من "غزو المسلمين" إلى "حرروا سبتة": كيف تحولت أزمة المهاجرين إلى حملة عابرة للحدود؟
لم تبق واقعة عبور آلاف المهاجرين الحدود إلى سبتة أزمة إسبانية محلية طويلًا. ففي غضون أيام، اجتاحت المقاطع والصور منصات التواصل الاجتماعي، وقفز النقاش إلى أكثر من 10 ملايين منشور، شارك فيها نحو 2.5 مليون حساب، بينما تحولت الواقعة إلى مادة سياسية استثمرتها شبكات اليمين المتطرف لمهاجمة المهاجرين والمسلمين وحكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز.
ومن إسبانيا إلى فرنسا وألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة، أعادت حسابات سياسية وإعلامية ومجهولة الهوية تقديم الواقعة بوصفها "غزوًا إسلاميًا" يهدد أوروبا، على حد تعبيرها. وبالتوازي، استدعت حسابات إسرائيلية ومؤيدة لإسرائيل لغة الحرب على غزة، وروجت شعارات من قبيل "كل العيون على سبتة" و"حرروا سبتة"، في توظيف مضاد لشعارات التضامن مع الفلسطينيين، استهدف حكومة سانشيز بسبب مواقفها من الحرب الإسرائيلية على غزة.
في هذا التقرير، حلل فريق مسبار في التلفزيون العربي الحملة الرقمية التي شكل قوامها أكثر من 10 ملايين منشور خلال أسبوعين حول واقعة سبتة، وتتبع منحنى انتشارها واللغات والمواقع الجغرافية المعلنة للحسابات المشاركة. كما فحص مضمون الوسوم والسرديات الأكثر تداولًا، وبنى شبكة للتفاعلات إلى جانب تحليل عينة من الحسابات كثيفة النشر لرصد مؤشرات التضخيم.
نمط التفاعل
سجل منحنى التفاعل ارتفاعًا تدريجيًا مع انتشار المشاهد الصادمة لعبور المهاجرين إلى سبتة، قبل أن يقفز في ذروته إلى قرابة 3 ملايين منشور في يوم واحد، مقارنة بمتوسط لم يتجاوز 32 ألف منشور يوميًا خلال 27 و28 يوليو.
وتكشف هذه الفجوة تحولًا حادًا في حجم النقاش وطبيعته، تزامن مع دخول حسابات سياسية واسعة التأثير وشبكات كثيفة النشر على خط الحدث. لكن القفزة الرقمية وحدها لا تكفي لإثبات التنسيق، ما لم تدعمها أنماط متزامنة في النشر وتكرار المحتوى والروابط.


وخلال أسبوعين، تجاوز حجم المحتوى المتداول 10 ملايين منشور، شارك في إنتاجه أو تداوله نحو 2.5 مليون حساب، ما يعكس انتقال الواقعة من حدث حدودي محلي إلى قضية ذات استقطاب سياسي دولي. ووفق تصنيف المحتوى الذي شملته العينة، استحوذ الخطاب المهاجم للمهاجرين والحكومة الإسبانية على نحو نصف المنشورات، وشارك في تداوله قرابة 1.5 مليون حساب.

وأظهر تحليل معرفات الحسابات وأوصافها ورموزها تصدر شبكات اليمين الإسباني، وفي مقدمتها حسابات مرتبطة بحزب فوكس اليميني المتطرف، إلى جانب حسابات استخدمت العلم الإسباني وشعارات من قبيل "إسبانيا فوق كل شيء".
واتسعت دائرة التفاعل لتشمل شبكات من اليمين الأوروبي والبريطاني والأميركي، عرّفت نفسها من خلال الأعلام والرموز الدينية والشعارات السياسية، وفي مقدمتها وسم "MAGA".
وبرزت كذلك حسابات إسرائيلية ومؤيدة لإسرائيل سبق أن شاركت في حملات استهدفت رئيس الوزراء بيدرو سانشيز، رصدها مسبار سابقًا، على خلفية مواقفه من الحرب الإسرائيلية على غزة.

وتوافقت خريطة اللغات مع امتداد هذه الشبكات، إذ تصدرت الإسبانية، بحكم وقوع الحدث في سبتة، تلتها الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية.
ويشير هذا التنوع، إلى جانب المواقع الجغرافية المعلنة للحسابات وبنية شبكة التفاعل، إلى انتقال السرديات المعادية للمهاجرين والمسلمين بين دوائر يمينية في دول عدة، وتوظيف الواقعة في الهجوم على حكومة سانشيز واليسار الأوروبي.

وأظهر التوزيع الجغرافي للمواقع المعلنة في حسابات المستخدمين أن إسبانيا استحوذت على 51% من المنشورات، تلتها الولايات المتحدة بنسبة 18%، ثم فرنسا بـ8%، وبريطانيا بـ4%، بينما سجلت ألمانيا والأرجنتين 2% لكل منهما، والمكسيك 1%.
ويكشف هذا الامتداد أن النقاش تجاوز النطاق الإسباني، وانتقل إلى دوائر سياسية في أوروبا والأميركتين، حيث أعيد توظيف الواقعة ضمن خطاب أوسع ضد المهاجرين والمسلمين واليسار الأوروبي.


