كيف توظف جمهورية صربسكا شبكات ضغط مرتبطة بإسرائيل لدعم أجندتها السياسية في واشنطن؟
في 23 يونيو/حزيران الفائت، زارت جيلكا تسفيانوفيتش، العضو الصربي في رئاسة البوسنة والهرسك، إسرائيل، حيث التقت رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية غيدون ساعر، وشاركت في قمة سياسية دولية عُقدت هناك.
لم تقتصر الزيارة على الطابع البروتوكولي، إذ أظهرت الصور الرسمية المنشورة خلال اللقاءات تسفيانوفيتش أمام علم جمهورية صربسكا (Republika Srpska)، من دون ظهور علم البوسنة والهرسك، الدولة التي تمثلها رسميًا بصفتها عضوًا في رئاستها الثلاثية.
ودفع غياب علم البوسنة والهرسك وزارة الخارجية في سراييفو إلى إرسال مذكرة احتجاج إلى إسرائيل، معتبرة أن المشهد منح كيانًا داخليًا مظهر التمثيل الرسمي، بما يمس سيادة البوسنة والهرسك ورموزها المعترف بها دوليًا.
في هذا السياق، تتبع فريق مسبار في التلفزيون العربي وثائق قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في وزارة العدل الأميركية (FARA)، وراجع عقود جمهورية صربسكا في واشنطن، وحدد الشركات والشخصيات التي تولت تمثيلها، والأهداف التي نصت عليها الوثائق، ومن بينها رفع العقوبات، ومراجعة اتفاقية دايتون، وتقليص دور مكتب الممثل السامي، والدفع نحو انسحاب قوات الاتحاد الأوروبي في البوسنة والهرسك (EUFOR)، وتوسيع الحضور الإعلامي باللغة الإنجليزية.

جمهورية صربسكا واتفاقية دايتون
لفهم دلالة المشهد، لا بد من العودة إلى بنية البوسنة والهرسك التي تشكلت بعد حرب 1992-1995. فمع تفكك يوغوسلافيا، أعلنت البوسنة والهرسك استقلالها عقب استفتاء أيّده أساسًا البوشناق والكروات، بينما قاطعته القيادة الصربية ورفضت نتائجه.
وأعقب ذلك اندلاع حرب ارتكبت خلالها قوات صرب البوسنة، بدعم من بلغراد، جرائم واسعة النطاق ضد المدنيين، من بينها حملات تطهير عرقي وإبادة جماعية، كان أبرزها مجزرة سربرنيتسا عام 1995.
أنهت اتفاقية دايتون للسلام الحرب في العام نفسه، وأرست نظامًا سياسيًا معقدًا قسّم البوسنة والهرسك إلى كيانين يتمتعان بحكم ذاتي واسع: اتحاد البوسنة والهرسك، وجمهورية صربسكا، إضافة إلى مقاطعة برتشكو ذات الوضع الخاص.
ومنذ ذلك الحين، تعاملت قيادة جمهورية صربسكا، وفي مقدمتها ميلوراد دوديك وحلفاؤه، مع الكيان بوصفه قاعدة سياسية قابلة للتوسع، لا مجرد وحدة داخل الدولة، عبر تعطيل مؤسسات الحكم المركزية في سراييفو، والطعن في صلاحيات مكتب الممثل السامي الدولي، والتلويح المتكرر بخيار الانفصال.
في هذا السياق، تكتسب زيارة تسفيانوفيتش إلى إسرائيل أهمية خاصة، إذ تسلط الضوء على مسار أوسع تعمل فيه قيادة جمهورية صربسكا على توظيف علاقات سياسية وشبكات ضغط مرتبطة بإسرائيل واليمين الأميركي داخل واشنطن.
وتُظهر وثائق الضغط السياسي أن أهداف هذه الشبكة لا تقتصر على تحسين صورة جمهورية صربسكا، بل تشمل رفع العقوبات عن كبار مسؤوليها، وإضعاف أدوات اتفاقية دايتون، وتقليص دور الممثل السامي الدولي، بما يخدم رؤية قيادة جمهورية صربسكا، التي تسعى إلى تثبيت استقلالها السياسي تدريجيًا.
شبكة الضغط لصالح جمهورية صربسكا في واشنطن
تكشف ملفات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في وزارة العدل الأميركية (FARA) عن حملة ضغط تعمل لصالح جمهورية صربسكا، أحد الكيانين المكوّنين للبوسنة والهرسك، بهدف التأثير في موقف واشنطن من قيادة الكيان وموقعه داخل النظام السياسي الذي أرسته اتفاقية دايتون.
