لم تكن العلاقات الكولومبية الإسرائيلية وليدة التحول الأخير، بل استندت لعقود إلى تعاون عسكري وتجاري وثيق. واعتمدت كولومبيا، خصوصًا في مجال الأمن والدفاع، على معدات إسرائيلية من بينها مقاتلات "كفير" وأنظمة ومعدات استخبارية وعسكرية، قبل أن تبدأ حكومة غوستافو بيترو في تفكيك هذه الشراكة تدريجيًا.
ففي فبراير/شباط 2024، أعلن بيترو وقف مشتريات الأسلحة والمعدات العسكرية الجديدة من إسرائيل، احتجاجًا على الحرب في غزة. وفي مايو/أيار، أعلنت حكومته قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، وطرد السفير الإسرائيلي، متهمة الحكومة الإسرائيلية بارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي. ومع ذلك، لم تعنِ الخطوة قطيعة كاملة في كل المجالات، إذ استمرت بعض القنوات التجارية والقنصلية.

ولم يتوقف التصعيد عند المجال الدبلوماسي. ففي 2025، أصدر بيترو قرارًا بتعليق صادرات الفحم الكولومبي إلى إسرائيل، ثم هدد بتعديل امتيازات شركة "غلينكور" ووجه البحرية إلى اعتراض أي شحنات متجهة إلى الموانئ الإسرائيلية. غير أن رويترز نقلت عن الشركة أنها أوقفت الشحنات قبل دخول قرار التعليق حيز التنفيذ.
وفي المسار القانوني، لم تكتف بوغوتا بإدانة إسرائيل سياسيًا، بل طلبت التدخل في القضية التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية. كما استخدم بيترو منابر دولية، بينها الأمم المتحدة، للدعوة إلى فرض عقوبات على إسرائيل ووقف إمدادات السلاح إليها. وهكذا تحولت كولومبيا خلال عهده إلى واحدة من أكثر الحكومات انتقادًا لإسرائيل في أميركا اللاتينية.
شبكة واشنطن
لم يبدأ تقارب أبيلاردو دي لا إسبريا مع إسرائيل من بوغوتا، بل من شبكة علاقات سياسية بناها في الولايات المتحدة. فمن خلال إقامته ونشاطه المهني في فلوريدا، انفتح على شخصيات جمهورية ودوائر محافظة، من بينها النائبة ماريا إلفيرا سالازار، المعروفة بدعمها العلني لإسرائيل وارتباطها بلجان ضغط مؤيدة لها.
اكتسب هذا التقارب بعدًا سياسيًا أوضح في مارس/آذار 2026، حين التقى دي لا إسبريا في ميامي بالنائبة ماريا إلفيرا سالازار ووكيل وزارة الخارجية الأميركية كريستوفر لاندو. وقدّم اللقاء بوصفه اجتماعًا مع شخصيتين تؤديان دورًا مؤثرًا في صياغة السياسة الأميركية تجاه كولومبيا وإسرائيل، بما يعكس انتقال علاقات المرشح من التعاطف السياسي إلى قنوات اتصال مباشرة مع دوائر القرار في واشنطن.
وتوفر سجلات لجنة الانتخابات الفيدرالية الأميركية دليلًا ماليًا على هذا التقاطع السياسي. فبحسب مراجعة السجلات منذ عام 2018، بلغت مساهمات دي لا إسبريا الفعلية، باستثناء القيود التذكيرية التي تعيد توزيع التبرع نفسه بين لجان انتخابية، نحو 16,229 دولارًا. وذهب 14,300 دولار منها إلى لجان مرتبطة بسالازار، بينها 2,700 دولار لحملتها عام 2018 و11,600 دولار إلى لجنة Salazar Victory Committee عام 2023.
وعند توسيع نطاق المراجعة ليشمل مساهمات زوجته آنا لوسيا بينيدا، يرتفع إجمالي ما قدمه الزوجان منذ عام 2018 إلى نحو 95 ألف دولار لحملات جمهورية، ذهب نحو 92 ألفًا منها إلى حملات ماريا إلفيرا سالازار ولجان مرتبطة بها، وفق مراجعة أجرتها "La Silla Vacía" لبيانات لجنة الانتخابات الفيدرالية.
وفي المقابل، تكشف سجلات تمويل حملة سالازار أيضًا عن تلقيها دعمًا من لجان سياسية مؤيدة لإسرائيل، بينها AIPAC PAC ولجان أخرى. وهو ما يكشف تقاطعًا بين شبكة العلاقات السياسية الأميركية المؤيدة لإسرائيل ومسار دي لا إسبريا.

