بعد جدل اعتقال نتنياهو.. من قاد الحملة الرقمية ضد زهران ممداني؟
أعاد إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عزمه حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الجدل بشأن مذكرة الاعتقال الصادرة بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة.
وكان عمدة نيويورك، زهران ممداني، المعروف بمواقفه المنتقدة لإسرائيل والمؤيدة للحقوق الفلسطينية، قد تعهد خلال حملته الانتخابية باحترام المذكرة إذا زار نتنياهو المدينة.
لكنه أعلن، في 22 يوليو/تموز، بعد مراجعة قانونية، أن سلطات نيويورك لا تملك صلاحية تنفيذها بصورة مستقلة، داعيًا الحكومة الفيدرالية إلى التحرك.
وأثارت مواقف ممداني، رغم هذا التوضيح القانوني، موجة واسعة من الهجوم الرقمي، شاركت فيها شخصيات من اليمين الأميركي، وحسابات إسرائيلية وأخرى مؤيدة لإسرائيل، إلى جانب آلاف الحسابات منخفضة المتابعة.
وحلل فريق "مسبار" نحو 762 ألف منشور لرصد أبرز الجهات المشاركة، والسرديات المستخدمة، والمؤشرات التي قد تكشف عن تضخيم منسق للهجوم.
نمط التفاعل
أظهر تحليل المحتوى المنشور بين 17 و23 يوليو/تموز تصاعدًا تدريجيًا في النقاش حول زهران ممداني، وبدأت موجة الهجوم عقب نشر مقابلته مع صحيفة نيويورك تايمز، التي جدد خلالها موقفه الداعي إلى احترام مذكرة الاعتقال الصادرة بحق بنيامين نتنياهو، مع تأكيد التزام إدارته بالقوانين المحلية.
وأعقبت المقابلة تصريحات متبادلة، كان أبرزها إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن نتنياهو لن يُعتقل داخل الولايات المتحدة، قبل أن يوضح ممداني، في 22 يوليو، أن سلطات المدينة لا تملك صلاحية تنفيذ المذكرة بصورة مستقلة.

وخلال فترة الرصد، بلغ حجم المحتوى المرتبط بالنقاش حول القضية نحو 762.5 ألف منشور، شارك في نشرها قرابة 384 ألف حساب، ما يعكس اتساع نطاق التفاعل حولها.

وأظهر تحليل ملفات تعريف الحسابات المشاركة في الحملة حضورًا بارزًا لحسابات مرتبطة باليمين الأميركي وتيار "ماغا"، من خلال شعارات مثل MAGA وPatriot وAmerica First، إلى جانب العلم الأميركي ورموز دينية.
كما ظهرت حسابات تعلن تأييدها لإسرائيل باستخدام العلم الإسرائيلي وعبارات مثل Yisrael Chai. وتشير هذه المؤشرات إلى التوجهات المعلنة للحسابات، لكنها لا تثبت، بمفردها، انتماءها إلى شبكات منظمة أو ما يُعرف بـ"اللجان الإلكترونية".

وشكلت اللغة الإنجليزية نحو 90 في المئة من المحتوى المرصود، تلتها الإسبانية بنسبة 7 في المئة، ثم الفرنسية والبرتغالية بنحو 1 في المئة لكل منهما.


ومن بين الحسابات التي أمكن تحديد مواقعها الجغرافية، نُسبت 81 في المئة إلى الولايات المتحدة، مقابل 2 في المئة لكل من المكسيك وبريطانيا وكندا، و1 في المئة لكل من فرنسا والبرازيل.
السرديات المهيمنة
تكشف الكلمات والعبارات الأكثر تكرارًا في المحتوى المرصود أن الجدل تمحور أساسًا حول زهران ممداني، وبنيامين نتنياهو، وإمكان اعتقال الأخير في نيويورك، وحدود صلاحيات عمدة المدينة، مع حضور بارز للرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفه أحد أبرز الفاعلين في السجال.
وأظهر تحليل المنشورات اعتماد الحسابات المنتقدة لممداني على خمس سرديات رئيسية:
التشكيك في سلطته: ركزت السردية الأبرز على أن عمدة نيويورك لا يملك صلاحية تنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، استنادًا إلى عدم انضمام الولايات المتحدة إلى نظام روما الأساسي، ووصفت تعهده السابق بأنه استعراض سياسي يهدف إلى جذب الانتباه.
التحريض ضد الأصل: استحضرت حسابات معارضة أصول ممداني الأوغندية وخلفيته بوصفه مهاجرًا، واستخدمت عبارات تدعو إلى ترحيله أو سحب جنسيته، من بينها Deport وBe denaturalized وNot get naturalized. وانتقل الخطاب بذلك من انتقاد موقفه السياسي إلى الطعن في حقه بالانتماء والمواطنة.
الوصم الديني والأيديولوجي: ربطت منشورات بين ديانة ممداني ومواقفه السياسية، ووصفته بالإسلامي المتطرف والإرهابي والمؤيد لحماس، مع استخدام عبارات مثل Islamic terrorist وProphet Muhammad. كما تداخل ذلك مع خطاب يصوره شيوعيًا أو اشتراكيًا متطرفًا يهدد نمط الحياة الأميركي والملكية الخاصة.
ربطه بإيران: روّجت حسابات مزاعم عن تواصل ممداني مع النظام الإيراني، مستخدمة عبارات مثل Islamic Republic of Iran وIranian regime وDirect communication. كما طالبت بالتحقيق معه بموجب قانون لوغان، وقدمته بوصفه خطرًا محتملًا على الأمن القومي، رغم نفيه سعي إدارته إلى عقد لقاء مع ممثلين عن إيران.
وصمه بالفشل: حاول خطاب آخر نقل الجدل من موقف ممداني تجاه نتنياهو إلى أدائه في إدارة نيويورك، من خلال اتهامه برفع الضرائب والأسعار والإيجارات، ومهاجمة سياساته الاقتصادية، خصوصًا ضريبة الثروة وإدارة المتاجر العامة. وهدفت هذه السردية إلى تصوير موقفه من نتنياهو باعتباره محاولة لصرف الانتباه عن مشكلات المدينة.

