من القصف إلى الرماد.. ماذا تكشف صور الأقمار الصناعية عن حرائق جنوب لبنان؟
خلال أيام من أغسطس/آب 2026، ظهرت آثار حرائق واسعة في عدة مناطق بجنوب لبنان، بالتزامن مع استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي. ووثقت وسائل إعلام دولية ولبنانية حرائق في مناطق حدودية، بينها كفرشوبا والخيام وبلدات أخرى، تزامنت مع عمليات عسكرية إسرائيلية.
ونقلت صحيفة الغارديان عن مسؤولين في الدفاع المدني روايات عن طائرات مسيرة ألقت ذخائر أو مواد حارقة، وقنابل مضيئة سبقت اشتعال النيران في مناطق حرجية. كما قدّر رئيس الدفاع المدني في النبطية حسين فقيه أن الحرائق أثرت في نحو 30 إلى 40% من بعض الأراضي القريبة من خط المواجهة، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه يتخذ إجراءات للحد من الأضرار التي تلحق بالمدنيين والبيئة.
في هذا التحقيق، يحلل مسبار صور الأقمار الصناعية ويقارن المواقع التي ظهرت فيها آثار الاحتراق قبلها وبعدها، ويطابق فترات ظهور هذه الآثار مع تقارير القصف والشهادات الميدانية. ولا تثبت الصور وحدها سبب كل حريق، لكنها تساعد على قياس التقاطع الزمني والجغرافي بين النشاط العسكري وظهور المناطق المحترقة.
حولا.. آثار احتراق تتزامن مع رواية عن إشعال مباشر للنيران
تكشف مقارنة صور الأقمار الصناعية من خدمة كوبرنيكوس، عند هذه الإحداثيات، بين 4 و7 أغسطس 2026، عن ظهور آثار احتراق جديدة في محيط بلدة حولا الحدودية.

وتتقاطع صور الأقمار الصناعية مع رواية ميدانية أكثر مباشرة بشأن مصدر النيران. إذ نقل موقع "النشرة" عن الوكالة الوطنية للإعلام أن جنودًا إسرائيليين أضرموا النار في مساحات حرجية وأشجار مثمرة في حولا، قبل أن تمتد النيران نحو منازل في الأحياء الغربية للبلدة.
وتكتسب هذه الرواية أهمية لأنها لا تتحدث عن قصف سبق الحريق فحسب، بل تنسب فعل إشعال النيران مباشرة إلى القوات الإسرائيلية خلال الفترة نفسها التي تظهر فيها آثار الاحتراق في صور كوبرنيكوس.
كما أشار التقرير نفسه إلى حرائق أخرى في أحراج منطقة الشميس بين البرجين عند أطراف كفرشوبا، وسط مخاوف من اتساعها بفعل الرياح وارتفاع درجات الحرارة، ما يضع واقعة حولا ضمن سياق أوسع من الحرائق المسجلة في المناطق الحدودية خلال الأيام نفسها.
كفرشوبا.. أكبر مساحة محترقة في العينة
تكشف مقارنة صور كوبرنيكوس الملتقطة بين 4 و8 أغسطس 2026، عند هذه الإحداثيات، عن ظهور رقعة محترقة في محيط كفرشوبا، تقدر مساحتها بنحو 3.3 كيلومترات مربعة.
تقع المنطقة في نطاق جبلي وحرجي قريب من الحدود، وشهد محيطها نشاطًا عسكريًا خلال الفترة التي ظهرت فيها آثار الاحتراق. ففي 5 أغسطس، أفادت شبكة قدس الإخبارية بأن المدفعية الإسرائيلية قصفت أطراف بلدة كفرشوبا، ضمن النافذة الزمنية التي تحصر فيها صور الأقمار الصناعية ظهور التغير على الأرض.

