كيف يفرض مستوطنون يساندهم جيش الاحتلال حصارًا على عائلات في قصرة؟
لليوم الواحد والعشرين على التوالي، يواصل المستوطنون وقوات الاحتلال الإسرائيلي فرض حصار على ثلاثة منازل تقطنها ثلاث عائلات فلسطينية في منطقة رأس العين، على أطراف بلدة قصرة جنوب نابلس. وشددت قوات الاحتلال خلال الأيام الأخيرة عزل المنطقة، بنصب ثلاث بوابات حديدية وخيمة عسكرية على الطرق المؤدية إلى المنازل، ومنع السكان من الوصول إليها أو مغادرتها، فيما يواصل المستوطنون التحرك في محيطها والتناوب على استخدام كرفانات قائمة قربها.
بدأ الحصار في التاسع من أغسطس/آب الجاري، عندما أقام مستوطنون خيمة قرب المنازل، وتمركزوا في ساحاتها وعند مداخلها، وأغلقوا طرق الوصول إليها بالحجارة. وتعود المنازل إلى قصي أبو ريدة والشقيقين رزق ويوسف حسن، وتقطنها عائلات تضم نحو 15 فلسطينيًا، بينهم أطفال.
وقطع المستوطنون في بداية الحصار خطوط المياه والكهرباء، وعرقلوا إدخال الغذاء والمياه والأدوية، ورشقوا المنازل بالحجارة، وحاولوا اقتحام بوابة أحدها، ووجهوا الشتائم والتهديدات إلى سكانها. وما تزال القيود العسكرية تعرقل إدخال الاحتياجات الأساسية، إذ يتطلب إدخال أبسط المواد تنسيقًا قد يستغرق نحو 48 ساعة، فيما يُمنع بعض أفراد العائلات من الوصول إلى منازلهم. ويتمسك أفراد العائلات الموجودون داخل المنازل بعدم مغادرتها، خشية أن يستولي المستوطنون عليها، في ظل محاولات سابقة لاقتحام المنطقة والسيطرة على المنازل، بينما يواصل أفراد آخرون محاولاتهم للوصول إلى عائلاتهم من دون جدوى.
المنازل الفلسطينية الثلاثة المحاصرة في قصرة
راجع مسبار مقاطع فيديو من موقع الحصار، ومشاهد من التغطيات الميدانية، ومن خلال مطابقة المعالم الظاهرة في المقاطع مع صور الأقمار الصناعية المتاحة عبر خرائط غوغل، حدد مسبار موقع مجموعة المنازل الثلاثة في منطقة رأس العين، عند الأطراف الجنوبية الشرقية لبلدة قصرة، عند الإحداثيات التالية: 32.088044602541444, 35.310997804173745.
ويظهر في أحد المقاطع سور منزل قصي أبو ريدة وبوابته، والطريق المؤدي إليه، ومنزل يقع في الجهة المقابلة، إضافة إلى التضاريس المحيطة.

وهو ما أكدته مطابقة مقاطع أخرى التُقطت من زوايا مختلفة، وظهرت فيها المعالم والتضاريس وتوزيع المنازل والطرق المحيطة بالموقع.
كما أظهرت المقاطع خيمة المستوطنين بمحاذاة سور أحد المنازل وقرب الطريق المؤدي إليه، وأكدت مطابقة موضعها مع بوابة المنزل والطريق والمعالم المحيطة تحديد موقعها.
ويبيّن موقع الخيمة تمركز المستوطنين عند نقطة تتيح مراقبة حركة السكان وعرقلة وصولهم إلى المنازل وخروجهم منها.
لم يكن تمركز المستوطنين بمحاذاة المنازل الثلاثة وحصارها في منطقة رأس العين منفصلًا عن النشاط الاستيطاني القائم على جبل عين عينا، فقد وصفت وسائل إعلام إسرائيلية الخيمة والمنشآت التي أقامها المستوطنون قرب المنازل بأنها امتداد جديد لبؤرة "تل تلبيوت"، وأشارت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إلى أن البؤرة باتت تُستخدم قاعدةً لإقامة نقاط استيطانية إضافية في المنطقة.
كما نسبت تقارير إسرائيلية إقامة الامتداد المحاذي للمنازل إلى مستوطنين من البؤرة، وبناءً على الارتباط بين البؤرة والامتداد المقام قرب المنازل. راجع مسبار مقاطع فيديو نشرتها حسابات مستوطنين وقنوات مؤيدة للاستيطان من داخل البؤرة خلال الأشهر الماضية، بهدف تحديد موقع البؤرة الأم.
وبمقارنة توزيع المعالم وشكل التضاريس ومسارات الطرق الظاهرة في المقاطع مع صور الأقمار الصناعية، طابق مسبار مواقع التصوير وحدد موقع البؤرة فوق قمة جبل عين عينا، غرب قصرة وشرق تلفيت، عند الإحداثيات: 32.083922692293676, 35.31030995204633.

