بعد انحسار النيل في السودان.. ماذا تكشف صور الأقمار الصناعية عن الأمطار وسد النهضة؟
في ذروة الموسم الذي يفترض أن تبدأ فيه مياه النيل بالارتفاع، اضطر أطفال جزيرة نارنارتي شمالي السودان إلى دفع قاربهم عبر مجرى ضحل للوصول إلى مدرستهم، بينما توقفت مضخات محطة صالحة جنوبي أم درمان بعد تراجع المنسوب.
ومن الولاية الشمالية إلى الخرطوم، أظهر مقطع آخر اتساع الضفاف وانكشاف الجزر الرملية، فيما كشفت صور الأقمار الصناعية تقلص مساحة السطح المائي في مواقع عدة مقارنة بالأعوام السابقة.
ورغم وضوح الانحسار، تظل أسبابه موضع خلاف؛ فبينما تشير بيانات الأمطار إلى عجز حاد فوق أجزاء من حوض النيل الأزرق، تقدم السودان وإثيوبيا ومصر روايات متعارضة بشأن دور سد النهضة وطريقة تشغيله.
يتتبع هذا تحقيق "مسبار" امتداد الانحسار وتوقيته، ويفحص ما إذا كان نتيجة موسم مطري ضعيف، أم تغير في تصريفات السد، أم الإثنين معًا.
من نارنارتي إلى توتي.. المياه تتراجع في مواقع متفرقة
تُبيّن مقارنة صور الأقمار الصناعية الملتقطة لمجرى النيل عند جزيرة نارنارتي في النصف الثاني من يوليو 2026، بصور للمنطقة نفسها خلال الفترة نفسها من أعوام 2023 و2024 و2025، انخفاضًا ملحوظًا في منسوب المياه في النهر، خاصة في المجرى الواقع بين الجزيرة والشاطئ المقابل لها غربًا.
واستمر الانخفاض الحاد في منسوب المياه في ذلك المجرى حتى الأسبوع الأول من أُغسطس 2026، مقارنة بالفترة نفسها من 2025، العام الذي افتتح فيه سد النهضة.
وفي جزيرة توتي المقابلة للعاصمة الخرطوم، تُوضح الصور الفضائية أنّ الانحسار كشف عن جزء بمساحة تصل إلى 2 كيلومتر مربع من طرف الجزيرة الجنوبي، بشكل متزامنٍ تقريبًا مع إعلان حكومة ولاية الخرطوم عن خروج محطة صالحة للمياه عن الخدمة بشكل مؤقت بسبب انخفاض منسوب المياه.

وتقع محطة صالحة جنوب أم درمان بولاية الخرطوم، على بعد نحو 5 كيلومتر جنوب جزيرة توتي. وفي 13 يوليو الفائت، قالت السلطات السودانية إن انخفاضًا كبيرًا في مناسيب النيل أدى إلى خروج مضخات السحب في محطة صالحة عن العمل.
ورغم أنّ صور الأقمار الصناعية تُبيّن وجود انحسار كبير بالفعل في مياه النيل قبالة المحطة خلال يوليو 2026 مقارنة بيونيو/حزيران الفائت، إلا أنّها في المقابل تُظهر أن هذا الانحسار موسمي على ما يبدو، إذ يتكرر في الوقت نفسه من كل عام بحسب ما يُظهر تتابع صور الأقمار الصناعية منذ 2022 وحتى 2026، مع ملاحظة ازدياده منذ 2024.
وجدير بالذكر أن محطة صالحة تعتمد على مياه النيل الأبيض. وتنبع مياه النيل الأبيض من بحيرة فيكتوريا في منطقة هضبة البحيرات على الحدود الأوغندية - الكينية - التنزانية، ورغم أن نهر السوباط، أحد أهم روافد النيل الأبيض، يتغذى جزئيًّا من نهر بارو القادم من الهضبة الإثيوبية، فإنه لا يتأثر مباشرة بسد النهضة المقام على النيل الأزرق.
