أخبار

قبل انتزاع البندقية.. كيف غيّبت الرواية الإسرائيلية بداية هجوم بلدة تل؟

فريق تحرير مسبارفريق تحرير مسبار
date
٢٧ يوليو ٢٠٢٦
آخر تعديل
date
١١:٢٤ ص
٢٧ يوليو ٢٠٢٦
قبل انتزاع البندقية.. كيف غيّبت الرواية الإسرائيلية بداية هجوم بلدة تل؟
أُعيد تقديم المواجهة في الرواية الإسرائيلية بعد انتزاع البندقية |مسبار

شهدت بلدة تل، جنوب غربي نابلس، صباح الجمعة الفائتة 24 يوليو/تموز، هجومًا نفذه عشرات المستوطنين، أعقبه إطلاق نار شارك فيه مستوطنون وجنود من جيش الاحتلال، وأسفر عن سقوط أربعة فلسطينيين وإصابة أربعة آخرين، ومقتل عسكريين إسرائيليين وإصابة اثنين آخرين.

وقال الرئيس السابق لمجلس قروي تل، نعمان صالح، إن الأهالي تلقوا في البداية معلومات عن مهاجمة مستوطنين منازل في المنطقة الشرقية من البلدة، فتوجه عدد منهم إلى الموقع، قبل إبلاغهم بانسحاب المهاجمين.

وبعد ورود معلومات عن انتقال المستوطنين إلى المنطقة الغربية، توجه السكان إليها، حيث بدأت قوات الاحتلال، وفق شهادته، بإطلاق النار مباشرة باتجاههم، ما أدى إلى وقوع إصابات، بينها إصابات خطرة.

وأوضح صالح أن مناوشات بالأيدي اندلعت في البداية بين الأهالي والمستوطنين، قبل أن تتدخل قوات الاحتلال وتطلق النار باتجاه الفلسطينيين، فيما أفاد شهود آخرون بأن المستوطنين وصلوا إلى محيط المسجد وأطلقوا النار على الأهالي الذين حاولوا منعهم من التقدم داخل البلدة.

وقدم أمين سر حركة "فتح" في تل، عصام الصيفي، تفاصيل إضافية عن تسلسل الهجوم، موضحًا أن نحو 25 إلى 30 مستوطنًا هاجموا منزلين في المنطقة الشرقية، وحاولوا اقتحامهما، فتصدى لهم الأهالي وأجبروهم على الانسحاب.

وقال إن المستوطنين أطلقوا النار قبل مغادرتهم، ثم عادوا بعد نحو نصف ساعة، وهاجموا المنطقة الغربية، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات بالأيدي، قبل أن يطلق المستوطنون وجنود الاحتلال النار باتجاه الأهالي.

وأسفر هجوم المستوطنين وقوات الاحتلال على البلدة، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية، عن أربع ضحايا فلسطينيين من عائلة واحدة وإصابة أربعة آخرين، بينهم ثلاثة بجروح حرجة، فيما قُتل عسكريان إسرائيليان وأصيب اثنان آخران خلال المواجهة.

المشاهد توثق تسلسل المواجهة وموقعها في بلدة تل

أظهرت مقاطع مصورة، نشرتها حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل إعلام، جوانب متعددة من هجوم المستوطنين على بلدة تل وما أعقبه من مواجهة وإطلاق نار.

وتوثق المشاهد وجود مستوطنين مسلحين إلى جانب جنود من جيش الاحتلال في مواجهة مجموعة من أهالي البلدة، كما يظهر في أحدها إسرائيلي يرتدي ملابس مدنية يعتدي على فلسطيني، فيما توثق مقاطع أخرى إطلاق قوات الاحتلال النار باتجاه فلسطينيين في الموقع.

ويظهر التسلسل المصور أن الفلسطيني فاروق عدنان علي رمضان لم يكن يحمل سلاحًا قبل اندلاع الاشتباك بالأيدي، كما يظهر مستوطن مسلح يعتدي عليه مستخدمًا بندقيته، قبل أن يوجهها نحو فاروق والفلسطينيين الموجودين في المكان.

وخلال الاشتباك بالأيدي، انتزع فاروق البندقية من المستوطن وأطلق منها النار، قبل أن تطلق قوات الاحتلال النار عليه، ما أدى إلى مقتله.

وطابق فريق "مسبار" المقاطع المتداولة من خلال مقارنة ملابس الأشخاص وحركتهم ومواقعهم، إلى جانب العناصر الثابتة في المكان، وتبيّن أنها توثق المواجهة نفسها من زوايا مختلفة.