بدأت هذه الحملة، وفق وثائق قانون تسجيل الوكلاء الأجانب في وزارة العدل الأميركية، في يناير/كانون الثاني 2025، مع تسجيل شركة Zell & Associates International Advocates LLC اتفاقًا لتمثيل جمهورية صربسكا في الولايات المتحدة.
ويقود الشركة المحامي الإسرائيلي الأميركي إل. مارك زيل، بالتعاون مع BSI Public Affairs وBSI International Consulting.
وفي مارس/آذار 2026، أودعت نسخة محدثة من الاتفاق لدى وحدة (FARA)، تظهر فيها جمهورية صربسكا (Republika Srpska) بوصفها الجهة الأجنبية المسجلة، وشركة زيل بوصفها المسجل والواجهة القانونية للحملة في واشنطن.
وتعرض الوثائق زيل بصفته موقّعًا على اتفاقات التمثيل، وجهة الاتصال الرئيسية مع وزارة العدل الأميركية. وتحدد الاتفاقية نطاق عمل واسعًا يشمل الخدمات القانونية، والعلاقات الحكومية، والاتصالات الاستراتيجية، والعلاقات الإعلامية، والدبلوماسية العامة داخل الولايات المتحدة.
بهذا المعنى، لا تقتصر مهمة الشركة على ترتيب اللقاءات أو فتح قنوات التواصل، بل تشمل استراتيجية تأثير تستهدف صانعي القرار، والدوائر السياسية، والرأي العام الأميركي.

المعادن النادرة ورفع العقوبات ضمن أهداف الحملة
ما الذي تريده جمهورية صربسكا من واشنطن؟ وفق اتفاقية التمثيل المسجلة لدى وزارة العدل الأميركية، تبدأ الحملة بمحاولة فتح حوار مع إدارة ترامب الثانية، والارتقاء بالعلاقة مع الولايات المتحدة إلى شراكة سياسية واقتصادية أوسع. وتعرض الوثيقة التعاون في استكشاف وتطوير المعادن الأرضية النادرة في جمهورية صربسكا بوصفه مدخلًا اقتصاديًا لهذا التقارب.
غير أن هذا المدخل الاقتصادي يرتبط أيضًا بهدف سياسي، إذ تربط الوثيقة الانفتاح على واشنطن بتحول في السياسة الأميركية تجاه جمهورية صربسكا وقيادتها، ورفع العقوبات المفروضة على ميلوراد دوديك، وأفراد من عائلته، وشركات ومسؤولين في الكيان، إضافة إلى جيلكا تسفيانوفيتش، العضو الصربي في رئاسة البوسنة والهرسك.
وفي 29 أكتوبر/تشرين الأول 2025، حدّث مكتب مراقبة الأصول الأجنبية الأميركي (OFAC) قائمة العقوبات، وأزال ميلوراد دوديك وعددًا من حلفائه وأفراد عائلته وشركات مرتبطة بهم منها، بالتزامن مع حملة الضغط المسجلة في واشنطن.
وكانت الولايات المتحدة فرضت عقوبات على دوديك وشبكته خلال السنوات السابقة، بدءًا من إدراجه عام 2017 بسبب عرقلة اتفاقية دايتون، ثم إدراجه مجددًا عام 2022 بسبب تقويض مؤسسات البوسنة والهرسك والفساد، قبل توسيع العقوبات لاحقًا لتشمل أفرادًا من عائلته، وشركات، وممكّنين ماليين وسياسيين. ونقلت رويترز أن واشنطن لم تقدم تفسيرًا علنيًا مفصلًا للقرار.

وتُظهر وثائق (FARA) أن رفع العقوبات كان هدفًا معلنًا للحملة، وأن القرار الأميركي صدر خلال الفترة نفسها التي وسّعت فيها جمهورية صربسكا نشاطها في واشنطن. وبين الهدف المعلن والتوقيت المتزامن، لا يوجد دليل يثبت وجود علاقة سببية بين الأمرين.
ولا تقتصر أهداف الحملة على ملف العقوبات، إذ تدعو الوثيقة إلى إعادة فتح النقاش الأميركي حول اتفاقية دايتون بعد ثلاثة عقود من تطبيقها، مع تركيز خاص على الملحق العاشر المتعلق بمكتب الممثل السامي الدولي.
كما تدفع باتجاه سحب "صلاحيات بون"، ووضع جدول زمني لإغلاق المكتب، والضغط من أجل انسحاب تدريجي ومنظم لقوات الاتحاد الأوروبي في البوسنة والهرسك (EUFOR)، التي تصفها وثيقة جمهورية صربسكا بأنها عامل يكرس استمرار التدخل الأوروبي وتدخلات مكتب الممثل السامي في شؤون الكيان.
