هل تملك إيران صواريخ توماهوك الأميركية كما ادّعى ترامب؟
ألمح الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال مؤتمر صحفي عقده في التاسع من مارس/آذار الجاري، في مدينة ميامي بولاية فلوريدا، إلى أن إيران تملك بعض صواريخ توماهوك الأميركية، وذلك عند سؤاله عن الضربة التي استهدفت مدرسة "الشجرة الطيبة" الابتدائية للبنات في مدينة ميناب جنوبيّ إيران، والتي أسفرت عن مقتل 165 شخصًا وإصابة آخرين، يوم 28 فبراير/شباط الفائت، في إشارة ضمنية منه إلى مسؤولية طهران عن استهداف المدرسة.
وعند سؤاله عمّا إذا كانت الولايات المتحدة ستتحمل مسؤولية الضربة، أجاب "توماهوك يُباع ويُستخدم من قبل دول أخرى. وسواء كانت إيران التي تملك أيضًا بعض صواريخ توماهوك، ويتمنون لو كان لديهم المزيد، ولكن سواء كانت إيران أو أي طرف آخر، فإن توماهوك شائع جدًا. هذا الأمر قيد التحقيق حاليًا".
وفي سؤال لاحق، سأل أحد الصحافيين "لقد لمحت للتو إلى أن إيران حصلت بطريقة ما على صواريخ توماهوك واستخدمتها في قصف المدرسة الابتدائية في اليوم الأول من الحرب. لكنك الشخص الوحيد في حكومتك الذي يقول ذلك، حتى وزير دفاعك رفض قول ذلك عندما سُئل لماذا أنت الشخص الوحيد الذي يقول هذا الكلام؟". ليجيب ترمب: "ببساطة لأنني لا أملك معلومات كافية حول الأمر. أعتقد أن هذا شيء قيل لي إنه قيد التحقيق. لكن صواريخ توماهوك تستخدمها أطراف أخرى كما تعلم، فهناك دول عديدة أخرى تملك توماهوك، وهي تشتريها منا. ولكن، وبكل تأكيد، أيًّا كانت النتائج التي سيظهرها التقرير، فأنا مستعد للقبول بها".
وهذه ليست المرة الأولى التي يوجّه فيها ترمب أصابع الاتهام إلى طهران بالوقوف وراء قصف المدرسة، إذ صرّح في حديثه مع الصحافيين على متن طائرة الرئاسة في طريقه إلى ميامي، بتاريخ السابع من مارس الجاري، ردًّا على سؤال حول ما إذا كانت الولايات المتحدة قد قصفت المدرسة، قائلًا: "لا، في رأيي، بناءً على ما رأيته، إيران هي من فعلت ذلك".
وعند سؤال وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، الذي كان بجانب ترمب، عن إيران وما إذا كانت هي من فعلت ذلك، أجاب الوزير "نحن نحقق في الأمر بالتأكيد"، مضيفًا "لكن الجانب الوحيد الذي يستهدف المدنيين هو إيران". ليعود ترمب ويؤكد "نعتقد أن إيران هي من فعلت ذلك، لأنهم غير دقيقين للغاية في استخدام ذخائرهم، وليس لديهم أي دقة على الإطلاق. إيران هي من فعلت ذلك".
خلص فريق "مسبار" في التلفزيون العربي، عقب مراجعة فاحصة للسجلات العسكرية والوثائق الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة، إلى أن ادعاء دونالد ترامب بشأن امتلاك إيران لصواريخ توماهوك لا أساس له، إذ لا توجد أي بيانات رسمية أو سجلات لتجارة الأسلحة الدولية تؤكد وصول هذه التقنية الأميركية الحصرية إلى الترسانة الإيرانية.
إيران ليست من الدول التي تملك صواريخ توماهوك
يُعد صاروخ "Tomahawk cruise missile" للهجوم البري سلاحًا استراتيجيًا فائق الدقة من طراز كروز بعيد المدى، صُمّم خصيصًا لتنفيذ مهام الهجوم العميق من قبل القوات الأميركية والشركاء الدوليين.
