كيف استُهدفت سفينتا الغاز في دمياط؟.. تحليل بصري لمسبار يكشف مسار الهجوم
بدأت، مساء 29 يوليو/تموز، تتوالى الأنباء عن تعرض وحدة تخزين وإعادة تغويز عائمة، راسية في ميناء دمياط، لهجوم بطائرة مُسيّرة، في حادث نادر امتدت تداعياته إلى الساحل الشمالي لمصر، وسط تصاعد المواجهة الإقليمية.
وبعد نحو ساعتين من تداول الخبر، أعلنت وزارة البترول المصرية اندلاع حريق على متن سفينة لإعادة التغويز وأخرى لتخزين الغاز داخل الميناء، من دون أن تحدد سببه. وفي صباح 30 يوليو، أكد مجلس الوزراء أن الحريق نجم عن هجوم بطائرة مُسيّرة، دون الكشف عن الجهة التي نفذته.
وجاء الهجوم في سياق تصاعد المواجهة الإقليمية المرتبطة بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، المستمرة منذ 28 فبراير/شباط، ما فتح الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة العملية، ومسار الطائرة، والجهة التي تقف خلفها.
في هذا التقرير، يعيد فريق "مسبار" في التلفزيون العربي بناء تسلسل الأحداث في ميناء دمياط، بالاستناد إلى البيانات الملاحية المتاحة، وتحليل المواد مفتوحة المصدر، وصور الأقمار الصناعية.
البيانات الأولية: السفن المتضررة وطبيعة الاستهداف
قالت وكالة أنباء رويترز، إن السفينتين المتضررتين هما Energos Winter وGASLOG SALEM، ونقلت الوكالة عن "مصادر مطلعة"، أن المسيرة أصابت Energos Winter ثم انتقل الحريق إلى GASLOG SALEM.
تحقق مسبار بشكل مستقل من السفينتين، بالاعتماد على صور ومقاطع فيديو انتشرت لحظة إطفاء الحريق الناجم عن الاستهداف، ليتبيّن أن السفينتين المتضررتين هما بالفعل Energos Winter وGASLOG SALEM.
كما تؤكد بيانات التتبع الملاحي من Marinetraffic ظهور السفينتين، وقت وقوع الحادث، وهما محاطتين بالسفن القاطرة، التي رافقتهما حتى الخروج من المرسى إلى المياه العميقة.

وEnergos Winter هي وحدة تخزين وإعادة تغويز عائمة (تحويل الغاز المسال إلى حالته الغازية مرة أخرى)، تحمل رقم التسجيل IMO: 9256614، وهي واحدة من 4 سفن مماثلة تعمل في مصر، والوحيدة في ميناء دمياط، حيث تعمل البقية في ميناء العين السخنة، بحسب وزارة البترول المصرية.
ترفع السفينة علم جزر مارشال، بينما تعود ملكيتها إلى شركة Energos Infrastructure المدرجة في بورصة نيويورك، فيما تديرها شركة WILHELMSEN الأميركية، وتُشغّلها شركة NEW FORTRESS ENERGY الأميركية أيضًا.
وبحسب البيانات الملاحية، وصلت السفينة إلى دمياط قادمة من تركيا في 30 سبتمبر/أيلول 2025، وبدأ تشغيلها تدريجيًا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025، بعد ربطها برصيف الشركة المتحدة لمشتقات الغاز UGDC، لتصل طاقتها الإنتاجية، إلى 138 ألف و250 متر مكعب من الغاز المسال، وفقًا لهيئة ميناء دمياط.
أما سفينة GASLOG SALEM فهي ناقلة غاز مُسال، تحمل رقم التسجيل IMO: 9638915، وترفع علم برمودا، فيما تعود ملكيتها إلى شركة CL GAS TEN LTD المسجلة في اليونان، وتديرها وتشغلها شركة GASLOG LNG SERVICES اليونانية.
بحسب بيانات Marinetraffic، وصلت الناقلة إلى ميناء دمياط في 28 يوليو الفائت، أي قبل يوم واحد فقط من الاستهداف.
