مدرسة ميناب الإيرانية.. حملة رقمية تُحمّل طهران مسؤولية المجزرة
في أعقاب استهداف مدرسة شجرة طيبة الابتدائية للبنات في مدينة ميناب الإيرانية، والذي أسفر عن مقتل أكثر من ١٦٠ طالبة، شرعت موجة واسعة من الحسابات واللجان الإلكترونية في ترويج رواية مضادة تُحمّل الحرس الثوري الإيراني مسؤولية الجريمة، عبر مزاعم تحدثت عن صاروخ إيراني أخطأ هدفه، أو عن وقوع المدرسة داخل نطاق عسكري. غير أن مسبار فنّد هذه الروايات، وأثبت عدم صحتها ميدانيًا وعسكريًا.
في سياق الحملة الرقمية، عمل فريق مسبار على تتبّع مسار التفاعل، وتحليل الشبكات والحسابات واللغات والسرديات الأكثر تداولًا، بهدف فهم الكيفية التي تشكّل فيها النقاش العام حول الحادثة، ورصد أبرز الأنماط التي صاحبت انتشار هذه الروايات على المنصات الرقمية.
نمط التفاعل
يكشف تحليل التفاعلات والكلمات المفتاحية الأكثر تكرارًا أن المزاعم المرتبطة بمسؤولية الحرس الثوري الإيراني عن استهداف مدرسة شجرة طيبة بدأت بالانتشار منذ اليوم الأول للهجوم، وبلغت ذروتها الأولى في 28 فبراير/شباط، قبل أن تسجل قمة ثانية مع نهاية اليوم التالي، الأول من مارس/آذار، ثم قمة ثالثة في نهاية 3 مارس/آذار.
ويشير هذا التتابع الزمني للقمم إلى أن تداول الرواية لم يكن عفويًا، بل اتخذ نمطًا منسقًا يعكس نشاطًا منظمًا للجان إلكترونية عملت على إعادة تدوير المزاعم وتكثيف حضورها في النقاش العام.
حجم التفاعل
وخلال أربعة أيام فقط، نشرت هذه اللجان نحو 386 ألف منشور سعت من خلالها إلى إلصاق الاتهام بالنظام الإيراني، ممثلًا في الحرس الثوري، والترويج لمزاعم تزعم وجوده داخل مؤسسات مدنية بما يبرر استهدافها.
وشارك في تضخيم هذه الروايات أكثر من 209 ألف حساب، ما يعكس اتساع نطاق الحملة وكثافة التفاعل المنظم حولها.
ويُظهر تحليل هوية الحسابات المشاركة طبيعة الجهات التي قادت هذا الترويج، إذ انقسمت، في الغالب، بين حسابات إيرانية معارضة ذات توجه ملكي، برزت في صورها ورموزها أعلام إيران الملكية، ورمز التاج، وشعارات من قبيل "جاويد شاه" و"#KingRezaPahlavi" و"Free Iran"، وبين حسابات يمينية غربية متطرفة، خصوصًا من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، ظهرت عبر رموز مثل العلمين الأميركي والبريطاني، وشعارات من قبيل "MAGA" والصليب.
ويعزز هذا التداخل في الهويات فرضية وجود تقاطع دعائي بين أطراف مختلفة اجتمعت على ترويج السردية نفسها.
وتفسر هذه الهوية المختلطة طبيعة اللغات المستخدمة في الحملة. فعلى الرغم من الحضور الواضح للحسابات الإيرانية الملكية، غابت اللغة الفارسية إلى حد كبير عن التفاعل، فيما تصدرت الإنجليزية المشهد بوصفها اللغة الأكثر استخدامًا.
ويشير ذلك إلى أن الجمهور المستهدف لم يكن الداخل الإيراني بالدرجة الأولى، بل المتلقي الغربي، في مسعى لتشويه صورة النظام الإيراني وتوفير غطاء دعائي للهجمات عليه.
وينسجم التوزيع الجغرافي للحسابات مع هذه المؤشرات؛ إذ تصدرت الولايات المتحدة الدول الأكثر مشاركة بنسبة 57%، تلتها كندا بنسبة 11%، ثم بريطانيا بنسبة 10%. ويعكس هذا التوزيع تمركزًا واضحًا للحملة في فضاءات تضم جاليات إيرانية معارضة، إلى جانب شبكات اليمين الغربي المتطرف، بما يفسر طبيعة الرسائل المتداولة ومسارات انتشارها.