وتتميز هذه الصواريخ، التي تنتجها شركة الدفاع الأميركية "Raytheon"، بقدرتها على الانطلاق من منصات متنوعة تشمل السفن والغواصات والمنصات الأرضية، لضرب أهدافها بدقة متناهية من مسافة تصل إلى 1000 ميل، متجاوزة بذلك أكثر الدفاعات الجوية تحصينًا.
ومن الناحية التقنية، تعتمد صواريخ توماهوك في تحليقها على ارتفاعات منخفضة جدًا وبسرعات دون صوتية عالية، إذ تُوجّه عبر مسارات مراوغة باستخدام أنظمة توجيه متعددة ومخصصة للمهام. وقد شهدت المنظومة تطورًا بارزًا في نسختها الرابعة المعروفة باسم "توماهوك التكتيكي" (TACTOM)، إذ زُوّدت بوصلة بيانات متطورة تتيح لها تغيير الأهداف أو تعديل المسار فورًا أثناء الطيران.
وخضعت لأكثر من 550 اختبار طيران، واستُخدمت عملياتيًا في أكثر من 2350 مرة منذ استخدامها القتالي الأول في حرب الخليج الثانية عام 1991. كما استُخدمت خلال الضربات التي شنّتها القوات الأميركية والبريطانية ضد مواقع الحوثيين في اليمن عام 2024، وصولًا إلى توظيفها في العمليات العسكرية الجارية ضد أهداف داخل إيران خلال العدوان الجاري.
وعلى الرغم من امتلاك دول أخرى غير الولايات المتحدة لصواريخ توماهوك، إلا أن أيًّا من تلك الدول لا تشارك في العدوان الجاري ضد إيران، فمنذ التسعينيات، حصرت الحكومة الأميركية حق شراء هذه المنظومة في عدد محدود جدًا من حلفائها الاستراتيجيين، وتقتصر القائمة الرسمية للمشغلين الدوليين حاليًا على المملكة المتحدة، وأستراليا، واليابان، وهولندا فقط، وفقًا للمصادر الرسمية. وبحكم حالة العداء التاريخي وسلسلة العقوبات الشاملة المفروضة من واشنطن، تظل إيران مستبعدة تمامًا من أي اتفاقيات بيع أو نقل تكنولوجي.
ويعود التعاون بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في برنامج صواريخ توماهوك إلى عام 1995، عندما أبرمت الحكومتان اتفاقية ضمن إطار المبيعات العسكرية الخارجية، حصلت بموجبها بريطانيا على 65 صاروخًا من طراز Block 3، لتصبح أول دولة خارج الولايات المتحدة تقتني هذا النظام.
ولاحقًا، في عام 2006، اشترت المملكة المتحدة 65 صاروخًا إضافيًا من طراز Block 4 مزوّدًا بإمكانية الإطلاق عبر أنابيب الطوربيد، وبدأ تسليم هذه الصواريخ إلى القوات البريطانية في عام 2008.
وفي عام 2022، أعلنت وزارة الدفاع البريطانية عن عقد بقيمة 265 مليون جنيه إسترليني مع الحكومة الأميركية، لترقية مخزون البحرية الملكية من صواريخ توماهوك للهجوم الأرضي (TLAM). تهدف هذه الاتفاقية إلى تسليح غواصات فئة "أستوت" (Astute-class) بالنسخة الأحدث "Block V" المحسنة، ما يضمن بقاء السلاح فعّالًا ضد التهديدات المستقبلية.
أما اليابان، فقد أصدرت وزارة الخارجية الأميركية قرارًا، في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، بالموافقة على صفقة لبيع منظومة أسلحة توماهوك، ومعدات ذات صلة للحكومة اليابانية، بتكلفة تقديرية بلغت 2.35 مليار دولار.
