مسبار يتتبع بالأقمار الصناعية طحالب يُرجَّح أنها من مصر أربكت التحلية الإسرائيلية
رصد فريق "مسبار" في التلفزيون العربي، عبر صور الأقمار الصناعية من القمر Sentinel-2، تغيرًا لافتًا في لون مياه البحر الأبيض المتوسط بمحاذاة الساحل الشرقي للبحر، ظهر أولًا قبالة السواحل المصرية قبل أن تُرصد تغيرات مشابهة لاحقًا أمام شمال سيناء وقطاع غزة وصولًا إلى السواحل الإسرائيلية.
وتزامن وصول الظاهرة إلى الساحل الإسرائيلي، في نهاية أغسطس/آب ومطلع سبتمبر/أيلول، مع أزمة شبه غير مسبوقة في منظومة تحلية المياه، بعدما أُغلقت خمس من أصل ست محطات رئيسية لتحلية مياه المتوسط، إثر ارتفاع حاد في عكارة مياه البحر.
وشملت المحطات المتوقفة عسقلان وأسدود وبلماحيم، إلى جانب محطتي سوريك "أ" و"ب"، بينما واصلت محطة الخضيرة، الواقعة إلى الشمال، عملها.
وأوضحت مصادر في قطاع المياه أن الإغلاق كان إجراءً احترازيًا لحماية أنظمة الترشيح والأغشية الحساسة من الانسداد أو التلف.
وترجح تقديرات أولية لباحثين في المعهد الإسرائيلي لبحوث البحار والبحيرات أن تكون العكارة مرتبطة بازدهار كثيف للطحالب الدقيقة، يحتمل أن يكون مصدره منطقة دلتا النيل في مصر، قبل انتقاله مع حركة المياه والتيارات في شرق المتوسط.
لكن هذه الفرضية لم تُحسم بعد، إذ استمر الباحثون في فحص العينات لتحديد أنواع الطحالب ومنشئها على نحو دقيق، فيما طرح خبراء احتمالات أخرى بشأن مصادر الظاهرة ومساراتها.

من دلتا النيل إلى الساحل الإسرائيلي.. ماذا ترصد الأقمار الصناعية؟
حلل فريق مسبار سلسلة من صور Sentinel-2 خلال الفترة بين يوليو/تموز ومطلع سبتمبر، لرصد التغيرات في لون المياه على امتداد الساحل الشرقي للمتوسط.
ولا تستطيع الصور ذات الألوان الطبيعية، بمفردها، تحديد نوع الطحالب أو إثبات أن التغيرات المرصودة في المواقع المختلفة تعود إلى الكتلة المائية نفسها، لكنها تسمح بتتبع التغير المكاني والزمني في لون المياه والعكارة على طول الساحل.
بدأت أولى الإشارات اللافتة في 6 يوليو، عندما ظهر تغير أخضر داكن في لون المياه قبالة بورسعيد ومناطق من ساحل دلتا النيل، ممتدًا شرقًا باتجاه بحيرة البردويل.

وفي 16 و18 يوليو، أصبحت الظاهرة أكثر وضوحًا في الصور، وغطت مساحات واسعة قبالة بورسعيد مع امتدادها على طول الساحل شمال سيناء.

وفي نهاية يوليو، رصدت الصور تغيرات مشابهة في المياه أمام العريش وشمال سيناء، في الوقت الذي ظل فيه التغير واضحًا كذلك بالقرب من نقطة ظهوره الأولى قبالة بورسعيد.

وفي 4 أغسطس، بدت المياه قبالة قطاع غزة أكثر صفاء في الصور المتاحة، قبل أن يظهر تغير لوني محدود أمام أجزاء من جنوب القطاع في 24 أغسطس.


وفي 1 سبتمبر، ظهر تغير واسع في لون المياه قبالة عسقلان وأشدود، بالتزامن مع أزمة العكارة التي دفعت إلى وقف محطات التحلية.

وتكشف المقارنة الزمنية، بذلك، انتقال نطاق التغيرات المرئية تدريجيًا من الساحل المصري نحو الشمال الشرقي خلال نحو ستة إلى ثمانية أسابيع.
لكن إثبات أن الصور تتتبع كتلة واحدة من الطحالب، وليس ظواهر متتابعة أو مترابطة جزئيًا، يحتاج إلى بيانات إضافية عن الكلوروفيل والعكارة والتيارات البحرية وتحليل العينات.


اضطراب بحري سبق أزمة العكارة
سبقت أزمة محطات التحلية أيام من الاضطراب في البحر المتوسط. ففي 29 أغسطس، حذرت الهيئة العامة للأرصاد الجوية المصرية من اضطراب الملاحة البحرية على امتداد الساحل من مطروح حتى شمال سيناء، مع رياح تراوحت سرعتها بين 50 و70 كيلومترًا في الساعة، وأمواج بلغ ارتفاعها بين 2.5 و4.5 أمتار.
وامتدت الظروف البحرية المضطربة إلى أجزاء من شرق المتوسط خلال الأيام نفسها. وعند إعلان توقف خمس محطات للتحلية، قالت سلطة المياه الإسرائيلية إن ارتفاع العكارة ارتبط بظروف جوية غير اعتيادية، فيما أفادت تقارير إسرائيلية بأن السلطات كانت تفحص احتمال تداخل اضطراب البحر مع انجراف كميات كبيرة من الطحالب نحو الساحل.
وقد تسهم الرياح والأمواج القوية في إعادة خلط طبقات المياه والمواد العالقة والتأثير في حركة الكتل المائية، لكن تزامن الاضطراب البحري مع انتقال نطاق التغيرات المرصودة في صور الأقمار الصناعية لا يكفي، بمفرده، لإثبات أن هذه الظروف هي التي دفعت الطحالب من السواحل المصرية إلى إسرائيل.