وشملت المطابقة أيضًا المقطع الذي يظهر لحظة انتزاع البندقية، وتبيّن أنه جزء من التسلسل المصور للواقعة نفسها.


ولتحديد موقع التصوير، حلل فريق "مسبار" المعالم البصرية الظاهرة في المقاطع، ومنها السور، وقبتا المسجد، وتوزيع المباني والأشجار، ثم طابقها مع صور الأقمار الصناعية والمعالم المتاحة عبر خرائط غوغل.

وأظهرت المطابقة أن الجزء المصور من الهجوم والمواجهة وقع عند الأطراف الجنوبية لبلدة تل، قرب المسجد، عند الإحداثيات الآتية:
32.193691112269505, 35.20989257557759.


كيف أعادت الرواية الإسرائيلية تقديم هجوم المستوطنين على بلدة تل؟

قدم جيش الاحتلال والحسابات الرسمية ووسائل الإعلام الإسرائيلية ما جرى، منذ البلاغات الأولى، بوصفه "هجومًا إرهابيًا قرب مستوطنة حفات جلعاد".

وزعمت الرواية الإسرائيلية الأولية أن مجموعة من "المتنزهين" الإسرائيليين تعرضت لهجوم فلسطيني قرب تل، قبل أن ينتزع أحد الفلسطينيين بندقية مسؤول أمني ويطلق النار.

أغفلت الرواية الإسرائيلية الإشارة إلى بداية الهجوم وتسلسله، إذ لم تذكر أن المستوطنين دخلوا أراضي بلدة تل وهاجموا منازل فيها، قبل انتقالهم إلى أطراف البلدة واندلاع المواجهة.

وربطت تغطيات إسرائيلية الواقعة مكانيًا بالبؤرة الاستيطانية "حفات جلعاد"، ووصفتها بأنها "هجوم قربها".

ورغم أن مسؤول الأمن الذي انتُزع منه السلاح يتبع لفرقة الحراسة في البؤرة، فإن ذلك لا يحدد موقع المواجهة.

وأظهر قياس أجراه فريق "مسبار" أن المسافة المباشرة بين موقع المواجهة المصورة وأقرب نقطة من البؤرة تبلغ 2.58 كيلومتر، وأن الموقع يقع شرقيها، داخل أراضي بلدة تل وقرب المسجد، وليس داخل "حفات جلعاد" أو عند مدخلها أو في محيطها المباشر.

واستخدمت الحسابات الرسمية الإسرائيلية مقاطع المواجهة بعد فصلها عن سياقها، فنشر حساب جيش الاحتلال الفيديو وصورًا مقتطعة منه، وقدم فاروق عدنان علي رمضان بوصفه "إرهابيًا"، زاعمًا أن المشاهد توثق اعتداءً ومحاولة لإثارة الفوضى، من دون إظهار ما سبق انتزاع السلاح.

كما وصف حساب الخارجية الإسرائيلية فاروق بأنه "إرهابي فلسطيني"، ونسب إليه قتل إسرائيليين اثنين، وربط الواقعة بخطاب أوسع يحمل السلطة الفلسطينية مسؤولية "إنتاج الإرهاب".

وبذلك أعادت الحسابات الرسمية الإسرائيلية تقديم المقطع على أنه توثيق لهجوم فلسطيني مستقل، وليس جزءًا من مواجهة بدأت بعد دخول المستوطنين أراضي البلدة واعتدائهم على سكانها.


ورغم استمرار جيش الاحتلال والحسابات الإسرائيلية في الترويج لرواية "الهجوم الإرهابي"، أظهر التحقيق الأولي للجيش أن المجموعة ضمت عشرات الإسرائيليين، بينهم أطفال، ودخلت المنطقتين "أ" و"ب" من دون التنسيق المطلوب، قبل أن تصل إلى الأطراف الجنوبية لبلدة تل قرب المسجد. ويحظر على الإسرائيليين دخول المنطقة "أ" بموجب الأوامر العسكرية الإسرائيلية، كما كانت الجولة تتطلب تنسيقًا مسبقًا مع الجيش.

كما أشار التحقيق إلى أن مستوطنين أطلقوا النار خلال المواجهة، مدعيًا أن الرصاص أُطلق في الهواء، ثم وصل مسؤول أمني وعضو في فرقة الحراسة التابعة لبؤرة "حفات جلعاد"، بالتزامن مع وصول قائد سرية وقائد فصيلة من جيش الاحتلال، قبل أن ينتزع فاروق البندقية من مسؤول الأمن ويطلق النار.