السردية
تكشف الكلمات الأكثر تداولًا أن الحملة ركزت بصورة أساسية على ربط استهداف المدرسة بالحرس الثوري الإيراني (IRGC) و"النظام الإيراني" (Iran Regime)، عبر تكرار مفردات من قبيل المدرسة والقصف والتدمير، بما يوجّه النقاش نحو تحميل طهران مسؤولية مباشرة عما جرى.
ولم يقتصر الأمر على تداول اتهام عام، بل اتخذ شكل سردية متماسكة أعادت اللجان الإلكترونية إنتاجها بصيغ متعددة، مع الحفاظ على الرسالة الأساسية نفسها.
وتُظهر خريطة السرديات أن أبرز المزاعم التي جرى تكرارها في الحملة تمثلت في اتهام الحرس الثوري، استنادًا إلى "أدلة" مكذوبة أو مضللة، بالمسؤولية عن استهداف المدرسة.
كما رُوّجت مزاعم أخرى تزعم استخدام الحرس الثوري للمدنيين دروعًا بشرية، وتعمده الوجود داخل المدارس والمنشآت المدنية، إلى جانب الادعاء بأنه حوّل هذه المنشآت إلى قواعد أو مواقع عسكرية.
وفي السياق نفسه، جرى الترويج لرواية تزعم أن المدرسة أُصيبت بصاروخ تابع للحرس الثوري عن طريق الخطأ، في محاولة لتثبيت فرضية "المسؤولية الذاتية"، ونفي مسؤولية الجهة التي نفذت الاستهداف.
شبكة الحسابات
يكشف تحليل شبكة التفاعل أن ترويج السردية انقسم إلى شقين رئيسين. تمثل الشق الأول في حسابات ناشطين إيرانيين معارضين للنظام الحاكم، كانت من أوائل الجهات التي روّجت لمزاعم تحميل الحرس الثوري الإيراني مسؤولية استهداف المدرسة. أما الشق الثاني، فتمثل في حسابات إسرائيلية تلقفت هذه المزاعم سريعًا، ثم أعادت ضخها وتوسيع نطاق انتشارها عبر شبكات اللجان الإسرائيلية، بما أسهم في تضخيم الرواية ومنحها زخمًا أكبر على المنصات.
في مقدمة الحسابات الإسرائيلية برز حساب Nioh Berg، وهي ناشطة إسرائيلية من أصول إيرانية، تنشط في التحريض ضد النظام الإيراني، وتدعم التظاهرات الداعية إلى إسقاطه واستعادة النظام الملكي بقيادة رضا بهلوي. وقد نشرت عدة تدوينات حظيت بتفاعل واسع، وروّجت فيها ادعاءات تُحمّل النظام الإيراني مسؤولية استهداف المدرسة.
كما حضرت إميلي شريدر (Emily Schrader)، وهي إعلامية إسرائيلية مهتمة بالشأن الإيراني، ضمن أبرز الحسابات التي روّجت للسردية، إذ نشرت مزاعم تفيد بأن المدرسة تقع بجوار مجمع عسكري أو داخله، في محاولة لتبرير استهدافها.
وبرز أيضًا Eyal Yakoby، وهو ناشط إسرائيلي مقيم في الولايات المتحدة، عُرف سابقًا بهجومه على التظاهرات الطلابية المؤيدة لفلسطين في الجامعات الأميركية، وقد انخرط بدوره في ترويج مزاعم تتهم الحرس الثوري بالمسؤولية عن استهداف المدرسة.
ومن بين الحسابات الإسرائيلية الأخرى، ظهر حساب Liza Rosen، وهو حساب مجهول الهوية برز نشاطه خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، وعاد هنا ليلعب دورًا في إعادة تدوير مزاعم الحملة ونشرها على نطاق واسع.
كذلك برز Eli David، وهو ناشط إسرائيلي مقيم في الولايات المتحدة وأحد الوجوه البارزة في الترويج للسرديات الإسرائيلية وقيادة اللجان الإلكترونية، إذ نشر تدوينات حول هذه المزاعم لاقت انتشارًا كبيرًا.
في المقابل، ضمّ الشق الإيراني الملكي عددًا من الحسابات التي لعبت دورًا محوريًا في إطلاق السردية أو دفعها إلى التداول. من بينها حساب Neo، وهو حساب مجهول الهوية، فارسيّ التوجه، يعرّف نفسه بأنه ملحد، ويُعرف بتفاعله المستمر مع التطورات في إيران وتحريضه ضد النظام. وقد نشر تغريدة واسعة الانتشار زعم فيها أن الحرس الثوري يستخدم الأطفال دروعًا بشرية.