وقاس مسبار المسافة بين نقطة تمركز البؤرة الأم ومجموعة المنازل المحاصرة، وتبيّن أنها تقع على بعد نحو 465 مترًا بخط مستقيم إلى الجنوب من المنازل.

سبعة أشهر من اعتداءات مستوطني تل تلبيوت
أقام مستوطنون بؤرة "تل تلبيوت" في 21 يناير/كانون الثاني الفائت فوق جبل عين عينا، على أراضي قرية تلفيت وضمن المنطقة المصنفة "ب"، وتصنف حركة "السلام الآن" الإسرائيلية الموقع بؤرةً من نوع "مزرعة زراعية"، وتحدد سنة تأسيسها بعام 2026، وتصف طبيعة السكان بأنها "مجتمعية دينية قومية"، كما تورد "جبل عين عونا" اسمًا آخر للبؤرة.
وتقع البؤرة بين قرى تلفيت وجالود وقصرة، ويروج مستوطنون وناشطون مؤيدون للاستيطان لقمة جبل عين عينا، التي يقولون إن ارتفاعها يبلغ 904 أمتار، بوصفها "نقطة استراتيجية" تشرف على القرى الفلسطينية المحيطة وتربط بين تجمعات استيطانية في وسط الضفة وغور الأردن.
وخلال الأسابيع التالية لإقامة البؤرة، نفذ مستوطنون مرتبطون بها سلسلة اعتداءات على الفلسطينيين ومنازلهم في محيط جبل عين عينا، ففي 31 يناير، هاجم ثلاثة مستوطنين زهدي الرجبي أثناء توجهه بسيارته إلى منزل يملكه في تلفيت، ثم شوهدت المركبة الرباعية التي استقلوها متجهة نحو البؤرة، وعندما عاد الرجبي إلى المنزل صباح اليوم التالي، وجده قد تعرض للسرقة.
وفي 13 فبراير/شباط، وصل نحو 15 مستوطنًا على سبع دراجات رباعية إلى أراضي تلفيت في جبل عين عينا، وهاجموا مزارعين كانوا في طريقهم لحراثة أراضيهم، وكان بعض المهاجمين يحملون هراوات وسكاكين ومقاليع وبنادق هجومية، وأطلقوا النار باتجاه المزارعين.
وفي 14 مارس/آذار، هاجم مستوطنون منازل بالحجارة في الأطراف الغربية لقصرة، وأطلقوا النار باتجاه الأهالي، وأصابت الرصاصات الشاب أمير معتصم محمود عودة، البالغ 28 عامًا، في صدره، وشابين آخرين في ساقيهما، فيما تعرض والده معتصم للطعن والاعتداء.
واستشهد عودة متأثرًا بإصابته، ولم يتمكن الأهالي من إجلائه والمصابين إلا بعد تراجع المهاجمين باتجاه البؤرة، وتعرض شهادات مصورة لوالد الشهيد وأحد المصابين تفاصيل الهجوم، فيما يقع موقع الحصار الحالي على بعد أمتار من المكان الذي استشهد فيه عودة.

وفي مقطع منشور في إبريل، وصف الناشط الاستيطاني إليشاع يرد إقامة البؤرة بأنها فتحت المنطقة أمام "الوجود اليهودي"، وقدم إشرافها على خمس قرى فلسطينية بوصفه إحدى مزايا الموقع.
كما نشر يرد ومستوطنون آخرون مقاطع لفعاليات دينية وجولات داخل البؤرة، ترافقت مع دعوات إلى الوصول إليها، وروج يرد لموقعها المرتفع باعتباره يتيح "السيطرة على المنطقة بأكملها".
وتزامن وصول عضو الكنيست ليمور سون هار ملك إلى البؤرة في مايو الفائت مع دعوات إلى تنظيم جولات والمشاركة فيما وصفه مستوطنون وناشطون مؤيدون للاستيطان بأنه "وجود حامٍ".