وإلى الجنوب من الخرطوم، حيث قرية كترانج الفاصلة بين ولايتي الجزيرة والخرطوم، يُمكن رؤية انكشاف مناطق يابسة بعد انحسار المياه في مجرى النيل الأزرق، مع تراجع محدود في مساحة المياه داخل المجرى، وذلك في صورة بتاريخ 15 يوليو مقارنة بصورة أُخرى من شهر يونيو.
يًظهر التتابع الزمني لصور Sentinel-2 انحسارًا واضحًا في المنطقة منذ يوليو 2022، الذي تزامن مع المرحلة الثالثة من ملء خزان سد النهضة. وفق الأدلة المتوفرة، ارتفع المنسوب نسبيًا عام 2025، لكنه عاد وانخفض مجددًا في عام يوليو 2026.
ولم يكن عام 2026 الأسوأ في تلك المنطقة، إذ بدت المساحات اليابسة داخل مجرى النهر أكثر وضوحًا في عام 2024. وشهد عام 2024 المرحلة الخامسة والأخيرة من ملء خزان سد النهضة، التي بدأت في 17 يوليو، قبل أن تعلن إثيوبيا اكتمالها بحلول مطلع أكتوبر/تشرين الأول.
موسم الفيضان يبدأ بتدفقات دون المعتاد
تزامن انحسار مياه النيل المرصود في مواقع عدة بالسودان مع بداية موسم الفيضان، في وقت تشير فيه بيانات الأمطار إلى عجز واضح في أجزاء من حوض النيل الأزرق، أهم روافد النيل وأكثرها تأثيرًا في تدفقاته الموسمية.
ويمتد موسم الأمطار الرئيسي فوق الهضبة الإثيوبية عادة من يونيو إلى سبتمبر/أيلول، لترتفع خلاله تصريفات النيل الأزرق في السودان. ويوفر النيل الأزرق القسم الأكبر من مياه النيل خلال موسم الفيضان، وقد تصل مساهمته عند ذروة التدفقات إلى نحو 80% أو أكثر، بينما تنخفض هذه النسبة خلال موسم الجفاف.
وتكشف البيانات الأولية المستخرجة من خرائط CHIRPS عن شذوذ سلبي في كميات الأمطار، أي هطول دون المتوسط، فوق أجزاء من الهضبة الإثيوبية، من بينها محيط بحيرة تانا، التي يخرج منها مجرى النيل الأزرق، خلال شهري يونيو ويوليو 2026.
ويُقصد بشذوذ الأمطار الفرق بين كمية الهطول المسجلة خلال الفترة المرصودة ومتوسط الهطول في المنطقة نفسها خلال فترة مرجعية تاريخية. وفي هذا التحليل، حُسب المتوسط المرجعي للفترة من 1981 إلى 2020. ونظرًا إلى حداثة الفترة المرصودة، تظل بيانات عام 2026 أولية وقابلة للتحديث.
وتظهر البيانات أن كمية الأمطار المسجلة خلال يونيو ويوليو 2026، كانت أقل من المتوسط التاريخي بنحو 230 مليمترًا، مقارنة بعجز بلغ 96.82 مليمترًا خلال الفترة نفسها من عام 2025. في المقابل، تجاوزت كمية الأمطار في عام 2024 المتوسط بنحو 81.17 مليمترًا.
ورغم أن بيانات يوليو التي توفرها خرائط CHIRPS لا تزال أولية وقابلة للتحديث، فإن حجم العجز المسجل يقدم مؤشرًا مبكرًا إلى ضعف الموسم المطري. كما تظهر مقارنة بيانات يونيو، المكتملة للأعوام الثلاثة، أن كمية الأمطار المسجلة في يونيو 2026 كانت الأدنى مقارنة بالشهر نفسه في عامي 2024 و2025، وكذلك بالمتوسط التاريخي البالغ 482.48 مليمترًا، وفق النطاق الجغرافي والفترة المرجعية المعتمدين في التحليل.
ويتسق هذا الاتجاه مع تقديرات مركز التنبؤات المناخية التابع للإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي، التي تشير إلى استمرار ظاهرة النينيو خلال النصف الثاني من عام 2026، واستمرارها على الأرجح خلال شتاء 2026 و2027.