كما برزت Goldie Ghamari | گلسا قمری، وهي ناشطة من أصول إيرانية تقيم في كندا وعضو برلمان في أونتاريو، إذ تنشط في معارضة النظام الإيراني، وروّجت المزاعم نفسها التي عمدت اللجان لاحقًا إلى تضخيمها.
وظهر أيضًا حساب Throwback Iran، وهو حساب إخباري بهوية إيرانية تشير بياناته إلى أنه يُدار من الولايات المتحدة، ويُظهر تحليل محتواه انحيازًا واضحًا ضد النظام الحاكم، وكان من أبرز الحسابات التي تداولت المزاعم واعتمدت عليها اللجان في إعادة النشر.
كذلك حضرت ثنا إبراهيمي (Sana Ebrahimi)، وهي ناشطة إيرانية مقيمة في الولايات المتحدة، تُعرف بنشاطها المكثف على منصات التواصل ضد النظام الإيراني، وقد دعمت في إحدى تدويناتها الرواية التي تُحمّل الحرس الثوري مسؤولية استهداف المدرسة.
ويُظهر هذا التداخل بين الحسابات الإيرانية المعارضة والحسابات الإسرائيلية، أن السردية لم تنتشر بصورة عفوية، بل عبر شبكة مترابطة من الفاعلين الذين تبادلوا الأدوار بين الإطلاق الأولي للمزاعم، ثم إعادة تدويرها وتضخيمها وتوسيع نطاق وصولها إلى جمهور أوسع.
حسابات مشبوهة
يكشف تحليل الحسابات المشاركة، وفق عدد المتابعين، عن حضور واسع لحسابات تحمل سمات اللجان الإلكترونية وتؤدي دورًا واضحًا في تضخيم التفاعل عبر إعادة النشر المكثف. وقد بلغ عدد الحسابات التي لديها أقل من 100 متابع قرابة 50 ألف حساب، أي ما يقارب ربع إجمالي الحسابات المشاركة في تداول المزاعم، وهو ما يعزز فرضية وجود نشاط منظم لا يقتصر على التفاعل الطبيعي أو العفوي.
كما يُظهر تحليل الحسابات بحسب تاريخ الإنشاء تسارعًا لافتًا في وتيرة إنشاء حسابات جديدة تزامنًا مع تصاعد التهديدات الأميركية والإسرائيلية تجاه إيران. ويكشف منحنى الإنشاء عن طفرة واضحة منذ بداية العام، مع تجاوز عدد الحسابات حديثة الإنشاء 1100 حساب.
ويُلاحظ كذلك ارتفاع مشابه في المنحنى تزامن مع حرب الأيام الاثني عشر السابقة في يونيو/حزيران 2025، ما يشير إلى نمط متكرر من تنشيط أو إنشاء حسابات جديدة بالتوازي مع لحظات التصعيد السياسي والعسكري.
وتتشابه هذه الحسابات في عدد من السمات المشتركة. فأولًا، يغلب عليها الغموض في الهوية الشخصية، إذ لا تقدم أي معلومات واضحة عن القائمين عليها، وتكتفي في كثير من الأحيان باستخدام رموز ملكية إيرانية، مثل العلم أو الشعارات المرتبطة بالتيار الملكي.
وثانيًا، تملك هذه الحسابات قاعدة متابعة محدودة، إذ لا يتجاوز عدد متابعي كثير منها 100 متابع، ما يبدو متناقضًا مع حجم التفاعل المرتفع الذي تحققه بعض منشوراتها أو تسهم في تضخيمه.
وثالثًا، تتسم بسلوك تضخيمي أقرب إلى "السبام"، إذ يتركز نشاطها على إعادة التغريد والنشر المتكرر بهدف رفع حضور السردية وتوسيع انتشارها على المنصات.
وتشير كل هذه المؤشرات إلى أن جزءًا معتبرًا من التفاعل لم يكن ناتجًا فقط عن مستخدمين حقيقيين يتبنون الرواية، بل عن شبكة حسابات تبدو مُنشأة أساسًا لأداء وظيفة التضخيم الرقمي ودفع السردية إلى الواجهة.
اقرأ/ي أيضًا
صاروخ إيراني أصاب مدرسة ميناب الإيرانية.. ما حقيقة الادعاءات الإسرائيلية؟
سرب من الطائرات العسكرية الأميركية يحتشد في مطار خانيا الدولي




