وتأتي الشهادة الأكثر مباشرة بشأن اندلاع الحرائق من تقرير صحيفة الغارديان في 12 أغسطس؛ إذ نقلت الصحيفة عن سمير حردان، رئيس مركز للدفاع المدني في المنطقة، قوله إن حريقًا اندلع قرب كفرشوبا بعد ظهر الجمعة 7 أغسطس، بعدما ألقت طائرة مسيرة ذخيرة في منطقة حرجية.
وأضاف أن فرق الإطفاء أمضت الليل في مكافحة النيران قبل السيطرة عليها يوم السبت، ثم اندلع حريق آخر يوم الأحد، قال إنه نجم عن طائرة مسيرة ثانية. ويضع هذا التسلسل الحادثة ضمن الفترة التي تحصر فيها صور كوبرنيكوس ظهور آثار الحريق، بين 4 و8 أغسطس.
النبطية.. آثار الحريق تظهر بعد قصف مدفعي
تشير صور كوبرنيكوس إلى ظهور آثار احتراق بين 7 و12 أغسطس/آب 2026، عند هذه الإحداثيات، على مساحة تقدر بنحو 0.57 كيلومتر مربع.
ويتزامن ظهور آثار الاحتراق في هذه المنطقة مع قصف مدفعي إسرائيلي في محيطها. ففي 7 أغسطس/آب، أفاد التلفزيون العربي بأن القصف استهدف محيط النبطية الفوقا وكفرتبنيت ومنطقة علي الطاهر.
ولا تسمح صور الأقمار الصناعية وحدها بتحديد ما إذا كانت القذائف المذكورة هي التي أشعلت الرقعة المرصودة، لكن التقاطع المكاني والزمني يضع هذا القصف ضمن الأحداث التي سبقت مباشرة ظهور آثار الاحتراق في الصور اللاحقة.
وتكتسب هذه القرينة أهمية إضافية في ضوء شهادة حسين فقيه، رئيس الدفاع المدني في منطقة النبطية، التي نقلتها الغارديان والشرق الأوسط.
وقال فقيه إن معظم مهام فرق الدفاع المدني في تلك الفترة باتت مرتبطة بإخماد الحرائق، مقدرًا أن النيران أثرت في نحو 30 إلى 40% من الأراضي القريبة من خط المواجهة، مع تأكيده عدم وجود إحصاء نهائي ودقيق للمساحات المتضررة.
وبحسب شهادته، لم تكن الحرائق مرتبطة بمصدر واحد، إذ تحدث عن طائرات مسيرة صغيرة تسقط مواد حارقة، إضافة إلى قذائف من الفوسفور الأبيض وقنابل مضيئة قال إنها استخدمت فوق مناطق حرجية.
كفررمان.. قنابل حارقة تمتد نيرانها إلى محمية طبيعية
وفي واقعة أخرى، وثقت عدسة التلفزيون العربي حرائق في دوحة كفررمان بقضاء النبطية، وقالت إن الحرائق اندلعت عقب إلقاء القوات الإسرائيلية قنابل حارقة على المنطقة.
كما قالت منظمة "الجنوبيون الخضر" إن مسيرات إسرائيلية ألقت قنابل حارقة على أراضٍ زراعية في كفررمان، ما أدى إلى اندلاع حرائق امتدت، بحسب المنظمة، إلى ما تبقى من محمية شهداء كفررمان.
وتضيف هذه الواقعة إلى الحالات التي رصدها التحقيق مثالًا ميدانيًا آخر على حرائق أعقبت، بحسب الروايات الواردة، استخدام ذخائر إسرائيلية، وإن كانت صور الأقمار الصناعية المتاحة في العينة لا تكفي، بمفردها، لتحديد المساحة التي يمكن نسبتها إلى هذه الحادثة تحديدًا.
خارج الخيام.. القنابل المضيئة والنيران في اليوم نفسه
تكشف مقارنة صور كوبرنيكوس الملتقطة بين 7 و12 أغسطس 2026، عند هذه الإحداثيات، عن ظهور آثار احتراق خارج بلدة الخيام، على مساحة تقدر بنحو 0.23 كيلومتر مربع.
وخلال النافذة الزمنية نفسها، أفادت شبكة قدس الإخبارية، في 10 أغسطس، بأن القوات الإسرائيلية أحرقت عددًا من المنازل في مدينة الخيام.

لكن الرواية الأكثر ارتباطًا بالرقعة التي تظهرها صور الأقمار الصناعية جاءت في اليوم التالي، إذ نقلت صحيفة الغارديان عن الدفاع المدني أن الجيش الإسرائيلي ألقى قنابل مضيئة في منطقة حرجية خارج الخيام، أعقبها اندلاع حرائق.
وقال حسين فقيه، رئيس الدفاع المدني في منطقة النبطية، إن فرق الإطفاء توجهت إلى المنطقة لإخماد النيران، قبل أن تنفذ طائرة مسيرة ضربة بالقرب من موقعها، ما أجبر العناصر على الانسحاب. ويجعل ذلك حالة الخيام من أكثر الحالات وضوحًا في العينة من حيث التقاطع الزمني والمكاني، إذ تسبق رواية ميدانية عن سقوط قنابل مضيئة واندلاع النيران ظهور آثار الاحتراق في صور كوبرنيكوس اللاحقة مباشرة.
ماذا تكشف المقارنة بين صور الأقمار الصناعية والشهادات الميدانية؟
تكشف الحالات التي فحصها مسبار أن حرائق جنوب لبنان لم تظهر بمعزل عن المشهد العسكري المحيط بها. ففي أكثر من موقع، ظهرت آثار احتراق جديدة على صور الأقمار الصناعية خلال فترات تزامنت مع قصف أو نشاط عسكري إسرائيلي، بينما قدمت شهادات ميدانية في بعض الحالات روايات أكثر مباشرة عن قنابل مضيئة ومواد حارقة وطائرات مسيرة سبقت اندلاع النيران.
ويشير تكرار التقاطع بين القصف والشهادات الميدانية من جهة، وظهور آثار الاحتراق من جهة أخرى، إلى وجود ارتباط زمني ومكاني بين النشاط العسكري واندلاع الحرائق في عدد من المواقع التي فحصها التحقيق.
وتدعم الشهادات الميدانية، في بعض الحالات، روايات عن استخدام ذخائر حارقة وقنابل مضيئة وطائرات مسيرة سبقت اندلاع النيران، مع بقاء تحديد المسؤولية المباشرة عن كل حريق بحاجة إلى أدلة إضافية تتجاوز ما توفره صور الأقمار الصناعية وحدها.
اقرأ/ي أيضًا
من "غزو المسلمين" إلى "حرروا سبتة": كيف تحولت أزمة المهاجرين إلى حملة عابرة للحدود؟
الأقمار الصناعية تكشف آثار العدوان الإسرائيلي في محيط قلعة الشقيف


























