي أيضًا
لوحة سيارات إسرائيلية.. مسبار يكشف مؤشرًا جديدًا على تعاون ميليشيا أبو شباب مع إسرائيل






