صور الأقمار الصناعية ترصد توسعًا تدريجيًا في بؤرة "تل تلبيوت"
ولتتبع تطور موقع البؤرة قبل إقامتها وبعدها، قارن مسبار ست صور التقطتها منظومة الأقمار الصناعية "Sentinel-2" بين الرابع من يناير الفائت و17 أغسطس الجاري.
وتُظهر الصورة الأولى حالة الموقع قبل التاريخ الذي توثق منظمة "بتسيلم" إقامة البؤرة فيه، في 21 يناير، إذ تبدو المصاطب الزراعية والمسارات القائمة من دون الامتداد الواسع الظاهر في الصور اللاحقة.
وفي صورة 28 فبراير، التالية لإقامة البؤرة، تظهر مساحة محدودة من التربة المكشوفة عند موقعها.
وبحلول 14 مايو، اتسعت المساحة وازداد وضوح مسار ترابي يصل إليها، وتُظهر صورة 23 يوليو/تموز استمرار اتساع الموقع حول نقطة البؤرة، فيما ترصد صور أغسطس امتداد المساحة المكشوفة والمسارات الترابية إلى نطاق أوسع مقارنة بالأشهر السابقة.
وخلال الفترة نفسها، تحدثت منصات مؤيدة للاستيطان عن هدم منشآت كانت تقيم فيها ثلاث عائلات استيطانية في 21 مايو، ثم منشآت لأربع عائلات مطلع يونيو، مع إعلان القائمين على البؤرة إعادة البناء بعد عمليات الهدم.
ويوضح التسلسل العام للصور استمرار اتساع الموقع وامتداد المسارات المرتبطة به حتى 17 أغسطس.

جيش الاحتلال يضلل بشأن الحصار ويكرّسه
تمركزت قوات من جيش الاحتلال في موقع الحصار منذ يومه الأول، إذ وصلت إلى المنطقة قوة وصفتها تغطيات إسرائيلية بأنها من قوات الدفاع المناطقي، من دون أن تُبعد المستوطنين عن محيط المنازل.
وتُظهر مشاهد جنودًا يؤدون الصلاة مع المستوطنين قرب الخيمة التي أقامها المستوطنون، قبل أن يغادر الجنود المنطقة، فيما بقي المستوطنون متمركزين عند المنازل والطرق المؤدية إليها.