من حصار بلدة تل إلى دعوات التهجير وتوسيع الاستيطان

عقب هجوم المستوطنين الأخير على بلدة تل، فرض جيش الاحتلال طوقًا عسكريًا على البلدة، وأغلق حواجز وطرقًا مؤدية إلى مدينة نابلس، ودفع بتعزيزات عسكرية إلى المنطقة، كما ألغى إجازات جنوده في الضفة الغربية، وأعلن استعداده لتنفيذ عملية عسكرية واسعة.

وفي وقت لاحق، اقتحمت قوات الاحتلال مستشفى نابلس التخصصي واعتدت على طواقم قسم الطوارئ، قبل أن تعتقل شقيقين كان أحدهما يتلقى العلاج من إصابة. وقال الجيش إنه اعتقل فلسطينيين اثنين بدعوى مشاركتهما في المواجهة.

وعقب اجتماع أمني، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس سلسلة إجراءات شملت هدم منزل الفلسطيني فاروق عدنان علي رمضان، وتنفيذ عمليات عسكرية وجمع السلاح في قرى وصفاها بأنها "بؤر إرهاب"، وسحب تصاريح العمل من سكانها. 

كما تضمنت الإجراءات تعزيز قوات الاحتلال، وإقامة حواجز جديدة في أنحاء الضفة الغربية، وتسريع شرعنة المزارع الاستيطانية القائمة وإنشاء أخرى جديدة.

وتصاعد الخطاب الإسرائيلي إلى دعوات علنية للتهجير والتدمير، إذ دعا وزير المالية بتسلئيل سموتريتش إلى إخلاء القرى الفلسطينية المحيطة ببلدة تل من سكانها، وإقامة مستوطنات مكانها، وخص تل وعراق بورين وبيت فوريك بدعوته إلى إجلاء السكان وإزالة ما سماه "البنية التحتية للإرهاب".

كما طالب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بالتعامل مع القرى الفلسطينية كما تعامل جيش الاحتلال مع بيت حانون في قطاع غزة، وهدم منازل من وصفهم بالمنفذين ومؤيديهم.

وبالتزامن مع ذلك، امتدت هجمات المستوطنين إلى خمس قرى فلسطينية محيطة بنابلس. وفي فرعتا، شرق قلقيلية، أطلق مستوطنون مسلحون النار، وأحرقوا منزلين ومنشأة تجارية وأراضي زراعية، ما أدى إلى وقوع إصابات بين السكان. كما سجلت تقارير إحراق مركبات وأشجار خلال هجمات أخرى قرب قلقيلية.

وسبق الهجوم الأخير سجل متكرر من الاعتداءات على بلدة تل، فقبل ستة أيام فقط، أحرق مستوطنون منزلًا مأهولًا في الأطراف الجنوبية للبلدة ودمروه بالكامل. وفي 23 فبراير/شباط، تعرض مسجد أبو بكر الصديق في بلدة تل للحرق والتخريب على يد مستوطنين.

وتندرج اعتداءات بلدة تل وما أعقبها ضمن تصاعد غير مسبوق لعنف المستوطنين في الضفة الغربية. وحتى 11 يونيو، وثقت "أوتشا" أكثر من ألف اعتداء للمستوطنين أوقع إصابات أو ألحق أضرارًا بالممتلكات، وطاول أكثر من 230 تجمعًا فلسطينيًا، بمعدل ستة اعتداءات يوميًا، وهو أعلى معدل منذ بدء التسجيل.

كما نزح أكثر من 2200 فلسطيني منذ بداية العام بسبب عنف المستوطنين والقيود المفروضة على الوصول، فيما بلغ عدد المصابين في سياق اعتداءاتهم نحو 850 فلسطينيًا حتى 13 يوليو، بينهم قرابة 690 أصيبوا مباشرة على أيدي المستوطنين.

اقرأ/ي أيضًا

تزامنًا مع التصعيد الإقليمي.. 32 رحلة لطائرات عسكرية أميركية بين أوروبا والشرق الأوسط خلال 24 ساعة

على قمة جبل عيبال.. "مسبار" يتتبّع إنشاء مستوطنة إسرائيلية جديدة عبر الأقمار الصناعية

المصادر

كلمات مفتاحية

اقرأ/ي أيضًا

الأكثر قراءة

مؤشر مسبار
سلّم قياس مستوى الصدقيّة للمواقع وترتيبها
مواقع تم ضبطها مؤخرًا
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
publisher
عرض المواقع
bannar