وتُوضّح نسخة محدثة من الاتفاق، أودعت في مارس 2026، توسعًا في الشق الإعلامي، إذ تُكلَّف الشركة بتنشيط حضور جمهورية صربسكا باللغة الإنجليزية، خصوصًا عبر منصة X، وتطوير رسائل منسقة، وإبراز لقاءات قيادتها مع شخصيات دولية، وتعزيز التواصل مع جاليات الشتات، إضافة إلى التعاون مع مؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي. وتهدف هذه الأنشطة إلى توسيع حضور سردية جمهورية صربسكا لدى الجمهور الأميركي.

أما ماليًا، فتُبيّن نسخة عام 2026 من عقد شركة Zell & Associates International Advocates LLC، المسجلة لدى قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA) برقم 7517، أن قيمة بعض بنود الأتعاب والمصروفات حُجبت في النسخة المنشورة لدى وزارة العدل الأميركية.
ويشمل الحجب بند الأتعاب الأساسية، والمصروفات المصرح بها، وخيار نفقات الإعلام والاتصالات. ولا تتيح الوثائق المنشورة وحدها معرفة سبب هذا الحجب أو الجهة التي طلبته.
في المقابل، تكشف ملفات أخرى مرتبطة بالحملة عن مدفوعات لمتعاقدين فرعيين ومستشارين عملوا ضمن شبكة شركة زيل. ففي ملف Becker & Poliakoff، المسجل لدى قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA) برقم 7089، تظهر الشركة ممثلة لجمهورية صربسكا، كما يتضمن الملف اتفاقًا منفصلًا تعاقدت بموجبه Zell & Associates مع Becker & Poliakoff لتقديم استشارات فيدرالية مرتبطة بتمثيل جمهورية صربسكا، مقابل 40 ألف دولار شهريًا.

توسع شبكة الضغط لصالح جمهورية صربسكا
لم يقتصر نشاط الضغط على عقد شركة زيل. ففي 3 أكتوبر، سُجل لدى وزارة العدل الأميركية عقد بين شركة "ديكنز ومادسون كندا"، التي يرأسها رجل الأعمال الإسرائيلي الكندي آري بن ميناشي، وملادن فيليبوفيتش، مدير ممثلية جمهورية صربسكا في فيينا.
ويفصل العقد طبيعة الخدمات، وتشمل الضغط على الإدارة الأميركية ووزارة الخزانة لرفع مسؤولي صرب البوسنة من قوائم العقوبات، والتواصل مع السعودية والإمارات والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وحكومات أخرى، والترويج لميلوراد دوديك، والدفع باتجاه استقلال جمهورية صربسكا عن البوسنة والهرسك، وإنهاء دور مكتب الممثل السامي.
وتشير الملفات إلى أن جمهورية صربسكا دفعت للشركة نحو أربعة ملايين دولار مقابل هذه الخدمات.
ولم تقتصر شبكة الضغط على هاتين الشركتين، إذ وُقع في فبراير/شباط 2026 عقد بقيمة 30 ألف دولار شهريًا مع السفير الأميركي الأسبق جوناثان مور. كما شهد أبريل/نيسان 2026 زيارة دونالد ترامب الابن إلى بانيا لوكا، في خطوة تعكس تنامي التواصل مع شخصيات من اليمين الأميركي.
وتتوافق هذه الوثائق مع ما خلص إليه تحقيق نشره مشروع الإبلاغ عن الجريمة والفساد (OCCRP)، الذي أفاد بأن جمهورية صربسكا أنفقت ما لا يقل عن 8.9 مليون دولار على 11 شركة ضغط وعلاقات عامة في واشنطن خلال عامي 2025 و2026، بهدف تحسين صورتها، وبناء دعم دولي لمشروع الانفصال، واستهداف المؤسسات المنبثقة عن اتفاقية دايتون.
استقالة شميت في سياق أهداف الحملة
وفق تحقيق مشروع الإبلاغ عن الجريمة والفساد (OCCRP)، ركز جزء من حملة الضغط على الدبلوماسي الألماني كريستيان شميت، الممثل السامي الدولي المسؤول عن مراقبة تنفيذ اتفاقية دايتون.
وكان شميت قد استخدم صلاحياته لإلغاء قوانين انفصالية اعتُبرت غير دستورية، فيما كان ميلوراد دوديك يصفه علنًا بـ"السائح غير الشرعي".