وفي 11 أغسطس/آب، وبعد يومين من بدء الحصار، أصدر جيش الاحتلال أول رد رسمي شامل على الحصار، ووصف دخول مستوطنين إلى منازل وأراضٍ فلسطينية في قصرة وجالود والاستيلاء عليها بأنه نشاط "غير قانوني ومدان ومرفوض"، وقال إنه يضر بسكان القريتين ونمط حياتهم، وأضاف أنه فرض أمرًا بإغلاق المنطقة عسكريًّا أمام كل من لا يقيم فيها، وأن التعامل مع جميع الضالعين سيجري بالتعاون بين قوات الأمن.
غير أن الإدانة المعلنة لم تنعكس في الإجراءات الميدانية، ففي 12 أغسطس/آب، فككت القوات الخيمة المقامة قرب المنازل، من دون إبعاد المستوطنين الذين بقوا في الموقع مع أمتعتهم وتجهيزاتهم، وتُظهر مقاطع متعاقبة راجعها مسبار إعادة نصبها وتجمع المستوطنين بموقعها في اليوم نفسه، واستمرار وصول المستوطنين وتحركهم حول المنازل، وفي 14 أغسطس/آب أعاد المستوطنون نصب الخيمة مرة أخرى.
وتحول أمر الإغلاق العسكري عمليًا إلى حصار مفروض على الفلسطينيين وكل من حاول الوصول إليهم، فقد منعت القوات سكان البلدة والمسعفين والمتضامنين والطواقم البلدية والصحفيين من الوصول إلى المنازل، بينما بقي المستوطنون في المنطقة، ووصلت مجموعات أخرى لمساندتهم، واستمروا في التحرك عند البيوت والطرق المؤدية إليها.
وبدل أن يفصل الانتشار العسكري بين المستوطنين والعائلات المحاصرة، أحكم عزل المنازل وفرض على سكانها قيودًا إضافية، وفي 13 أغسطس/آب، قال الجيش إن قواته تلقت تعليمات بإبقاء سكان قصرة في منازلهم، وإنها لن تعمل داخل المنزل المحاذي لموضع الخيمة، إلا أن القوات أجبرت العائلات المحاصرة على إخلاء منازلها، فرفض أفرادها مغادرة المنطقة وانتقلوا إلى منزل ثالث، فيما اتخذ الجنود منازل فلسطينية أخرى مواقع عسكرية.
وبحلول مساء اليوم نفسه، كانت قوات الاحتلال قد استولت على ثلاثة منازل فلسطينية واتخذتها مواقع عسكرية، أحدها من مجموعة المنازل المحاصرة واثنان أقرب إلى وسط البلدة، وقال يوسف عبد السلام لاحقًا إن الجنود حولوا أحد طوابق منزله إلى ثكنة عسكرية.
كما تُظهر مشاهد راجعها مسبار إقامة الجيش خيمة عسكرية أمام المنازل، في موضع الخيمة التي أقامها المستوطنون، وانتقلت السيطرة على نقطة الحصار إلى تمركز عسكري، من دون تمكين العائلات من الحركة بحرية أو منع المستوطنين من العودة إلى محيطها.
وشملت القيود الطواقم التي حاولت إعادة الخدمات الأساسية، ففي 15 أغسطس، هاجم مستوطنون فريقًا من بلدية قصرة أثناء توجهه، بعد تنسيق مسبق، لإصلاح شبكة الكهرباء، قبل أن تحتجز قوات الاحتلال ثلاثة من أفراده.
وقال رئيس البلدية عبد العظيم الوادي إن العائلات بقيت ثمانية أيام من دون المياه والكهرباء، وسط نقص في الغذاء والدواء ووجود أطفال ونساء بين المحاصرين.
وفي 16 أغسطس، وصلت مركبات تابعة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" إلى المنطقة بعد أيام من تعذر إدخال المساعدات، وتمكنت المنظمة من إيصال مواد غذائية وطبية محدودة، فيما منعت القوات صهريج مياه تابعًا لها من الوصول إلى المنازل وأعادته من المنطقة.
وامتد الإغلاق إلى التغطية الصحفية، ففي 12 أغسطس/آب، منعت قوات الاحتلال صحفيين فلسطينيين وأجانب وحتى إسرائيليين من الوصول إلى المنازل، مستندة إلى أمر المنطقة العسكرية المغلقة.
في المقابل، دخل إليا أفيف، مراسل الضفة الغربية والاستيطان في القناة 14 الإسرائيلية اليمينية، إلى موقع الحصار في اليوم نفسه، وقدم تقريرًا من عند المنازل، بينما ظهر جنود ومستوطنون في محيطه. وحمل التقرير عنوان "حصار أم استفزاز؟"، وقدم المستوطنين بوصفهم متعاونين مع الجيش والشرطة، ووصف توثيق حصار المنازل بأنه محاولة "لتثبيت رواية كاذبة"، قبل أن يخلص أفيف إلى أن ما جرى "لم يكن حصارًا".

وفي 18 أغسطس، وثقت مشاهد مصورة دخول مستوطن إلى أرض أحد المنازل رغم استمرار أمر الإغلاق العسكري، وتحدث الجنود إليه من دون توقيفه، ثم طلبوا من صاحب المنزل العودة إلى الداخل، كما أظهرت مقاطع أخرى في 17 أغسطس جنودًا يحيّون مستوطنين لدى وصولهم ويتحدثون معهم أثناء تحركهم حول المنازل.

وفي مشاهد نُشرت في 21 أغسطس/آب، يظهر جنود من قوات الاحتلال وهم يلقون أثاثًا ومقتنيات من نوافذ منزل يوسف عبد السلام حسان، أحد المنازل المحاصرة التي اتخذها الجيش موقعًا عسكريًا.
وتوثق المشاهد مشاركة الجنود مباشرة في إفراغ المنزل وإتلاف محتوياته، بالتزامن مع فرض القوات سيطرتها على المنطقة ومنع أصحاب المنازل من الحركة بحرية.
وفي مقطع آخر من الواقعة نفسها، سأل لؤي أبو ريدة الجنود عن أسمائهم أثناء إلقاء الأثاث، فرد أحدهم قائلًا: "أنا المالك"، ويقدم المقطع دليلًا إضافيًا على أن وجود القوات داخل المنازل لم يكن بهدف حماية سكانها كما ادعى الجيش، بل تحول إلى أداة لفرض الحصار وتكريسه، وإخضاع المنازل لسيطرة عسكرية تدعم الضغط الذي يمارسه المستوطنون لدفع العائلات إلى مغادرتها.