كيف تستطيع طحالب مجهرية إيقاف محطة تحلية؟
أظهرت عينات جُمعت من مآخذ محطات التحلية وجود كثافات مرتفعة من الطحالب الدقيقة. وأوضحت الدكتورة تمار غاي حاييم، الباحثة في المعهد الإسرائيلي لبحوث البحار والبحيرات، أن هذه الكائنات أحادية الخلية يمكن، عند ازدهارها بكثافة كبيرة، أن تفرز مواد لزجة شبيهة بالهلام، تستطيع تجاوز بعض مراحل الترشيح والوصول إلى الأغشية الدقيقة المستخدمة في التناضح العكسي، ما يزيد خطر انسدادها وتعطلها.
ولا تُضخ مياه البحر مباشرة إلى أغشية التناضح العكسي، بل تمر أولًا بمراحل من الترشيح والمعالجة الأولية. ومع ارتفاع تركيز الطحالب والمواد العضوية، يزداد خطر تراكم الرواسب والانسداد البيولوجي، ما قد يخفض كفاءة المحطة ويلحق أضرارًا مكلفة بالأغشية ومعدات المعالجة.

وتشير أبحاث تمار غاي حاييم إلى أن المواد اللزجة التي تنتجها الطحالب خلال ازدهارها قد تمر عبر المرشحات التقليدية والرملية، قبل أن تصل إلى الأغشية الدقيقة وتتراكم عليها، وهو ما يفسر خطورة هذه الظاهرة على محطات تعتمد على التناضح العكسي.
من جانبه، قال البروفيسور جاك جيلرون، الخبير في معهد تسوكربيرغ لبحوث المياه بجامعة بن غوريون، إن المواد الغنية بالفوسفات والنيتروجين في مياه الصرف القادمة من قطاع غزة ربما وفّرت مصدرًا إضافيًا للمغذيات، وساهمت في تحفيز نمو الطحالب خلال تحركها شمالًا.
وتعتمد محطات التحلية في إسرائيل على سحب مياه البحر عبر أنابيب تمتد إلى داخل البحر وعلى أعماق محددة، فيما تراقب أجهزة الاستشعار عند نقاط السحب جودة المياه ومستويات العكارة بصورة مستمرة.
وبحسب البروتوكولات التشغيلية المشار إليها في التقرير، يجري وقف الضخ عندما يتجاوز مؤشر العكارة 5 وحدات على مقياس العكارة النيفيلومترية (NTU)، بهدف تجنب تعريض الأغشية الدقيقة للانسداد البيولوجي، وما قد يترتب عليه من توقفات طويلة وتكاليف إصلاح وتشغيل مرتفعة.

وفي السياق نفسه، وصف ألون زاسك، مدير المعهد الإسرائيلي لبحوث البحار والبحيرات، اتساع الظاهرة وشدتها على طول الساحلين الجنوبي والأوسط بأنها حدث استثنائي وغير مسبوق في التاريخ الحديث للمنطقة.

المزارع والمدن تدفع ثمن أزمة التحلية
ومع توقف عدد من محطات التحلية، سارعت سلطة المياه وشركة "ميكوروت" إلى تفعيل مصادر بديلة، عبر زيادة الاعتماد على المياه الجوفية ومصادر أخرى، في محاولة للحفاظ على إمدادات المنازل والحد من تأثير الأزمة على شبكة المياه.
لكن تداعيات الأزمة امتدت إلى الزراعة والخدمات البلدية، إذ أوقفت السلطات ري الحدائق العامة والمساحات الخضراء، وقلصت إمدادات المياه إلى مناطق زراعية في الجنوب، ما أثار مخاوف من تضرر محاصيل الخضراوات والبساتين وخسائر للمزارعين.
وشملت الإجراءات وقف الري في نحو 20 ألف دونم من الأراضي المزروعة بمحاصيل حساسة، بينها الخضراوات والبساتين، وسط تحذيرات من أن استمرار انقطاع المياه، خصوصًا خلال موجات الحر، قد يؤدي إلى تلف محاصيل موسمية وانعكاسات على أسعارها.
وعلى صعيد الخدمات، شهدت عدة مدن ومجالس إقليمية، بينها سديروت والقدس وجفعتايم، انخفاضًا في ضغط المياه، فيما دعت السلطات المحلية السكان إلى الحد من الاستخدامات غير الضرورية.
وطلبت بلدية تل أبيب من السكان ترشيد استهلاك المياه، وأوقفت استخدام المياه في بعض الحدائق العامة ومرافق الشواطئ. وفي القدس، جهزت شركة "جيحون" نقاطًا طارئة لتعبئة صهاريج المياه تحسبًا لأي تراجع إضافي في الإمدادات.
اقرأ/ي أيضًا
صور أقمار صناعية ترصد أعمال تهيئة متصاعدة في قاعدة تفتناز الجوية
تسربات من عُمان إلى قشم.. كيف فاقمت الحرب التلوث النفطي حول هرمز؟

