ولم يقتصر حضور سالازار في علاقة دي لا إسبريا بالدوائر الجمهورية المؤيدة لإسرائيل على الجانب المالي، بل امتد إلى دعم سياسي علني خلال الانتخابات الرئاسية. فقد قالت النائبة الأميركية إنها تعرفه جيدًا وإنه دعم حملاتها السابقة، كما هنأته بعد فوزه ووصفته بأنه صديق للديمقراطية وحليف للولايات المتحدة.
وفي المقابل، عبّر دي لا إسبريا بوضوح عن موقفه المؤيد لإسرائيل؛ ففي مقابلة مع صحيفة "بوبليمترو" في أغسطس 2025، ردًا على سؤال بشأن الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، قال: "إن دولة إسرائيل، ورئيس وزرائها نتنياهو، تفعل ما يلزم للدفاع عن شعبها، وهذا ما سأفعله أنا أيضًا للدفاع عن كولومبيا، مهما كلف الأمر".
وهكذا، تظهر سالازار في مساره السياسي باعتبارها حلقة تصل بين الدعم المالي، والعلاقات الجمهورية في واشنطن، والموقف المؤيد لإسرائيل.
من التصريح إلى التنسيق
قبل فوزه بالرئاسة، التقى دي لا إسبريا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وقال بعد الاجتماع إنه نقل إليه الحاجة إلى تعزيز علاقات الصداقة والتعاون بين البلدين. كما تعهد بنقل السفارة الكولومبية إلى القدس، وربط التقارب مع إسرائيل بالتعاون في ملفات الأمن ومكافحة الجريمة.

وامتد انفتاح الحملة على الجالية اليهودية إلى لقاءات مباشرة مع قياداتها. ففي 25 مارس 2026، شارك دي لا إسبريا ومرشحه لمنصب نائب الرئيس، خوسيه مانويل ريستريبو، في اجتماع مع اتحاد الجاليات اليهودية في كولومبيا، بحضور مديره التنفيذي ماركوس بيكل. ووفقًا للسيرة الرسمية المنشورة على موقع المؤتمر اليهودي العالمي، يشغل بيكل أيضًا منصب مفوض مكافحة معاداة السامية في المؤتمر اليهودي لأميركا اللاتينية، وعضوية اللجنة التنفيذية للمؤتمر اليهودي العالمي منذ عام 2013.
وخلال اللقاء، جدد دي لا إسبريا تعهده بالوقوف إلى جانب الجالية اليهودية، فيما قال ريستريبو: "لن أتردد أبدًا في الدفاع عن شعبنا اليهودي، فهم إخوتنا وشعب الله". وتكشف هذه التصريحات عن توظيف واضح للبعد الرمزي والديني في خطاب الحملة.
وفي الأول من أبريل/نيسان 2026، وجه دي لا إسبريا رسالة إلى الجالية اليهودية في كولومبيا عبر حسابه على منصة "إكس"، معربًا عن شكره لها، في خطوة عكست سعي حملته إلى تثبيت العلاقة مع المؤسسات اليهودية المحلية باعتبارها جزءًا من صورته السياسية الجديدة.

وفي مسار مواز، انفتحت الحملة على "كيهيلات يوفيل"، وهي جماعة تعرف نفسها باعتبارها جماعة يهودية مسيانية في بوغوتا، ويقودها القس راؤول روبيو. وتقدم الجماعة نفسها باعتبارها داعمة لإسرائيل، بينما تقول "حركة مكافحة معاداة السامية" إنها تعاونت معها في تنظيم فعاليات مؤيدة لإسرائيل داخل كولومبيا.
أما الصلة المباشرة بالسفارة الإسرائيلية، فترد أساسًا في تحقيق نشرته مجلة "رايا" الكولومبية، قال إن السفارة وقادة منظمات مقربة من الحكومة الإسرائيلية أقاموا شبكة اتصالات مع دي لا إسبريا وعدد من الشخصيات التي تشغل مناصب في إدارته.