وفي 23 أغسطس، أكدت وكالة "وفا" استمرار اتخاذ المنزل موقعًا عسكريًا، وقالت إن الجنود أتلفوا أثاثه ومحتوياته، فيما واصلت القوات منع السكان من الدخول إلى المنطقة أو الخروج منها.
وفي 26 أغسطس، وثقت مشاهد مصورة وصول قوات الاحتلال برفقة جرافة عسكرية ومكعبات إسمنتية، وتركيب بوابة حديدية أمام المنازل المحاصرة مباشرة، ضمن ثلاث بوابات نصبتها على الطرق المؤدية إلى منطقة رأس العين.
وأفاد عضو مجلس بلدية قصرة زياد عودة بأن القوات نصبت ثلاث بوابات حديدية على الطرق المؤدية إلى منطقة رأس العين، ما جعل الوصول إليها خاضعًا للتنسيق والتصاريح والإجراءات العسكرية، وشمل العزل أكثر من مئة عائلة تملك منازل وأراضي في المنطقة ولا تستطيع الوصول إليها.

ويوم الخميس، 27 أغسطس، أخلت قوات الاحتلال تمركزاتها من داخل المنازل التي حولتها إلى مواقع عسكرية، وكان آخرها منزل يوسف عبد الكريم حسان.
ولم ينهِ الإخلاء الحصار، بل أعاد الجيش تشكيله وتثبيته خارج المنازل، فأبقى خيمته العسكرية، ونصب البوابات الحديدية، وأغلق الطرق، ومنع السكان من الوصول إلى المنطقة أو مغادرتها، فيما واصل المستوطنون التحرك في محيط المنازل والتناوب على استخدام كرفانات قائمة قربها.
شبكة دعم وتضليل تساند مستوطني "تل تلبيوت"
وجد مسبار، بعد تتبع حسابات وقنوات المستوطنين والتقارير الإسرائيلية والتحركات القانونية والسياسية خلال الحصار، أن بؤرة "تل تلبيوت"، التي جاء منها المستوطنون المشاركون في الحصار، تستند إلى شبكة أوسع من الدعم التنظيمي والإعلامي والقانوني والسياسي، وفرتها منظمات وشبكات استيطانية وشخصيات عامة.
وأظهر البحث أن حسابات وقنوات استيطانية وتقارير إسرائيلية تنسب إقامة "تل تلبيوت" إلى حركة "نحالا"، وبحسب ناحوم برنياع في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، تُعد بؤرة "تل تلبيوت" أحد مشاريع حركة "نحالا"، وترتبط بها النقطة المقامة قرب منازل قصرة.

وأدرجت "إدارة تلال الجبهة" بؤرة "تل تلبيوت" ضمن خريطة للبؤر والمزارع الاستيطانية التي تروج لها، وبعد موجة من عمليات إخلاء البؤر، أعلن الناشط الاستيطاني إليشاع يرد تأمين فرش ومعدات جديدة في طريقها إلى ما سماه "تلال الجبهة"، ما يشير إلى وجود شبكة تعمل على إمداد البؤر التي تروج لها وإعادة تجهيزها بعد إخلائها.
وامتد الدعم إلى المسار القانوني خلال الحصار، ففي 18 أغسطس، قدمت منظمة "حونينو" شكوى باسم مستوطنين ومحتجين ضد عناصر من حرس الحدود، متهمة إياهم باستخدام القوة خلال إخلاء مرتبط ببؤرة "تل تلبيوت"، وطالبت المنظمة بالتحقيق مع العناصر وقادتهم ومراجعة تسجيلات كاميراتهم، وهاجمت توصيف "عنف المستوطنين"، ما شكل دعمًا قانونيًا مباشرًا للمحتجين على الإخلاء.
وتولى ناشطون استيطانيون الدفاع عن المجموعة وإنكار الحصار، فقد نفى إليشاع يرد وجود الحصار، وزعم أن العائلات لم تُمنع من الدخول إلى منازلها أو الخروج منها، ووصف توثيق الحصار بأنه حملة تستهدف المستوطنين، مع إقراره بمحاولة عشرات الشبان إغلاق الطريق لمنع القوات من مصادرة مركبة استُخدمت في الموقع.
وأعادت منصات وقنوات استيطانية نشر الرواية ذاتها وتوسيع انتشارها، وقدمت الحصار بوصفه حملة سياسية وإعلامية ضد المستوطنين، كما وصف الناشط الاستيطاني مئير إتينغر "روايات الحصار" بأنها جزء من حملة مختلقة تهدف إلى إخلاء "تل تلبيوت"، وقدم بقاء المستوطنين فيها بوصفه دفاعًا عن نقطة استراتيجية.