وبحسب رصد شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعات (FEWS NET)، اتسم بدء موسم الأمطار الممتد من يونيو إلى سبتمبر بالاضطراب في أجزاء من السودان وجنوب السودان ومناطق أمطار الكيرمت في إثيوبيا. وسجلت مناطق واسعة، بين مطلع يونيو و10 يوليو 2026، أمطارًا تقل عن 45% من معدلاتها المعتادة.
وتشير توقعات النماذج المناخية إلى احتمال استمرار هطول أمطار دون المتوسط في أجزاء واسعة من غرب وشرق أفريقيا وشمالها خلال أغسطس وسبتمبر، بالتزامن مع درجات حرارة أعلى من المعتاد. ومن شأن اجتماع العاملين تسريع التبخر والنتح، واستنزاف رطوبة التربة والموارد المائية السطحية.

وبالتزامن مع هذا العجز المطري، أظهرت صور الأقمار الصناعية انحسارًا طفيفًا في مساحة المياه الظاهرة بخزان سد النهضة خلال يوليو 2026، مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025. غير أن هذه المقارنة لا تكفي وحدها لإرجاع التغير إلى نقص الأمطار، إذ قد تتأثر مساحة الخزان أيضًا بكميات المياه المصرفة وآلية تشغيل السد ومعدل التبخر.

تشير صور الأقمار الصناعية إلى بدء تشكل خزان سد النهضة خلال يوليو 2020. وسبق ذلك إعلان إثيوبي رسمي، في 27 يونيو، أفاد بأن عملية الملء ستبدأ خلال أسبوعين. وفي 22 يوليو، أعلنت أديس أبابا اكتمال المرحلة الأولى من الملء، بعد تخزين نحو 4.9 مليارات متر مكعب من المياه.
وتواصل ملء الخزان على خمس مراحل موسمية بين عامي 2020 و2024. وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، أعلنت السلطات الإثيوبية اكتمال المرحلة الخامسة والأخيرة من الملء، إلى جانب اكتمال الأعمال المدنية للسد.
ومنذ بلوغ الخزان أقصى امتداد مرصود له في عام 2024، لم تكشف صور الأقمار الصناعية التي شملها التحليل عن توسع إضافي في مساحة سطحه المائي. وبدلًا من ذلك، أظهرت صور يوليو 2025 انكشاف أجزاء محدودة من اليابسة على أطراف الخزان، قبل أن يصبح التراجع في مساحة المياه الظاهرة أكثر وضوحًا في يونيو 2026.
ويتزامن هذا النمط مع اختلاف كميات الأمطار بين المواسم الثلاثة، إذ سجل عام 2024 أمطارًا أعلى من عامي 2025 و2026 داخل النطاق الجغرافي المدروس. لكن هذا التزامن لا يكفي لإثبات أن تراجع الأمطار هو السبب المباشر لانحسار الخزان، لأن مساحة المياه الظاهرة تتأثر أيضًا بمنسوب التخزين، وكميات المياه المصرفة، وتشغيل توربينات السد، والتبخر، وتضاريس أطراف البحيرة.
نقص الأمطار أم تشغيل سد النهضة؟
في 29 يوليو 2026، قال وزير المياه والطاقة الإثيوبي هبتامو إيتافا، إن الهضبة الإثيوبية شهدت انخفاضًا ملحوظًا في الأمطار خلال الموسم الحالي، وإن كمية المياه الواردة إلى خزان سد النهضة تحددها الأمطار وليست القرارات التشغيلية. وعزا الوزير تراجع تدفقات المياه نحو دول المصب إلى التقلبات الهيدرولوجية الطبيعية، نافيًا أن يكون تشغيل السد مسؤولًا عنها.
في المقابل، قدمت وزارة الزراعة والري السودانية تفسيرًا مختلفًا. ففي بيان نشرته في 17 يوليو 2026، تحدثت الوزارة عن "هبوط مؤقت" في مناسيب النيل بعدد من مناطق البلاد، وأرجعته إلى تراجع وارد النيل الأزرق نتيجة انخفاض تصريف سد النهضة خلال الفترة من 7 إلى 9 يوليو.
