كيف تحول حادث عشاء مراسلي البيت الأبيض إلى فرصة لتلميع وزير الحرب الأميركي؟
لم تأت موجة تمجيد بيت هيغسيث بعد محاولة الاغتيال الفاشلة في حفل مراسلي البيت الأبيض بمعزل عن سياق سياسي ضاغط على وزير الحرب الأميركي. فقبل الحادث، كان هيغسيث يواجه انتقادات متراكمة على أكثر من جبهة، من تداعيات استخدامه تطبيق Signal في نقاشات عسكرية حساسة، إلى القيود التي فرضها البنتاغون على عمل الصحفيين، مرورًا بانتقادات داخل الكونغرس حيال إدارة الحرب مع إيران وإقالة قيادات عسكرية بارزة.
في هذا السياق، حولت حسابات يمينية الحادثة إلى مادة دعائية لإعادة تثبيت صورة هيغسيث أمام جمهور ماغا.
وبدلًا من التركيز على الأسئلة الأمنية والسياسية التي أثارها الحادث، دفعت بسردية مغايرة، تقدمه كـ"محارب" و"حام" و"رجل قوي"، في محاولة لتحويل لحظة ارتباك إلى مشهد رمزي يخدم صورته وصورة إدارة ترمب.
ورصد فريق "مسبار" في التلفزيون العربي أكثر من 47 ألف منشور شارك فيها قرابة 30 ألف حساب، غلبت عليها هوية يمينية مؤيدة لترمب، واستخدمت شعارات ورموزًا مرتبطة بتيار ماغا، مثل MAGA، وAmerica First، وPatriot.
ويشير تحليل منحنى التفاعل والكلمات المفتاحية إلى موجة تضخيم رقمية سريعة، أعادت توجيه النقاش من الحادث وتداعياته إلى تمجيد حضور هيغسيث وسلوكه خلال الأزمة.
نمط التفاعل
أظهر منحنى التفاعل موجة استجابة سريعة عقب الحادث، إذ ارتفع عدد المنشورات بوتيرة حادة خلال فترة قصيرة في يومي 26 إلى 27 إبريل/نيسان الجاري، قبل أن يتراجع بالسرعة نفسها تقريبًا.
ويعكس هذا النمط حالة تعبئة رقمية مكثفة حول الحدث، لكنه لا يكفي وحده لإثبات وجود تنسيق منظم، ما لم يقترن بمؤشرات إضافية مثل تكرار الصياغات، أو تزامن النشر، أو تمركز التفاعل حول حسابات بعينها، وهو ما يكشفه تحليل مسبار.
وبحسب بيانات الرصد، تجاوز حجم التفاعل 47 ألف منشور، شارك فيها قرابة 30 ألف حساب، ضمن موجة غلب عليها الطابع اليميني المؤيد لترمب، وركزت على تجميل صورة وزير الحرب بيت هيغسيث ومدحه، بدل مناقشة تفاصيل الحادث وتداعياته الأمنية.
ويكشف تحليل هوية الحسابات والرموز المستخدمة في صفحاتها عن حضور بارز لحسابات مرتبطة بتيار ماغا واليمين الأميركي المؤيد لترمب، من خلال استخدام رموز وشعارات مثل العلم الأميركي، والصليب، وMAGA، وAmerica First، وPatriot.
كما ظهرت مشاركة محدودة لحسابات مؤيدة لإسرائيل، استُدل عليها من استخدام العلم الإسرائيلي أو رموز داعمة لإسرائيل، ما يشير إلى تقاطع جزئي بين بعض الحسابات اليمينية الأميركية والحسابات المؤيدة لإسرائيل في دفع السردية نفسها.
وعلى مستوى التوزيع الجغرافي، جاءت الولايات المتحدة في صدارة مصادر التفاعل بنسبة 88%، فيما توزعت النسبة المتبقية على عدد من الدول بنسب محدودة. ويعزز ذلك قراءة الحملة باعتبارها موجة تفاعل أميركية بالأساس، مع امتدادات خارجية هامشية من بلدان يرتفع فيها صوت اليمين الأوربي مثل بريطانيا.
الترويج لرمزية حضور هيغسيث
تركزت السردية الرئيسية في المنشورات على تحويل حضور بيت هيغسيث داخل قاعة الحفل إلى مشهد رمزي للقوة والحماية. ويظهر ذلك بوضوح في سحابة الكلمات، حيث برز اسمه بوصفه الكلمة الأكثر تداولًا، إلى جانب كلمات مثل Protect (يحمي)، وstand (يقف أو يثبت)، وrespond (يستجيب)، وinstinctively (بشكل غريزي)، وshield (يحمي أو يصد)، فضلًا عن عبارات ذات دلالة دعائية مثل Warrior mode (وضع المحارب)، وstrong men (رجال أقوياء)، وJames Bond vibes (أجواء جيمس بوند).