وشمل الطلب الياباني، حينها، شراء 400 صاروخ توماهوك "200 من طراز Block IV و200 من طراز Block V"، بالإضافة إلى 14 نظامًا للتحكم التكتيكي في الأسلحة. كما تضمنت الصفقة الدعم الفني للمنظومة، ومراكز برامج توزيع المهام، والحاويات، إلى جانب دراسات الجدوى والبرمجيات اللازمة لتشغيل المنظومة.
وفيما يتعلق بأستراليا، فقد أعلنت حكومتها في بيان صحفي رسمي صادر عن وزارة الدفاع، بتاريخ 21 أغسطس/آب 2023 عن قرار شراء أكثر من 200 صاروخ توماهوك كروز من الولايات المتحدة، بقيمة تقارب 1.3 مليار دولار.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2024، دخلت أستراليا التاريخ العسكري كـثالث دولة في العالم بعد الولايات المتحدة والمملكة المتحدة تطلق صاروخ توماهوك بنجاح، إذ أطلقت المدمرة "HMAS Brisbane" بإطلاق الصاروخ خلال تجارب تقييمية أجريت قبالة سواحل الولايات المتحدة.
أما فيما يتعلق بهولندا، فقد وافقت وزارة الخارجية الأميركية، في إبريل/نيسان 2025، على صفقة محتملة لبيع صواريخ توماهوك للهجوم البري بقيمة تقديرية تبلغ 2.19 مليار دولار. وشمل الطلب شراء 163 صاروخًا من طراز "Block V" و12 صاروخًا من طراز "Block IV"، بالإضافة إلى صواريخ مخصصة لقياس البعد وأنظمة التحكم التكتيكي في الأسلحة. كما تضمنت الصفقة حزمة واسعة من المعدات التقنية واللوجستية.
عقوبات أميركية على إيران
وما يعزز استحالة امتلاك إيران صاروخًا مثل توماهوك هو العقوبات الأميركية، فمن خلال مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية "OFAC"، تدير الولايات المتحدة وتفرض حظرًا تجاريًا شاملًا ضد إيران، كما هو منصوص عليه في لوائح المعاملات والعقوبات الإيرانية "31 C.F.R. الجزء 560 - ITSR".
وعادةً ما تحظر لوائح ITSR معظم المعاملات التجارية أو المالية المباشرة أو غير المباشرة مع إيران من قبل أشخاص أميركيين أو داخل الولايات المتحدة، ما لم يكن ذلك مصرحًا به من قبل "OFAC" أو معفى بموجب القانون.
علاوة على ذلك، وبموجب ITSR، يُحظر على الأشخاص الأميركيين عمومًا الانخراط في أي صفقة أو معاملة تشمل حكومة إيران أو المؤسسات المالية الإيرانية، وهم ملزمون بحجب ممتلكات ومصالح هؤلاء الأشخاص إذا دخلت تحت حيازة أو سيطرة شخص أميركي، ما لم تكن المعاملات معفاة أو مصرحًا بها من قبل "OFAC".
وبموجب ITSR أيضًا، يُحظر على الأشخاص غير الأميركيين إعادة تصدير أي سلع أو تقنيات أو خدمات تم تصديرها من الولايات المتحدة من دولة ثالثة، بشكل مباشر أو غير مباشر، إذا أولًا تم ذلك بعلم أو بوجود سبب للاعتقاد بأن إعادة التصدير موجهة خصيصًا إلى إيران أو حكومة إيران، وثانيًا كان المنتج خاضعًا لمتطلبات ترخيص التصدير الأميركية. وينطبق هذا الحظر على إعادة التصدير من قبل غير الأميركيين الذين يملكون عناصر مصنوعة في الخارج تحتوي على محتوى خاضع للرقابة الأميركية بنسبة 10 بالمئة أو أكثر من حيث القيمة.