كما تكشف بيانات منصة تتبع الحركة الملاحية، أن السفينتين Energos Winter وGASLOG SALEM، كانتا لحظة الاستهداف راسيتين على رصيفين مختلفين، يبعد بينهما أكثر من 800 متر.
ويكشف تحليل فريق مسبار لمقاطع فيديو نشرتها وسائل الإعلام للاستهداف، أن السفينة Energos Winter كانت راسية عند رصيف شحن البروبان التابع لشركة المتحدة لمشتقات الغاز (UGDC)، وتحديدًا عند الإحداثيات: 31.475081, 31.751129
وتدير شركة UGDC المساهمة المصرية، محطة في ميناء دمياط لشحن وتصدير غاز البروبان بسعة إجمالية تبلغ 30 ألف متر مكعب.
ويتطابق تحليل مسبار مع بيانات marinetraffic التي أظهرت أيضًا أن السفينة، قبيل الحادث، كانت راسية في رصيف شركة UGDC، بينما كانت السفينة GASLOG SALEM راسية عند رصيف الغاز المسال على بعد أكثر من 800 متر.
ويشكك بعد المسافة الفاصلة بين السفينتين، وقت وقوع الحادث، في رواية انتقال الحريق من سفينةٍ إلى أُخرى، خاصة في ظل تردد أنباء بين مواطنين عن سماع صوت انفجارين في توقيت وقوع الحادث المقدر عند حدود الساعة 11:00 بالتوقيت العالمي (2:00 مساءً بتوقيت القاهرة).
وتعزز تصريحات وزير النقل المصري كامل الوزير احتمال تعرض السفينتين لإصابتين منفصلتين. إذ قال إن طائرة مُسيّرة انفجرت عند السلم العلوي فوق ظهر سفينة التخزين، من دون أن تسبب أضرارًا مؤثرة في جسمها، بينما أصابت مُسيّرة أخرى أحد الأنابيب وخزانًا فرعيًا أعلى وحدة إعادة التغويز، ما أدى إلى تسرب الغاز واشتعاله.
ويتقاطع هذا الوصف مع شهادات متداولة بين سكان دمياط عن سماع صوت انفجارين وقت الحادث.
وتشير رواية الوزير ضمنيًا إلى استخدام طائرتين مُسيّرتين على الأقل، إذ انفجرت الطائرة التي أصابت السفينة الأولى قبل إصابة الثانية. غير أن السلطات المصرية لم تعلن صراحة عن عدد المسيّرات المشاركة، كما لا تكفي شهادات سماع انفجارين وحدها لإثبات وقوع هجومين، إذ قد ينجم أحد الصوتين عن انفجار ثانوي أعقب الإصابة الأولى.
وكان مسبار قد تمكّن من تقدير وقت الحادث، الذي يتوافق مع شهادات المواطنين، بالاستناد إلى الحركة الملاحية المكثفة لسفن القطر حول السفينتين، إذ تحركت أول قاطرة (ABOU ZAID تحمل رقم تسجيل IMO: 9329007) في تمام الساعة 11:07 بالتوقيت العالمي، تلاها تحرك خمس قاطرات أخرى باتجاه السفينتين.
من أين جاءت المُسيّرة؟
في حين لم تحدد أي جهة معنية موقع انطلاق المُسيّرة، بما في ذلك السلطات المصرية التي اكتفت بالإشارة إلى عدم تبني أي جهة مسؤوليتها؛ اتجهت أصابع الاتهام إلى إيران أو أحد حلفائها في المنطقة.
وفي أول موقف رسمي من طهران، نفى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ضمنيًا تورط بلاده في الهجوم. وقال في منشور عبر حسابه على منصة "إكس" إن مصر "صديق وشريك مهم في المنطقة"، وإن أمنها يحظى بأهمية قصوى لدى إيران، داعيًا إلى الحذر مما وصفه بالمخططات الإسرائيلية و"عمليات الراية الزائفة" الهادفة إلى تقويض السلام الإقليمي.