وتظهر السياحة الدينية بوصفها مسارًا إضافيًا في هذه الشبكة. فشركة "سيديكول" الكولومبية تروج لرحلات إلى إسرائيل بالشراكة مع شركة "The Land Tours"، التي تقدم برامج للسياحة التوراتية والتاريخية والثقافية.

وفي كولومبيا، يقدم الملف المهني لويليام تيو سانشيز كامارغو معلومات عن ارتباطه بتمثيل الشركة، بينما تظهر في منشوراته العامة مواد مؤيدة لحملة دي لا إسبريا.
وعقب إعلان فوز دي لا إسبريا في 21 يونيو/حزيران، هنأه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عبر منصة "إكس"، كما قال دي لا إسبريا إنه تلقى اتصالًا من ساعر لتهنئته وتعزيز العلاقات بين البلدين.

دبلوماسية الأنقاض
بعد أن ضرب الزلزال كولومبيا يوم 10 أغسطس الفائت، بدأت إسرائيل في إدخال الكارثة إلى خطابها الدبلوماسي والإعلامي، مقدمة مساعداتها باعتبارها تعبيرًا عن تضامن الدولة الإسرائيلية مع الشعب الكولومبي.
ففي نشرتها الصادرة في 14 أغسطس، لم تكتف السفارة الإسرائيلية بالإشارة إلى إرسال بعثة إنقاذ إلى كولومبيا، بل قارنت العملية بما حدث في فنزويلا بعد زلزال سابق. وقدمت النشرة الرواية الإسرائيلية التي تقول إن المساعدة المقدمة إلى فنزويلا أسهمت في إعادة بناء العلاقات بين البلدين، بعدما كانت قد انقطعت لسنوات، ومهدت لاستئناف العلاقات القنصلية بينهما.
وضعت النشرة الحالتين الكولومبية والفنزويلية ضمن مبادرة أوسع قالت إن وزارة الخارجية الإسرائيلية أطلقتها لتعزيز العلاقات مع دول أميركا اللاتينية. وبذلك، لم تظهر المساعدة الإنسانية في الخطاب الإسرائيلي باعتبارها استجابة طارئة فحسب، بل كجزء من تحرك دبلوماسي يستثمر الكوارث الطبيعية لفتح قنوات سياسية جديدة أو ترميم قنوات قائمة.
في 14 أغسطس، وصلت بعثة "Alliance of Brothers" إلى مدينة كالي على متن طائرة تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي. وضمت البعثة عناصر من قيادة الجبهة الداخلية في الجيش الإسرائيلي، ووزارة الدفاع، ووزارة الخارجية.

بلغ عدد أفراد البعثة نحو 80 ضابطًا وجنديًا ومتخصصًا، وشاركوا في تقييم مواقع الدمار، وعمليات البحث والإنقاذ، وتقديم المساعدة الإنسانية، بحسب الجيش الإسرائيلي.
ترأس البعثة العميد في الاحتياط يوسي بينتو، قائد الوحدة الوطنية للبحث والإنقاذ التابعة لقيادة الجبهة الداخلية. وشارك فيها العقيد إيهود مويال، نائب رئيس البعثة، الذي تحدث لاحقًا عن عمليات تقييم المباني وتحديد المنشآت القابلة لإعادة الاستخدام، وتلك التي تحتاج إلى إخلاء أو هدم.
كما ضمت البعثة المقدم في الاحتياط أوري زيتياتي، قائد فريق الإنقاذ، الذي سبق أن شارك في بعثات إسرائيلية إلى تركيا والبرازيل، والضابط في الاحتياط رعنان بن سيناي، الذي شارك أيضًا في بعثة الإنقاذ الإسرائيلية إلى فنزويلا. وتولى النقيب روني كابلان، المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، مهمة التواصل الإعلامي من موقع الكارثة، وفق حسابه على منصة إكس.
وتركز عمل الفريق، بحسب صحيفة Minuto60، في ثلاثة مواقع بمدينة كالي، هي مستشفى جامعة فالي، ومبنى فانيسا جنوب المدينة، وموقع آخر انهار فيه مبنى.
في 22 أغسطس، أعلنت إسرائيل إرسال شحنة إضافية تزن خمسة أطنان من المعدات الطبية، ضمن تعاون بين وزارتي الخارجية والصحة الإسرائيليتين للاستجابة لحالة الطوارئ الطبية.