الشبكات والحسابات المؤثرة
يكشف تحليل شبكة التفاعلات تشكل عدة تجمعات متداخلة، انقسمت بصورة أساسية وفق اللغة والمرجعية السياسية. وضمّت الشبكة ساسة وشخصيات محسوبة على اليمين المتطرف، وحسابات إعلامية وأخرى مجهولة الهوية، ارتبطت فيما بينها عبر إعادة نشر المحتوى وتداول السرديات نفسها. وأظهر التحليل بروز المجموعات التالية:
شبكات اليمين المتطرف
شاركت حسابات يمينية واسعة التأثير في مهاجمة المهاجرين والمسلمين ورئيس الوزراء بيدرو سانشيز وحكومته اليسارية، وروّجت خطابًا يدعو إلى تشديد الإجراءات الحدودية والحشد لصالح قوى اليمين الإسباني، وفي مقدمتها حزب فوكس.
وبرز داخل الشبكة الناطقة بالإنجليزية كل من تومي روبنسون، وVisegrád 24، وInevitable West، وإريك دوتري، وراديو جنوة.
وفي الشبكة الإسبانية، تصدرت حسابات ديفيد سانتوس، وأنونيموس تابارنيا، وطالب علي سالم، وسانتياغو أباسكال، وفيتو كيليس.
أما الشبكة الناطقة بالفرنسية، فضمت جون دو لورين، وFdesouche، وحساب وولف، إلى جانب السياسيين ماريون ماريشال وإريك زمور.
وفي التجمع الناطق بالألمانية، برزت حسابات غيورغ بازديرسكي، وأليس فايدل، وميرّو، وCOXX، إضافة إلى هيرمان تيرتش.
حسابات إسرائيلية تستدعي خطاب غزة
اتخذ تفاعل الحسابات الإسرائيلية والمؤيدة لإسرائيل مسارًا مختلفًا، إذ وظفت الواقعة في مهاجمة سانشيز وحكومته على خلفية موقفهما من الحرب الإسرائيلية على غزة.
وكشف التفاعل عن تناقض علني بين مسؤولين إسرائيليين، إذ رفضت دانا إرليخ، القائمة بأعمال السفارة الإسرائيلية في مدريد، تصريحات داني دانون، سفير إسرائيل لدى الأمم المتحدة، الذي وصف الوجود الإسباني في سبتة ومليلية بأنه استعمار استيطاني.
وبالتوازي، روّجت حسابات إسرائيلية ومؤيدة لإسرائيل شعار "كل العيون على سبتة"، في محاكاة لشعار "كل العيون على رفح" الذي انتشر خلال الحرب على غزة. كما استخدمت عبارة "حرروا سبتة"، على غرار الهتافات المؤيدة لفلسطين.
وشارك في ترويج هذه السردية عدد من الحسابات، من بينها إيلي ديفيد، وجوش وولف، ويائير نتنياهو، وحساب ذا موستاشد.

حسابات ذات سلوك مريب
كشف فحص الحسابات المشاركة في تضخيم الخطاب المهاجم عن أنماط تستدعي مزيدًا من التدقيق، أبرزها غياب الهوية الواضحة، وحداثة الإنشاء، ومحدودية أعداد المتابعين، إلى جانب النشر المكثف والمتكرر للعبارات نفسها.
ولا يمثل أي من هذه المؤشرات منفردًا دليلًا على أن الحساب آلي أو جزء من شبكة منظمة، لكن اجتماعها في عدد كبير من الحسابات، بالتزامن مع موجة نشر واحدة، يثير احتمال أن يكون انتشار المحتوى قد جرى بصورة مصطنعة، وليس نتيجة تفاعل طبيعي بالكامل.
وظهر هذا النمط بوضوح في الترويج لعبارتي "حرروا سبتة" و"كل العيون على سبتة"، إذ كشف تحليل تكرار العبارتين عن تداول صيغ متطابقة أو شديدة التشابه على نطاق واسع.
ويقلل هذا التطابق من احتمال أن تكون المنشورات تعبيرات مستقلة وعفوية بالكامل، خصوصًا عندما تصدر عن حسابات حديثة أو محدودة المتابعة خلال فترات زمنية متقاربة.
كما يشير إلى أن وظيفة بعض هذه الحسابات قد لا تكون الوصول المباشر إلى جمهور واسع، بل زيادة حجم المحتوى ودفع العبارتين إلى الظهور المتكرر داخل النقاش العام.
وشارك قرابة 343 ألف حساب في نشر المحتوى المهاجم ضمن العينة، ما يشير إلى أن التضخيم لم يعتمد فقط على عدد محدود من الحسابات المؤثرة، بل امتد عبر قاعدة واسعة من الحسابات الصغيرة والمتوسطة.


ولا يعني هذا الرقم أن جميعها حسابات آلية أو منسقة، كما لا يثبت وجود جهة واحدة تديرها، لكنه يكشف عن مشاركة كثيفة أسهمت في زيادة حضور الخطاب المهاجم ودفعه إلى واجهة النقاش حول سبتة.
اقرأ/ي أيضًا
الأقمار الصناعية تكشف آثار العدوان الإسرائيلي في محيط قلعة الشقيف
قراصنة يختطفون ناقلة تشغلها شركة إماراتية وخاضعة للعقوبات في خليج عدن






