هذا الاتهام الإيراني لإسرائيل بالتورط المحتمل في الهجوم على ميناء دمياط لم يكن الأول من نوعه منذ اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير، إذ سبق أن نفت الخارجية الإيرانية، في مارس ويونيو الفائتين، وقوف طهران وراء بعض العمليات في المنطقة، متهمةً إسرائيل بالوقوف وراء هجمات بمسيّرات على مواقع عدة خاصة في السعودية وعُمان.
رغم النفي الإيراني، نشرت صحيفة ذا نيويورك تايمز، تقريرًا، نقلت فيه عن مصدرين إيرانيين لم تُسمّهما إن الهجوم كان بطائرة مُسيّرة وأنّه "يهدف إلى إظهار أن الشحن العالمي وإمدادات الطاقة قد تتعرض لاضطرابات أعمق إذا اختارت إيران التصعيد"، دون توضيح ما إذا كانت إيران هي من أطلقت المسيرة أو أحد من حلفائها في المنطقة أو طرف آخر.
من جانبها، نفت جماعة أنصار الله الحوثي، في اليمن، على لسان عضو مكتبها السياسي محمد البخيتي، مسؤوليتها عن استهداف ميناء دمياط. وقال البخيتي في تصريحات للمنصة، إن جماعة الحوثي تعلن مسؤوليتها عن أي عملية فور تنفيذها، ملمحًا إلى اتهام إسرائيل بقوله: "استهداف المصالح المصرية لا يخدم سوى إسرائيل والولايات المتحدة".
وتبقى فرضية الإطلاق من منصة بحرية قريبة ضمن الاحتمالات التقنية غير المثبتة. ففي يوليو 2025، كشفت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية عن عملية نفذتها قواتها في 11 سبتمبر 2024، أطلق خلالها عناصر من وحدة "Raven Group" طائرات صغيرة موجهة FPV، من قوارب في البحر الأسود، لاستهداف مواقع نيران روسية فوق منصة "بترو هودوفانتس" لإنتاج الغاز قبالة شبه جزيرة القرم. وكانت القوات الروسية قد حولت المنصة إلى موقع للمراقبة والدعم العسكري، بينما قالت كييف إن العملية أوقعت خسائر في الأفراد والمعدات.
ويُظهر هذا الأسلوب إمكان نقل منصة إطلاق المسيّرات إلى جوار الهدف، بما يقلص زمن الإنذار ويلغي الحاجة إلى مدى طيران طويل. غير أن الغموض الذي يحيط بحادث دمياط لا يحسم هذا الترجيح أو يحدد نوع المسيّرات أو موقع إطلاقها، لكن يبقى احتمال الإطلاق من البجر قائمًا على المستوى الفني والعملياتي.
مسبار يحلل اتجاه الاستهداف
بدوره حلل مسبار المواد البصرية المتاحة من موقع الحادث لتقدير اتجاه الاستهداف، ليتبيّن في مقطع فيديو نشرته رويترز، تصاعد الدخان من الثلث الأخير من مؤخرة سفينة Energos Winter من جهة يمينها.
وأظهر مقطع فيديو آخر، نشره أحد المستخدمين عبر تيك توك، السفينتين بُعيد الاستهداف وهما راسيتان كل في الموقع الذي سبق أن حدده مسبار.
ويُبيّن التحليل البصري للمقطع تصاعد النيران من الجزء الأيمن العلوي للسفينة "Energos Winter"، فيما يبدو أن نيرانًا تتصاعد أيضًا من موقع آخر يمين السفينة.
وفي مقطع فيديو آخر التقط من داخل الرصيف الذي وجدت فيه السفينة، يُمكن بشكل أوضح رؤية تصاعد الدخان من الجهة اليمنى للسفينة.
ويتطابق تحليل مسبار مع ما أبلغت عنه مجموعة إدارة المخاطر البحرية البريطانية (Vanguard)، من أن السفينة استهدفت من الجانب الأيمن.
وفقًا لهيئة رسو السفينة على الرصيف والتي توضحها Marinetraffic وصورة من أقمار Sentinel-2؛ تتجه مقدمتها إلى الشَمال، ما يجعل جانبها الأيمن جهة الشرق.