ماذا لو امتلكت إيران صاروخ توماهوك؟
ووفقًا للتقارير، فحتى في حال تمكنت إيران بطريقة ما من الحصول على صاروخ توماهوك، فإن تشغيله يتطلب معدات تقنية متخصصة وقدرات لبرمجة مسارات الطيران وتحميل هذه البيانات إلى حاسوب الصاروخ، وهي أنظمة معقدة ضرورية لتهيئته قبل الإطلاق. كما يتطلب ذلك أيضًا منصة إطلاق متوافقة قادرة على إطلاق الصاروخ دون التسبب في تلفه.
كذلك، تتطلب الولايات المتحدة من جميع الدول المتلقية للمواد أو الخدمات الدفاعية الأميركية الحصول على موافقة خطية مسبقة من وزارة الخارجية قبل إعادة نقل هذه المواد أو التصرف فيها لأي "طرف ثالث". تهدف هذه الإجراءات لضمان بقاء الأسلحة تحت سيطرة الجهات المصرح لها حصرًا، ومنع وصول التقنيات الحساسة إلى وجهات غير معتمدة أو معادية.
وتخضع عمليات نقل الأسلحة والمعدات الدفاعية الأميركية لأطراف ثالثة لرقابة صارمة من الكونغرس بموجب الفقرة 3(د) من قانون مراقبة تصدير الأسلحة (AECA). ويتطلب القانون تقديم إخطار رسمي للكونغرس قبل 30 يومًا من الموافقة على أي طلب نقل يتضمن معدات دفاع رئيسية (MDE) تبلغ قيمتها 14 مليون دولار فأكثر للدول غير الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أو 25 مليون دولار للدول الأعضاء في الناتو وحلفاء محددين مثل أستراليا واليابان. كما يشمل هذا الإلزام أي خدمات دفاعية أو تدريبية تتجاوز قيمتها 50 مليون دولار للدول خارج الحلف، و100 مليون دولار للدول الأعضاء والحلفاء المقربين.
كما لم تفقد الولايات المتحدة أي صواريخ "توماهوك سليمة" في حوادث سابقة مع إيران أو في مناطق يمكن لإيران الوصول إليها وتفكيكها. وعلى عكس بعض التقنيات الأخرى، مثل طائرة الدرون RQ-170 التي سقطت في إيران، لا يوجد دليل على حصول إيران على صاروخ توماهوك سليم يمكن هندسته عكسيًا واستخدامه.
هل إيران هي من قصفت مدرسة "الشجرة الطيبة" كما زعم ترامب؟
وفيما يتعلق بادعاء ترامب بأن إيران هي من قصفت المدرسة، فقد أجرى مسبار تحليلًا للصاروخ الذي سقط في مجمع "سيد الشهداء"، الذي يضم المدرسة، وتوصّل إلى وجود تطابق هندسي مع صاروخ توماهوك، لا سيما في تصميم الأجنحة الوسطى القصيرة وشكل الرأس الانسيابي المميز.
وعززت هذه النتيجة مقاطع فيديو تُظهر إطلاق الصاروخ من سفن أميركية منتشرة في المنطقة، إذ يظهر تشابه واضح في شكل جسم الصاروخ.
وقارن مسبار صور حطام الصاروخ الذي استهدف المدرسة، والتي نشرها الصحفي الإيراني علي رضا أكبري، وتضمنت أجزاءً إلكترونية وهيدروليكية. وأظهرت الصور أن الصاروخ صناعة أميركية، إذ تظهر عبارة "Made in USA" على بعض مكوناته.
كما قارن مسبار الحطام المنشور بحطام سابق لصواريخ مشابهة في مناطق مثل سوريا واليمن، ووجد تشابهًا واضحًا بين الحطام الذي عُثر عليه في محيط المدرسة وصاروخ توماهوك.
اقرأ/ي أيضًا
مسبار يحدد نوع الأسلحة التي تستخدمها أميركا وإسرائيل في الهجوم المشترك على إيران
مدرسة ميناب الإيرانية.. حملة رقمية تُحمّل طهران مسؤولية المجزرة




