وتشير هذه المفردات إلى أن التفاعل لم ينشغل أساسًا بتفاصيل الحادث أو ثغراته الأمنية، بل ركز على بناء صورة بطولية لـهيغسيث، باعتباره شخصًا تحرك بسرعة، ووقف بثبات، وحاول حماية محيطه، خصوصًا مع تكرار عبارة pregnant wife (الزوجة الحامل)، التي ربطت السردية بين الفعل السياسي والبعد العائلي والذكوري المحافظ.
كما تكشف كلمات مثل Secret Service (الخدمة السرية)، وsecurity posture (الوضع الأمني أو الجاهزية الأمنية)، وshooter (مطلق النار)، وshooting (إطلاق النار)، وchaos and fear (الفوضى والخوف)، عن حضور خلفية أمنية في النقاش، لكنها لم تكن محور السردية.
إذ جرى استخدامها غالبًا كإطار لإبراز رد فعل هيغسيث، لا لمساءلة ما حدث أو تحليل أسبابه. وبذلك أعادت الحسابات تأطير لحظة الفوضى من حادث أمني محرج إلى مشهد دعائي ينسجم مع خطاب تيار ماغا حول القوة، والحماية، والشجاعة، والاستعداد للمواجهة.
برزت ضمن موجة التفاعل حسابات يمينية مؤثرة وأخرى محدودة الانتشار، ساهمت بدرجات متفاوتة في دفع السردية التي قدمت بيت هيغسيث بوصفه شخصية حاسمة وشجاعة خلال الحادث.
من بين هذه الحسابات، ظهر حساب Kentucky Girl، وهو حساب يميني مجهول الهوية يتبنى خطابًا مناوئًا لما يعرف داخل اليمين الأميركي بتعبير RINO، أي Republican In Name Only، ويستخدمه أنصار التيار المحافظ المتشدد لوصف الجمهوريين الذين يرون أنهم لا يمثلون الخط اليميني الحقيقي. نشر الحساب أربع تغريدات عقب الحادث، ركزت على تمجيد سلوك هيغسيث وتصويره كشخصية شجاعة ومسيطرة على الموقف.
كما شاركت Bethany S. Mandel، وهي كاتبة وشخصية معروفة في التيار المحافظ الأميركي، بتغريدة حظيت بتفاعل واسع، قدمت فيها ستيفن ميلر وبيت هيغسيث في صورة أبطال خلال لحظات الفوضى داخل القاعة.
وفي السياق نفسه، برزت Isabel Brown، وهي ناشطة سياسية محافظة ومن الوجوه الشابة المعروفة في اليمين الأميركي، عبر تغريدة أعادت تقديم رموز تيار ماغا والمقربين من ترمب، ومنهم ستيفن ميلر وبيت هيغسيث، في إطار إيجابي يمجد حضورهم ورد فعلهم خلال الحادث.
وظهر حساب Arsen Ostrovsky، وهو محام إسرائيلي ينشط ضمن اللوبي الاسرائيلي بالأمم المتحدة، لاقت تغريدته التي وصف فيها هجسيث بالجندي المحارب رواجا واسعا.
وإلى جانب هذه الحسابات الأكثر حضورًا، رصد التحليل انتشار منشورات صادرة عن حسابات أقل شهرة لكنها حققت رواجًا واسعًا حول بيت هيغسيث مثل @JayTC53 وKelFitton@ و@perlinaino والأخير يعرّف نفسه بأنه حساب يدار بالذكاء الاصطناعي.
مؤشرات حسابات مشبوهة
أظهر تحليل الحسابات المشاركة وجود مجموعة من الحسابات ذات مؤشرات سلوك غير طبيعي، خصوصًا تلك التي كررت أنماطًا محددة من النشر أو التفاعل عشرات المرات.
وأجمعت على وصف الوزير بالمحارب مثل جملة "This is the face of a warrior" الجملة التي بدأتها الحسابات الرئيسية في النقاش ثم ضخمتها الحسابات المشبوهة ولاقت تفاعلًا كبيرًا، وبحصر التفاعلات حول تلك الكلمات ينتج 10 ألاف منشور بمشاركة قرابة 6 آلاف حساب في التضخيم والترويج لها.
وجرى حصر جانب من هذه الحسابات استنادًا إلى انخفاض عدد متابعيها، إذ لم يتجاوز نحو 4 آلاف حساب منها حاجز 100 متابع. ورغم محدودية انتشار هذه الحسابات، فقد ساهمت في تضخيم أكثر من 6 آلاف منشور ضمن الموجة المرصودة.
اقرأ/ي أيضًا
بعد صدامه مع تل أبيب وواشنطن.. حملة رقمية تستهدف رئيس الوزراء الإسباني
بعد سقوط "تريتون".. هل أعاد الجيش الأميركي نشر مسيّرة جديدة برقم التسجيل نفسه؟





