ورافق حملة الإنكار دعم سياسي لمشروع إقامة النقاط الاستيطانية في المنطقتين "أ" و"ب"، بالتزامن مع حصار العائلات، ففي 11 أغسطس، خلال الأيام الأولى للحصار، التقى ممثلون عن منتدى "العودة إلى الديار"، بينهم إلياف ليبي ويهوشواع شيرمان وابنه دانيال، وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في وقت كان المنتدى يدفع بخطة لإقامة مئة نقطة استيطانية أعدها بالتعاون مع "اتحاد المزارع الاستيطانية".
وبعد الاجتماع، أعلن ليبي استعداد القائمين على الخطة لإقامة مئة نقطة "هذه الليلة"، فيما أكد كاتس مواصلة توسيع المزارع والنقاط الاستيطانية في المواقع التي تعدها إسرائيل استراتيجية، وفي 15 أغسطس، دافع عضو الكنيست أفيحاي بوعرون عن النقاط المقامة في المنطقتين "أ" و"ب"، وقال إنه "لا يوجد شيء اسمه مستوطنة غير قانونية"، بل مستوطنات تحتاج إلى التسوية، وإن النقاط المقامة داخل المنطقتين ستجري تسويتها لاحقًا.
وفي 13 أغسطس، بينما كان المستوطنون لا يزالون يحاصرون المنازل، قال كاتس إنه "لا يوجد شيء اسمه عنف المستوطنين".
وفي اليوم التالي، وجه الجيش إلى إعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون في القضايا المتعلقة بالإسرائيليين في الضفة إلى الشرطة، مبررًا القرار بضرورة تركيز الجيش على ما وصفه بأنه "الإرهاب الفلسطيني"، بدلًا من "ملاحقة الشبان على التلال".
ويثير القرار مخاوف من اتساع فجوة إنفاذ القانون خلال اعتداءات المستوطنين، فقد نقلت "يديعوت أحرونوت" عن مصادر في الشرطة أن عملها داخل المنطقتين "أ" و"ب" يتطلب موافقات وتنسيقًا ومرافقة من الجيش، فيما حذرت جمعية حقوق المواطن في إسرائيل من أن نقل المسؤولية قبل إنشاء قوة بديلة قد يخلق غموضًا في توزيع الصلاحيات ويفاقم غياب الحماية عن الفلسطينيين.
وسبق حصار المنازل في قصرة حصار مشابه في قرية جالود المجاورة، فقد تعرضت عائلة الطوباسي منذ إبريل/نيسان لسلسلة من الاعتداءات، بدأت بإقامة خيمة استيطانية قرب منزليها، قبل أن يشتد الحصار على مدى أسابيع مع استيلاء المستوطنين على مبنى يقع على طريقها الوحيد إلى وسط القرية، ما أدى إلى عزلها ومنع وصول الغذاء والمياه والأدوية إليها.
كما قطع المستوطنون خطوط المياه والكهرباء وأغلقوا الطرق المؤدية إلى المنازل، وفي 22 يوليو، أُجبرت العائلة على مغادرة منزلها، قبل أن يستولي المستوطنون عليه، وظل تحت سيطرتهم خلال أيام حصار المنازل في قصرة.
اقرأ/ي أيضًا
صور الأقمار الصناعية تكشف عن بؤرة استيطانية جديدة تنشئها اسرائيل شمالي الضفة الغربية
مسبار يوثّق إضرام مستوطنين النار في منطقة جبلية ببلدة الطيبة في الضفة الغربية
المصادر













