خطاب الإنقاذ
تظهر منشورات روني كابلان أن الخطاب الإعلامي للبعثة تجاوز الإعلان عن وصول فريق الإنقاذ ومواقع عمله. فقد قدمت المنشورات العملية باعتبارها فعلًا رسميًا من جانب إسرائيل تجاه الشعب والسلطات الكولومبية، وربطت بين وجود الفريق على الأرض واستمرار التعاون بين الحكومتين.
في 25 أغسطس الفائت، نشر كابلان صورة مع نائب الرئيس الكولومبي خوسيه مانويل ريستريبو، خلال تسليم المعدات الطبية الإسرائيلية إلى السلطات الكولومبية. وظهرت العملية في المنشور باعتبارها امتدادًا للمساعدة التي قدمتها إسرائيل بعد الزلزال، وليس مجرد مساهمة لوجستية محدودة في عمليات الإنقاذ.
كما ظهر كابلان في مقاطع مصورة من موقع الكارثة، وهو يشرح أن الوفد الإسرائيلي جاء "لمساعدة الشعب والسلطات"، وأن عمله يجري بالتنسيق مع فرق الإنقاذ المحلية. ووثقت منشوراته وجود أفراد البعثة بين الأنقاض وفي مواقع تقييم المباني، كما يظهر في أحد المقاطع الميدانية.
واعتمد كابلان على حضور مكثف من موقع العمليات. فقد نشر مقاطع عدة ظهر فيها مرتديًا الزي العسكري الإسرائيلي، لكن داخل مواقع الإنقاذ، محاطًا بالفرق المحلية، ومتحدثًا باللغة الإسبانية إلى الجمهور الكولومبي. ونقلت هذه الصورة الجندي الإسرائيلي من سياقه العسكري المعتاد إلى مشهد إنساني يرتبط بالإنقاذ والتضامن.
وفي أحد المقاطع، قال كابلان إن الفريق جاء من إسرائيل إلى كولومبيا "للمساعدة"، مضيفًا أن أولوية عمله تشمل المدارس والمستشفيات، بحسب ما ورد في منشور آخر.
وتكشف هذه الرسالة أن إسرائيل تحاول تقديم نفسها باعتبارها دولة توفر الحماية والخبرة للمؤسسات المدنية، في وقت تواجه فيه اتهامات دولية بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة، وباستهداف منشآت صحية وتعليمية هناك.
أما السفيرة الإسرائيلية في كولومبيا، فيفيان آيزن، فاتخذ خطابها منحى دبلوماسيًا أكثر وضوحًا. فلم تركز منشوراتها على تفاصيل عمليات الإنقاذ فقط، بل ربطت بين البعثة والعلاقة بين الدولتين. وشكرت آيزن أفراد البعثة على ترك عائلاتهم والتوجه إلى كولومبيا، وقدمت استمرار المساعدات باعتباره تعبيرًا عن التزام إسرائيل تجاه الشعب الكولومبي، كما يظهر في منشوراتها على منصة إكس.
وبهذا الخطاب، تحولت بعثة الإنقاذ من مهمة ميدانية محدودة إلى أداة للدبلوماسية العامة. فالمساعدات، وظهور الجنود في مواقع الأنقاض، والتواصل باللغة الإسبانية، وتسليم المعدات بحضور مسؤولين كولومبيين، اجتمعت في سردية واحدة تقدم إسرائيل بوصفها شريكًا أمنيًا وإنسانيًا في كولومبيا، بعد أن كانت العلاقة بين البلدين قد دخلت مرحلة قطيعة دبلوماسية في عهد الرئيس السابق.
اقرأ/ي أيضًا










