أظهر مقطع فيديو التقطه أحد العاملين في ميناء دمياط من على متن إحدى سفن الدعم، أعمال السيطرة على الحريق في السفينة GASLOG SALEM، حيث يتضح أنها جرت من الجهة اليُمنى للسفينة، أيضًا.
يُحدد ذلك، جنبًا إلى جنب مع الموقع الجغرافي لميناء دمياط؛ الجهات المحتملة لمسار المقذوف أو المسيرة التي استهدفت السفينة، حيث يُرجّح أنه انطلق من الجهة الشرقية، مع استبعاد أن تكون المسيرة قد انطلقت من الجنوب، بسبب حجم المناورة الكبير التي ستضطر إليها المسيرة.
من الناحية الفنية، يمكن تحديد خط سير المسيرة والجهة المصنعة لها وترجيح من استهدف ميناء دمياط، عبر التحليل الفني والتقني لحطام المسيرة.
وقد أعلنت السلطات المصرية العثور على بقايا الطائرة المسيرة التي استهدفت سفينة غاز في ميناء دمياط وبدأ التحليل الأمني لمعرفة من يقف خلف الهجوم.
في هذا التقرير، رصد مسبار مؤشرات تساعد في رسم صورة استهداف السفن في ميناء دمياط في الساعة الثانية ظهرًا.
البيانات الرسمية أعلنت أن الاستهداف تم بمسيرة واحدة وأن الحريق انتقل إلى الناقلة الأخرى وهي رواية تضعفها الحقائق على الأرض وتواتر الروايات عن سماع انفجارين في محيط الميناء.
كما أن روايات أهالي دمياط، لم تذكر سماع صوت تحليق للمسيرة ولم يرصدها عمال الميناء ولا تتوفر أي مقاطع مصورة توثق شكل أو صوت المسيرة. كما لم يتم تفعيل الإنذارات ولا الدفاعات الجوية مما يرجح عدم رصدها عن طريق الرادارت.
ووفق حجم الحريق والضرر الذي لحق بالسفينتنين، يرجح أن الاستهداف تم بحمولة تفجيرية صغيرة نسبيًّا. وان الاستهداف كان دقيقًا، حيث لم يتم استهداف أي أجزاء حساسة كأذرع التحميل أو خزانات الغاز أو غرف التحكم في السفينتين اللتين كانت محملتين بالغاز الطبيعي وقت الاستهداف.
بحسب تصريحات وزير النقل كامل الوزير، فإن المسيّرة أصابت في السفينة الأولى السلم العلوي فقط، بينما طاولت في السفينة الثانية ماسورة وخزانًا فرعيًا، دون أن تصل إلى الحمولة الرئيسية.
بالإضافة إلى أن بدن السفينة لم يسجل أي ضرر كبير، وهو ما كشفه مقطع فيديو للسفينة Energos Winte بعد السيطرة على الحريق. حيث لا يظهر في الفيديو أي أضرار في مكان الانفجار ولا في أجزاء السفينة الحساسة.
عند مقارنة استهداف دمياط مع استهدفات إيرانية بسفن في مضيق هرمز، يرجح ان الاستهداف تم بمسيرة موجهة ذات حمولة متفجرة صغيرة على عكس مسيرات lunch and forget، التي لا يمكن تغيير وجهتها بعد الإطلاق والتي توصف بأنها "بطيئة وذات صوت مرتفع يسهل رصده".
موقع السفينتين عقب الاستهداف
بحسب بيانات Marinetraffic، غادرت الناقلة GASLOG SALEM وهي ممتلئة جزئيًا، ويرجح أن السفينة "Energos Winter"، اضطرت لمغادرة الميناء، وهي محملة بالكامل، لأسباب أمنية.
يدعم ذلك الترجيح مقطع فيديو التقطه أحد المصطافين للسفينة يوم 30 يوليو، وهي متوقفة قبالة سواحل دمياط، بينما لا تزال محاولة السيطرة على الحريق متواصلة.
اقرأ/ي أيضًا
هل يوثق الفيديو لحظة استهداف مسيرة إيرانية ميناء دمياط في مصر؟
المصادر







