وفي مايو/أيار 2026، أعلن شميت استقالته أمام مجلس الأمن الدولي، واصفًا إياها بأنها "قرار شخصي". وتُظهر الوقائع الموثقة وجود حملة ضغط تناولها تحقيق OCCRP واستهدفت شميت، في حين نسب الأخير استقالته إلى دوافع شخصية.
وتشير الوقائع إلى أن اثنين من الأهداف المعلنة في وثائق الحملة شهدا تطورات خلال الفترة نفسها، هما رفع العقوبات عن ميلوراد دوديك، وإعلان كريستيان شميت استقالته. ولا تكفي هذه الوقائع وحدها لإثبات وجود علاقة سببية بين الحملة وهذه النتائج.
الشخصيتان الرئيسيتان في شبكة الضغط
يتصدر شبكة الضغط شخصيتان لعبتا دورًا بارزًا في العقود والاتفاقيات التي تناولتها الوثائق، ولكل منهما خلفية مهنية وسياسية تساعد على فهم موقعه في هذه الحملة.
إل. مارك زيل محامٍ إسرائيلي أميركي يرأس الفرع الإسرائيلي لمنظمة "الجمهوريون في الخارج"، ويشغل موقعًا داخل شبكات الحزب الجمهوري.
وشارك عام 2003 في تأسيس "مجموعة القانون الدولي العراقي" مع سالم الجلبي، كما أسس سابقًا شركة محاماة وضغط مع نائب وزير الدفاع الأميركي الأسبق دوغلاس فايث.
ويُعرف زيل بتأييده للرئيس الأميركي دونالد ترامب؛ إذ صرح خلال حملة عام 2016 بأن النصوص الدينية اليهودية توقعت فوزه، كما رفض الاعتراف بخسارته في انتخابات 2020.
وفي مقال رأي شارك في كتابته لموقع JNS، عرض تصوره للصراع في البوسنة والهرسك بوصفه مواجهة بين مؤسسات يقودها البوشناق وجمهورية صربسكا، منتقدًا مكتب الممثل السامي، وداعيًا الكونغرس إلى مقاطعة فعاليات قال إنها تخدم النفوذ الإيراني في البوسنة.

أما آري بن ميناشي فهو رجل أعمال إسرائيلي كندي، وُلد في إيران لأبوين من يهود العراق، وعمل سابقًا في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.
وارتبط اسمه بقضية إيران-كونترا؛ إذ كشف عام 1986 معلومات عن شحنات أسلحة أميركية إلى إيران خلال حربها مع العراق، نُشرت في مجلة "الشراع" اللبنانية قبل أن تتكشف القضية.
وفي عام 1989، اعتُقل في الولايات المتحدة بتهمة محاولة بيع طائرات نقل عسكرية إلى إيران، قبل أن تبرئه هيئة المحلفين بعد اقتناعها بأنه كان يعمل بتوجيهات إسرائيلية.
وتفيد سجلات الشركة أنها قدمت خدمات ضغط وتمثيل لعدد من الجهات المثيرة للجدل خلال السنوات الماضية. فقد تعاقدت عام 2019 مع قائد قوات الدعم السريع السوداني محمد حمدان دقلو "حميدتي"، ثم مع المجلس العسكري في ميانمار عقب انقلاب عام 2021، كما سعت لاحقًا إلى لعب دور في ترتيبات تتعلق بحكم غزة. وتأتي جمهورية صربسكا ضمن هذا السياق بوصفها إحدى الجهات التي تعاقدت مع الشركة خلال فترة كانت تواجه فيها قيادتها عقوبات أميركية.
بعد ثلاثة عقود على توقيع اتفاقية دايتون، تواصل جمهورية صربسكا حملة ضغط موثقة في واشنطن، بينما تشمل أهدافها المعلنة إغلاق مكتب الممثل السامي، وانسحاب قوات الاتحاد الأوروبي في البوسنة والهرسك (EUFOR)، وإعادة فتح النقاش بشأن اتفاقية دايتون. وخلال الفترة نفسها، رُفعت العقوبات عن ميلوراد دوديك، وأعلن كريستيان شميت استقالته، من دون أن تثبت الوثائق وجود علاقة سببية بين هذه التطورات والحملة.
وتوضح الوثائق أن هذا النشاط لم يقتصر على تحسين صورة جمهورية صربسكا، بل امتد إلى محاولة التأثير في ملفات سياسية مرتبطة بموقعها داخل البوسنة والهرسك ومستقبل اتفاقية دايتون.
اقرأ/ي أيضًا
صور أقمار صناعية تظهر زيادة في عدد طائرات التزود بالوقود الأميركية في مطار رامون
المصادر








