وأكدت الوزارة أن تقلب مناسيب النهر بين الانحسار والفيضان ظاهرة طبيعية، لكنها أشارت إلى أن إنشاء سد النهضة غيّر الخصائص الهيدرولوجية للنيل الأزرق، ما يفرض على السودان إدارة خزاناته وفقًا للتدفقات الواردة من السد الإثيوبي.
أما مصر، فلم تصدر حينها بيانًا رسميًّا يحمّل سد النهضة وحده مسؤولية الانخفاض المرصود في السودان. لكن وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم ربط اضطراب التدفقات الواصلة إلى السودان باستمرار تشغيل السد بصورة أحادية، في غياب اتفاق ملزم وآلية لتبادل البيانات.
وقال سويلم إن المياه الواردة تمثل "صندوقا أسود" بالنسبة إلى مشغلي السدود السودانية، لأنهم لا يعرفون مسبقًا كميات المياه التي ستصل إليهم. وأوضح أن غياب البيانات قد يدفعهم إلى خفض مستويات التخزين احترازيًّا، بما يؤثر في قدرة السدود على تخزين المياه وتوليد الكهرباء.
وفي 21 يوليو، قدم وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي موقفًا مماثلًا، إذ قال إن إثيوبيا بدأت تشغيل السد بصورة أحادية، وإن غياب التنسيق في حجز المياه وتصريفها أوجد مخاطر أثرت في دولتي المصب، ولا سيما السودان.
ولا تتيح صور الأقمار الصناعية وحدها حسم الخلاف بين الروايتين. فعدم ظهور زيادة في مساحة المياه السطحية لخزان سد النهضة لا يعني بالضرورة عدم احتجاز مياه جديدة، لأن مساحة السطح لا تعادل حجم التخزين، كما تتأثر التدفقات الخارجة بتشغيل التوربينات والبوابات ومستوى الخزان.
لكن البيانات السودانية تقدم دليلًا مباشرًا على حدوث تغير قصير الأجل في التدفقات. فبحسب بيان وزارة الزراعة والري السودانية، انخفض الوارد اليومي إلى بحيرة الروصيرص من 207 ملايين إلى 129 مليون متر مكعب بين 7 و9 يوليو، أي بفارق بلغ 78 مليون متر مكعب يوميًّا. وتزامن ذلك مع انخفاض التصريف أسفل سد الروصيرص بنحو 100 مليون متر مكعب يوميًّا، وأسفل سد سنار بمقدار 82 مليون متر مكعب خلال الفترة من 7 إلى 10 يوليو.
وتدعم صور Sentinel-1 رصد أثر هذا التغير، إذ تظهر صورة ملتقطة في 8 يوليو 2026، تقلصًا طفيفًا في مساحة المياه الظاهرة ببحيرة الروصيرص مقارنة بصورة 25 يونيو.
الخلاصة:
- كشفت صور الأقمار الصناعية انحسار مياه النيل في مواقع متفرقة بين الولاية الشمالية والخرطوم خلال موسم الفيضان.
- سجلت أجزاء من حوض النيل الأزرق خلال يونيو ويوليو 2026 عجزًا مطريًّا بلغ نحو 230 مليمترًا عن المتوسط التاريخي.
- أظهرت الصور تقلصًا طفيفًا في مساحة المياه الظاهرة بخزان سد النهضة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
- أرجعت إثيوبيا تراجع التدفقات إلى ضعف الأمطار والتقلبات الطبيعية، ونفت مسؤولية تشغيل سد النهضة عن الانخفاض.
- ربط السودان الهبوط المؤقت في مناسيب النيل بانخفاض تصريفات سد النهضة بين 7 و9 يوليو 2026.
- لا تسمح الأدلة المتاحة بإرجاع انحسار المياه إلى عامل واحد، إذ يرجح تداخل ضعف الأمطار مع طريقة تشغيل السدود وتوقيت التصريفات.
اقرأ/ي أيضًا
نهر دجلة في العراق: بين الواقع الميداني وادعاء الجفاف الكامل
المصادر



