الحسابات المشاركة: اليمين الأميركي المتشدد
شارك في مهاجمة ممداني عدد من الحسابات المحسوبة على اليمين الأميركي المحافظ والمتشدد، واستحضر بعضها خلفيته بوصفه مهاجرًا مسلمًا من أصول أوغندية، مستخدمًا خطابًا يطعن في انتمائه ويدعو إلى ترحيله أو سحب جنسيته.
ومن أبرز المشاركين: د. معلوف، وبيني جونسون، وإريك دوغرتي، ولورا لومر، ودان برماوي، وحساب Kosher Cockney.
شخصيات سياسية أميركية
لم يقتصر الهجوم على المؤثرين والحسابات الخاصة، بل شاركت فيه شخصيات سياسية وحكومية بارزة، في مقدمتها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلى جانب عضوي مجلس الشيوخ تيم سكوت وتوم كوتون، والنائب الجمهوري راندي فاين، والسفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز. وركزت هذه الحسابات على غياب الأساس القانوني لتنفيذ مذكرة الاعتقال، وربطت موقف ممداني بأدائه في إدارة نيويورك.
حسابات إسرائيلية ومؤيدة لإسرائيل
شارك السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة، داني دانون، في مهاجمة ممداني، إلى جانب المدير التنفيذي لمنظمة "يو إن ووتش"، هيليل نوير، وعدد من الحسابات الخاصة والمؤيدة لإسرائيل، من بينها Vivid، وIsrael Army، وIsaac، وإيال يعقوبي، وRaylan Givens.
واستحضرت هذه الحسابات هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول، ومواقف ممداني من إسرائيل وحماس، إلى جانب اتهامه بتجاهل مخاوف الإسرائيليين واليهود في نيويورك.

حسابات مشبوهة
عند الانتقال من تحليل حجم التفاعل إلى سلوك الحسابات، كشف الرصد عن مجموعة مترابطة من المؤشرات التي ترسم نمطًا لافتًا في تضخيم الهجوم على ممداني، من أبرزها:
محدودية المتابعين: أظهر تصنيف الحسابات وفق عدد متابعيها مشاركة نحو 65 ألف حساب لا يتجاوز عدد متابعي كل منها 100 متابع، ما يشير إلى الدور الملحوظ للحسابات محدودة الانتشار.
حداثة الإنشاء: أظهر التوزيع الزمني لتواريخ إنشاء الحسابات ارتفاعات ملحوظة خلال بعض الأشهر الأخيرة، وقد تشير هذه الارتفاعات إلى إنشاء مجموعات من الحسابات خلال فترات زمنية متقاربة.
غياب الهوية الواضحة: كشفت مراجعة عينة من الحسابات استخدام أسماء مستعارة وصور رمزية، مع غياب المعلومات الشخصية أو المهنية التي تسمح بالتحقق من أصحابها، وهو ما يعزز مؤشرات الاشتباه الأولية.
كما يشير تحليل نمط التفاعلات إلى وجود تضخيم لرسائل بعينها عبر تكرارها بصورة نمطية من قبل عدد من الحسابات المشاركة، كما تظهره النماذج (1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8).
كما تناقلت بعض الحسابات تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الموجهة إلى ممداني بصورة شبه حرفية.



وتشير نتائج الرصد إلى أن الجدل حول مواقف زهران ممداني من مذكرة اعتقال بنيامين نتنياهو تحوّل إلى موجة واسعة من التفاعل الرقمي، قادتها شخصيات سياسية وإعلامية وحسابات مؤيدة لإسرائيل وأخرى محسوبة على اليمين الأميركي، إلى جانب مشاركة ملحوظة لحسابات منخفضة المتابعة وحديثة الإنشاء.
ورغم أن هذه المؤشرات لا تثبت وجود حملة منسقة، فإنها تكشف نمطًا متكررًا في تضخيم رسائل بعينها، والاعتماد على سرديات متشابهة استهدفت مواقف ممداني وخلفيته الشخصية والدينية، بما يتجاوز النقاش حول صلاحياته القانونية في قضية مذكرة الاعتقال.
اقرأ/ي أيضًا
رصف جديد وعشرات المركبات.. مسبار يرصد تجهيز قاعدة القوة الدولية قرب غزة
قبل انتزاع البندقية.. كيف غيّبت الرواية الإسرائيلية بداية هجوم بلدة تل؟























